العنوان انتفاضة اليهود الإثيوبيين «الفلاشا» تفضح الوجه العنصري للكيان الصهيوني
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1996
مشاهدات 98
نشر في العدد 1188
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 13-فبراير-1996
موضوع الغلاف
انتفاضة اليهود الإثيوبيين «الفلاشا» تفضح الوجه العنصري للكيان الصهيوني
السلطات الإسرائيلية قامت في الخمسينيات ببيع ٤٥٠٠ طفل يهودي يمني للأشكنازيم
ثلث المهاجرين اليهود من الاتحاد السوفييتي يعانون من أمراض نفسية....، و٢٥ ألفا هربوا من «إسرائيل» وأقدموا على الانتحار
اليهود «الفلاشا» يهددون بانتفاضة ضد «إسرائيل» على غرار الانتفاضة الفلسطينية
«الفلاشا»: كنا في إثيوبيا بشرًا أما هنا في «إسرائيل» فلسنا سوى حمير وأبناء زني
عمان:
لم تكد «إسرائيل»، تصحو من صدمة اغتيال رئيس وزرائها السابق «إسحاق رابين» التي خلفت وراءها الكثير من الآثار والانعكاسات وأحدثت انقسامات خطيرة في الحياة السياسية الإسرائيلية أنذرت بحدوث حرب أهلية وخلخلة في بنية المجتمع الإسرائيلي، حتى جاءت انتفاضة اليهود الإثيوبيين «الفلاشا»، الذين ثاروا ضد سياسة التمييز العنصري التي تمارسها الحكومة الإسرائيلية ضدهم، لتضيف مخاوف جديدة لدى الإسرائيليين من حدوث تصدعات داخل المجتمع الإسرائيلي الفسيفسائي، الذي يعاني من خلخلة وتفكك على درجة كبيرة من الخطورة، ولتكشف الوجه الحقيقي للمجتمع الإسرائيلي القائم على التمييز والعنصرية والكراهية.
وقد اندلعت المواجهات العنيفة بين «الفلاشا» والمئات من قوات الشرطة الإسرائيلية بعد أن كشفت الصحف الإسرائيلية أن بنك الدم الإسرائيلي كان يتخلص فورًا من تبرعات اليهود «الفلاشا» بالدم خشية أن يكون ملوثًا بفيروس نقص المناعة الإيدز، دون أن يخبرهم بذلك تجنبًا لإحراجهم، وهو ما اعتبره اليهود «الفلاشا» إهانة بحقهم، وتعبيرًا عن التمييز العنصري الذي تمارسه الحكومة ضدهم.
وقد أصيب خلال الصدامات بين «الفلاشا» الذين تظاهروا أمام مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي «شيمون بيريز»، وحاولوا اقتحامه وبين قوات الشرطة الإسرائيلية التي استخدمت الهراوات والقنابل الصوتية والقنابل المسيلة للدموع، وخراطيم المياه، والرصاص المطاطي الذي لم يكن يستخدم سوى ضد الفلسطينيين نحو ٦٢ جريحًا من بينهم ٤٠ شرطيا.
وهتف اليهود «الفلاشا» خلال مظاهرتهم بشعارات «أوقفوا العنصرية»، و«دماؤنا حمراء وليست سوداء»، ورفعوا لافتات كتب عليها «نحن يهود مثلكم، والتمييز العنصري في إسرائيل»، وهددوا بإعلان انتفاضة كتلك التي قام بها الفلسطينيون عام ۱۹۸۷ م ضد الاحتلال الإسرائيلي، وقال المتحدث باسم «الفلاشا»: «المرة المقبلة ستكون أكثر عنفا، وستكون هناك دماء كثيرة، وحمل «بيريز» المسؤولية».
وقد لجأت الحكومة التي وجدت نفسها في موقف حرج للغاية إلى تهدئة غضب «الفلاشا»، حيث اعتذر رئيس الوزراء خلال استقباله لوفد منهم عما قام به بنك الدم الإسرائيلي، وأعلن تشكيل لجنة تحقيق في الموضوع.
وحمل وزير الصحة مدير بنك الدم «أمنون ابن ديفيد» مسؤولية القرار بإتلاف تبرعات «الفلاشا» بالدم الذي أدى إلى اندلاع المواجهات الغاضبة، وقد وصف السفير الإسرائيلي في إثيوبيا الذي تعرض لنقد لاذع من قبل المسؤولين الإثيوبيين قرار بنك الدم بأنه قرار تعسفي وغبي أحرج الحكومة الإسرائيلية.
«إسرائيل» مجتمع عنصري مفكك
لقد فتحت احتجاجات اليهود «الفلاشا» واتهاماتهم للحكومة بالعنصرية ملف التمييز العنصري داخل المجتمع الإسرائيلي، الذي يتشكل من خليط واسع من العرقيات والجنسيات المختلفة، التي تجمعت في أرض فلسطين عن طريق الهجرات المكثفة، التي أشرفت عليها الوكالة اليهودية التي وضعت في مقدمة أولوياتها حشد عدد كبير من اليهود في فلسطين.
ووفق إحصائيات نهاية عام ١٩٩٣م بلغ مجموع عدد اليهود في «إسرائيل»، ٤,٣٣٥,٢٠٠ يهودي، من بينهم ١٧ من أصل أسيوي، و١٩.٣% من أصل إفريقي، في حين بلغت نسبة اليهود من أصول أمريكية وأوروبية ٣٩.٩، أما اليهود مواليد «إسرائيل»، فبلغت نسبتهم ٢٣٨ وينقسم اليهود في «إسرائيل»، بصورة عامة إلى قسمين من حيث بلدانهم الأصلية التي قدموا منها.
القسم الأول: اليهود الغربيين «الإشكنازيم»
وهؤلاء قدموا من الدول الأوروبية وأمريكا، ويشكلون نسبة تصل نحو ٤٠ من سكان «إسرائيل»، وهم يشكلون النخب المثقفة في المجتمع الإسرائيلي ويسيطرون على مقاليد الأمور السياسية والثقافية والاقتصادية والعسكرية منذ تأسيس الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، ويعود السبب في ذلك إلى أنهم هاجروا إلى «إسرائيل» في فترة مبكرة ما بين عامي ۱۹۱۹ و١٩٤٨م، ووصلت نسبتهم قبل قيام دولة «إسرائيل» إلى ٥٤,٨ الأمر الذي مكنهم من الهيمنة على جميع أجهزة الدولة بعد قيامها.
القسم الثاني: اليهود الشرقيين «السفارديم»
وهؤلاء قدموا من الدول الآسيوية والإفريقية إضافة إلى أولئك الذين كانوا موجودين أصلًا في «إسرائيل»، ويشكل السفارديم نسبة ٦٠ من سكان «إسرائيل» من بينهم ۲۸ قدموا من دول عربية كالمغرب والعراق واليمن وسورية ولبنان، وتونس والجزائر ومصر، وليبيا، وقد هاجر معظم اليهود السفارديم إلى «إسرائيل» بعد قيامها عام ١٩٤٨م في موجات جماعية كبيرة، وقامت القيادة الإسرائيلية الإشكنازية في حينه برش اليهود القادمين من المغرب والعراق واليمن والجزائر، وشمال إفريقيا بمادة المدي دي تي وأسكنتهم في النقب والجليل، فيما يسمى بمدن التطوير بعيدًا عن المدن الكبرى، ويعيش السفارديم في الضواحي الفقيرة ويعانون أوضاعًا معيشية صعبة أدت في كثير من الأحيان إلى انقطاع أطفالهم عن الدراسة، وهو ما أثر على مستواهم الثقافي.
وقد تميزت العلاقة بين الإشكنازيم والسفارديم بالتوتر والكراهية الشديدة طوال العقود الماضية، ويعاني السفارديم بصورة قاسية من التمييز الذي تمارسه ضدهم النخبة الحاكمة المتسلطة من اليهود الغربيين الإشكنازيم الذين يعتبرون أنفسهم بناة دولة «إسرائيل»، وبالتالي فمن حقهم أن يحكموها، ولا يعترفون بهذا الحق« للسفارديم «الشرقيين»، حيث كان «بن غوريون» يرى أن وصول اليهود الشرقيين إلى حكم «إسرائيل»، من شأنه أن يحولها إلى دولة شرق أوسطية متخلفة، وقد عبر «بن غوريون» عن هذه النظرة العنصرية ضد اليهود الشرقيين بقوله: «إننا لا نريد أن يصبح الإسرائيليون عربًا، وأن من واجبنا أن نحارب الروح الشرقية التي تفسد، لا أريد الثقافة مراكش أن تكون عندنا هنا، كما وأنني لا أرى أية مشاركة يمكن أن يقدمها اليهود الإيرانيون»
ولا تقتصر النظرة العنصرية الاستعلائية عند اليهود الغربيين ضد السفارديم على منعهم من الوصول إلى حكم «إسرائيل»، بل إنها الصفة العامة التي تصبغ نظرتهم للسفارديم، وتعاملهم معهم فغالبية اليهود الغربيين يعزفون عن الزواج من يهوديات شرقيات، ويحذرون أبناءهم من اللعب من أطفال اليهود الشرقيين.
ويتهم اليهود الشرقيون الدولة بممارسة سياسة عنصرية ضدهم، وبأنها تنحاز إلى جانب الإشكنازيم، وبأنها لم تقم بمحاولات جادة للدمج بين اليهود الغربيين والشرقيين، وأنها لا توفر لهم العمل المناسب، والسكن الدائم، وفرص التقدم السياسي والثقافي، كما أنها تفرض على التلاميذ السفارديم في المدارس دراسة تاريخ الأشكناز، في حين لا يتم التطرق لتاريخ اليهود الشرقيين في البلدان التي هاجروا منها.
وقد أدى شعور اليهود الشرقيين بعنصرية الدولة ونظرتها إليهم كمواطنين من الدرجة الثانية إلى حدوث عدة انتفاضات ضد التمييز وإلى تأسيس منظمات المحاربة التمييز العنصري كما حدث عامي ١٩٥٩، و١٩٧١م.
كما أدى شعور السفارديم بالتمييز الذي كانت تمارسه الحكومة الإسرائيلية ضدهم، والتي كان يقودها آنذاك حزب العمل الذي يسيطر عليه الأشكناز، إلى دعم حزب الليكود عام ۱۹۷۷ انتقامًا من حزب العمل، وهو ما مكن الليكود من الوصول إلى السلطة، ولكن على الرغم من هذا الدعم الذي قدمه اليهود الشرقيون لليكود ووصول «ديفيد ليفي» يهودي شرقي الذي أشغل منصب وزير الخارجية يكان الرجل الثاني في الحزب، إلا أن «ليفي» وأتباعه من اليهود الشرقيين عادوا مجددًا يتهموا قيادة الحزب بممارسة العنصرية ضدهم وحرمان مرشحيهم من الوصول إلى مواقع بارزة في ترتيب قوائم الحزب لانتخابات البرلمانية عام ۱۹۹۲م، وأدى تفاقم الأوضاع داخل الحزب إلى انشقاق ليفي مؤيديه عن الليكود العام الماضي، وتشكيل حزب جديد خاص بهم.
وإذا كان ليفي وأتباعه قد اختاروا العمل من داخل الأحزاب الكبيرة التي يهيمن عليها ليهود الغربيون، فإن يهودًا شرقيين آخرين اختاروا منذ البداية تشكيل أحزابهم الخاصة بهم كحركة شاس الدينية، وبعض الأحزاب الصغيرة الأخرى.
اليهود «الفلاشا».. ليست الثورة الأولى
الاحتجاجات العنيفة الأخيرة التي قام بها اليهود الإثيوبيين «الفلاشا» ضد التمييز العنصري لم تكن الأولى، فقد سبقها العديد من الاحتجاجات المماثلة، وإن لم تكن بنفس الحجم والخطورة.
- ففي ٢/٢٤/ ۱۹۹۱م أضرب ۲۸۰ يهوديًا من «الفلاشا» عن الطعام في عسقلان ورفضوا إرسال أبنائهم إلى معاهد التعليم الخاص بالمهاجرين احتجاجًا على أوضاعهم المعيشية وممارسة سياسة عنصرية ضدهم.
- وفي ٥/٦/١٩٩٢م: تظاهر المئات من «الفلاشا» أمام مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي «إسحاق شامير»، واتهموا الحكومة بعزل المهاجرين الجدد من اليهود «الفلاشا» بعيدًا عن أقاربهم وعن المدارس والوظائف.
- وفي ١٧ /٨/ ١٩٩٢م تظاهر المئات من يهود «الفلاشا» على طريق عسقلان - القدس احتجاجًا على أوضاعهم المعيشية، وساروا وهم حفاة الأقدام وبلباسهم التقليدي ۲۰ كيلو مترا
وفي ٦/٩/١٩٩٢م تظاهر نحو ۱۰۰۰ من «الفلاشا» أمام مكتب رئيس الوزراء «إسحاق رابين» واتهموا «إسرائيل» بممارسة سياسة عنصرية في التعامل معهم، وبأنها ترفض الاعتراف بزعمائهم الدينيين، وقد جرح خلال المظاهرة ٦ من «الفلاشا» وثلاثة من رجال الشرطة، واعتقل ۳۰ من «الفلاشا» بعد أن حاولوا اقتحام حواجز الشرطة ودخول مكتب رئيس الحكومة، وقد وصفت صحيفة يديعوت أحرونوت، في حينه هذه المظاهرة بأنها كانت أعنف مظاهرة يقوم بها «الفلاشا» حتى ذلك الوقت، وقد وصف المتظاهرون «إسرائيل» بأنها نظام عنصرية»، وعلق أحد الحاخامات المتظاهرين بقوله: لقد ناضلنا ألفين وخمسمائة سنة من أجل اليهودية والصهيونية، وها هم هنا في أرض «إسرائيل» يسلبون منا حقوقنا، يفعلون بنا دون أي خجل مما سبق أن فعلوه ضد المهاجرين اليمنيين والمغاربة في الخمسينيات والستينيات، وقال أحد المتظاهرين: نحن يهود مثلنا مثل بقية اليهود فلتعترفوا بنا، يوجد قدر كبير من العنصرية ونحن معزولون عن الشعب الإسرائيلي في منازل متنقلة ومراكز استيعاب، وكانت هذه الظاهرة قد اندلعت بعد رفض الحاخامية الكبرى في «إسرائيل» منح رجال الدين الإثيوبيين حق إقامة الاحتفالات الدينية بالولادة والزواج، أو حق إصدار أحكام الطلاق، واشترطت أن يخضعوا لعملية تأهيل ديني قبل ممارسة مهامهم، وهو ما رفضه الحاخامات الإثيوبيون.
وكان اليهود «الفلاشا» الذين يقدر عددهم في «إسرائيل» بنحو ٦٠ ألفًا قد توافدوا إليها منذ الثمانينيات، وكانت أهم موجات هجرتهم قد تمت عامي ١٩٨٤ و١٩٩٠م
ففي شهر نوفمبر تشرين ثان من عام ١٩٨٤م. تم تهجير حوالي ١٠ الأف من اليهود «الفلاشا» من إثيوبيا إلى تل أبيب عبر روما وبروكسل، وأطلق على هذه العملية التي لعب فيها نظام الرئيس السوداني السابق «جعفر نميري» دور الوسيط «عملية موسى».
وفي شهر مايو أيار من عام ١٩٩٠م وخلال يومي ٢٤ و٢٥ تم تهجير ١٤,٤٠٠ يهودي من «الفلاشا» بالاتفاق مع الرئيس الإثيوبي السابق «منجستو هيلامريم» من إثيوبيا إلى تل أبيب عبر ٤١ رحلة جوية، شاركت فيها طائرات مدنية وعسكرية، وقد تمت العملية خلال ٢٥ ساعة، وأطلق عليها عملية سليمان، وقد بلغت تكاليف عملية النقل ۱۹۳ مليون دولار
وقد عانى اليهود «الفلاشا» الذين وصلوا إلى «إسرائيل» عام ١٩٩٠م أوضاعًا معيشية صعبة جدا، حيث أقاموا في بيوت خشبية متنقلة في مناطق نائية معزولة عن المجتمع الإسرائيلي على حافة الصحراء.
ووصف أحد اليهود «الفلاشا» (رحاييم اليعازر) عام ۱۹۹۲ م معسكرات المنازل الخشبية بأنها تشبه الغيتو، وقال: إن «إسرائيل» ستصبح في نظر الأجانب بلدًا عنصريًا بسبب عزلة اليهود السود، وحذر من احتمالات عنف في صفوف المهاجرين «الفلاشا» في المستقبل في حال استمرار معاناتهم، ولكن وزارة الإسكان الإسرائيلية أمرت في ٢٨ ۱۹۹۳م بإسكان «الفلاشا» فقط في البيوت الخشبية المتنقلة، على الرغم من أنها اعترفت بأن هذه المساكن غير مناسبة للسكن، وكان مدير إدارة الإسكان في وزارة الداخلية الإسرائيلية قد صرح في وقت سابق أن الشرطة الإسرائيلية تقوم بإعداد قائمة بأسماء الزنوج الإسرائيليين الذين يشكلون خطرًا على سلامة الجمهور خاصة المصابين بالإيدز، تمهيدًا لإبعادهم عن «إسرائيل» إلى الولايات المتحدة.
ولم تقتصر معاناة «الفلاشا» على سياسة التمييز العنصري الرسمي، بل تعدتها إلى الأوساط الشعبية، ففي شهر يوليو تموز» ۱۹۹۱م، اتهم أهالي مدينة صفد اليهود و«الفلاشا» بأنهم السبب في انتشار مرض الحصبة في المدينة والمستوطنات المجاورة، وقد أدى الهلع في صفوف أهالي المدينة والمستوطنات إلى ابتعادهم عن المهاجرين «الفلاشا» تحسبًا من إصابتهم بأمراض معدية، وهو ما أثار غضب اليهود «الفلاشا» الذين اعتبروا ذلك إهانة لهم.
وفي٢٥/٨/١٩٩١م قررت مسؤولة عن إحدى رياض الأطفال الخاصة في «بات يام» رفض استيعاب عدد من الأولاد «الفلاشا» في الروضة بحجة أنها تريد الحفاظ على مستوى روضتها، وقالت إن الكثيرين من الأهالي هددوا بنقل أطفالهم إلى روضات أخرى في حال قبول أطفال من «الفلاشا»، وقد برر الأهالي موقفهم بأنهم يخشون من إصابة أطفالهم بالعدوى، لأن «الفلاشا» مصابون بالأمراض المعدية، في حين قال آخرون إن بشرة «الفلاشا» السوداء تخيف أطفالهم.
كما حصلت صدامات ومواجهات بين اليهود «الفلاشا» واليهود القادمين من جمهوريات الاتحاد السوفييتي المنهار، فحتى هؤلاء المهاجرين الروس الذين واجهوا عنصرية واضحة وظروفًا حياتية صعبة في «إسرائيل» مارسوا بدورهم العنصرية ضد «الفلاشا»، وهو ما يؤكد الطبيعة العنصرية المتأصلة لديهم.
فقد وقعت مشاجرات عنيفة في 26/8/1991م بين اليهود «الفلاشا» وآخرين بيض من الاتحاد السوفييتي لأسباب عنصرية، واستخدم خلالها الحجارة والقضبان الحديدية والسكاكين، مما أدى إلى جرح أربعة أشخاص، وعلق يهود روس على ذلك بقولهم: «إن اليهود الإثيوبيين يحدثون ضجة، وأنهم يفتقرون إلى حسن الهندام»، في حين علق مهاجر إثيوبي أن لدى الإثيوبيين إحساس بأن الشعب الإسرائيلي لا يعيرهم اهتمامًا، ولا يعني بأمرهم مما يبعث الغيرة في نفوسهم على حد تعبيره بيض من
كما حصل توتر في العلاقة بين اليهود الروس، «الفلاشا» في شهر أغسطس آب- ۱۹۹۳م، حيث صعد يهودي روسي إلى سيارة باص نقل مهاجرين إثيوبيين وبدأ بالصراخ حين دفعه أحدهم إلى زاوية الباص طالبًا من الموجودين عدم لمسه كي لا يصاب بالإيدز، وقد تبع ذلك مشاجرات بين اليهود الروس «والفلاشا».
وقد دفع الشعور بالإحباط والتمييز ضد اليهود «الفلاشا» إلى تزايد عدد الذين يقدمون على الانتحار في صفوفهم، فخلال الفترة من عام ١٩٨٤ وحتى ١٩٩٤م، انتحر ٦٠ يهوديًا إثيوبيًا نتيجة تعرضهم المضايقات عنصرية وبمعدل ٦ أشخاص لكل عام، في حين أقدم ۲۰ يهوديًا من «الفلاشا» على الانتحار خلال العام الماضي ١٩٩٥م، مما يشير إلى تزايد حالة الإحباط بينهم، حيث تصل نسبة البطالة في صفوفهم نحو ٥٠٪ في حين أن النسبة العامة للبطالة في «إسرائيل» هي، كما أن من «الفلاشا» هم أميون.
وقد عبر المهاجر اليهودي الإثيوبي «رحاييم بخطة»، الذي لعب دورًا مهمًا في عملية تهجير اليهود «الفلاشا» من إثيوبيا إلى «إسرائيل» قبل أيام من انتحاره في ٤/٧/١٩٩١م، عن غضبه وإحباطه من التمييز ضد اليهود «الفلاشا» بقوله: «لقد كنا في إثيوبيا بشرًا أما هنا في «إسرائيل» فلسنا سوى حمير وأبناء زني».
واليهود اليمنيون يعانون من العنصرية كذلك
ولا يقتصر الشعور بالمرارة والإحباط جراء التمييز العنصري على يهود «الفلاشا» القادمين من إثيوبيا، فاليهود اليمنيون يواجهون نفس الظروف تقريبا، وهو ما أدى إلى حدوث مواجهات عنيفة بينهم وبين الشرطة الإسرائيلية على غرار تلك التي حصلت بين الشرطة و «الفلاشا»، ويتهم اليهود من أصل يمني السلطات الإسرائيلية بأنها قامت خلال هجرة اليهود اليمنيين في فترة الخمسينيات إلى «إسرائيل» بسرقة أطفالهم من أجل بيعهم لبعض المحرومين من الأطفال من أصول أشكنازية، وصرح الحاخام اليهودي اليمني عوزي ميشولام في شهر أبريل نيسان ١٩٩٤م، لصحيفة الإندبندنت البريطانية أنه يمتلك الدليل على أن ٤٥٠٠ طفل يهودي يمني ممن هاجروا إلى «إسرائيل»، قد تم أخذهم من عائلاتهم بواسطة السلطات الإسرائيلية التي أخبرتهم أن أطفالهم يعانون من أمراض نتيجة سوء التغذية، وأنه لابد من عزلهم في أماكن خاصة، تمهيدًا لبيعهم داخل «إسرائيل» وخارجها، وإبلاغ عائلاتهم الأصلية أنهم ماتوا نتيجة المرض، واعتبر «مشيولام» أن ما حدث يعد مجزرة بحق أطفال اليهود اليمنيين، دبرها اليهود الغربيون الذين استخدموا مؤسسات الدولة لاستعباد اليهود الشرقيين على حد قوله، وقد أشار الكاتب اليساري «أوري إفنيري» إلى أن اليهود الغربيين في الولايات المتحدة كانوا يشترون أطفال اليهود الفقراء بخمسة آلاف دولار للطفل.
وقد تظاهر نحو ۲۰۰۰ يهودي يمني في ٢٠/ ٥/١٩٩٤م، في روش معاين للاحتجاج على سرقة أطفالهم مطالبين بتشكيل لجنة تحقيق في قضية اختفاء الأطفال اليمنيين خلال فترة الخمسينيات، واشتبك المتظاهرون مع قوة كبيرة من الشرطة وصل تعدادها نحو ۸۰۰ شرطي، مما أدى إلى سقوط عدد من الجرحى.
ويعاني اليهود اليمنيون من نفس الأوضاع المعيشية السيئة التي يعانيها اليهود «الفلاشا»، وقد تظاهر العشرات منهم في شهر ديسمبر كانون أول، ۱۹۹۳م خارج مكتب رئيس الوزراء مطالبين بتحسين ظروف معيشتهم وإيجاد فرص عمل لهم.
وكان مستوطنون من أصول غربية قد عارضوا في شهر أغسطس «آب» ۱۹۹۳م توطين يهود يمنيين بالقرب منهم في أسدود، وهاجمت مؤسسات دينية تابعة للأشكنازيم مثل هذا الأمر.
وردت حركة شاس اليمنية الشرقية على ذلك باتهامها لليهود الإشكنازيم بالعنصرية وبأنهم ينظرون لليهود الشرقيين كيهود من الدرجة الثانية.
اليهود السوفييت.. انتحار وهجرة عكسية
ولا يقل سوء أوضاع اليهود القادمين من جمهوريات الاتحاد السوفييتي كثيرًا عن اليهود «الفلاشا» أو اليمنيين حيث اكتشفوا أن الوعود التي خدعوا بها لتشجيعهم على الهجرة إلى «إسرائيل» ليست سوى مجرد أوهام وسراب ففرص العمل أمامهم كانت محدودة للغاية، واضطر الكثيرون من الأطباء والأدباء والمثقفين إلى العمل في أعمال النظافة، والمهن الوضيعة للحصول على المال، كما اضطرت كثير من المثقفات إلى العمل بمهنة الدعارة للحصول على قوتهن اليومي، وأظهرت دراسة الأوضاع اليهود القادمين من الاتحاد السوفييتي المنهار أن ٩٠% منهم يعيشون تحت خط الفقر.
وقد أدت هذه الأوضاع إلى انتشار الأمراض النفسية في صفوف اليهود السوفييت، وأظهر حث أجرتها مركز الصحة النفسية في القدس أمام ۱۹۹۲م، أن ثلثهم يعانون من أزمات نفسية عادة نتيجة عدم قدرتهم على التعايش مع الأوضاع الجديدة، كما أظهرت دراسة أجرتها ستشفى الأمراض النفسية في القدس في شهر ارس أذار، ۱۹۹۳م، أن ٤٠ من اليهود السوفييت يعانون من انهيارات عصبية نتيجة نقدان الأمل بتحسن أوضاعهم الحياتية والشعور بالاضطهاد والتمييز.
وقد وصلت نسبة الذين أقدموا على الانتحار في صفوف المهاجرين السوفييت عام ١٩٩٠م % هي نسبة مرتفعة جدا مقارنة بالنسبة العامة لانتحار في «إسرائيل»، والتي تصل 1 مقابل كل مائة ألف، كما أدت الأوضاع المعيشية الصعبة الشعور بالظلم والاضطهاد إلى هجرة عكسية في صفوفهم لبلدانهم الأصلية وصلت إلى ٢٥ ألفًا منتصف عام ١٩٩٤م، ويشكل هذا العدد ما سبته 5 % من مجموع القادمين من الاتحاد ي السوفييتي حتى ذلك الوقت.
المجتمع الإسرائيلي ضعيف رغم مظاهر التماسك
«إسرائيل» «مجموعة مختلطة، كتلة من طين، لا شكل لها ولا هيئة»، هكذا يرى «بن غوريون» «إسرائيل» العنصرية والممزقة عرقيًا واجتماعيًا، وهو وصف دقيق لحالة التفكك والانقسام لسياسي والاجتماعي والثقافي التي تسود المجتمع الإسرائيلي رغم مظاهر التماسك الخادعة، وإلى جانب هذا الانقسام يعاني المجتمع الإسرائيلي من انهيار أخلاقي لحضاري غير محدود.
فالسجون الإسرائيلية التي لم تعد تتسع للمومسات والساقطات اللواتي يعملن في الدعارة بصورة غير مشروعة، مما دفع الشرطة الإسرائيلية إلى التوقف عن مداهمة دور البغاء، كما تنتشر المخدرات بصورة جنونية في أوساط تلاميذ المدارس الثانوية وحتى الابتدائية، وقد وصلت نسبة الذين يتعاطون المخدرات في الصفوف الثانوية ٦,٤%، أما على صعيد الجريمة فقد ذكرت صحيفة الجيروزاليم بوست أن حادثًا جسديًا يقع كل 5 ساعات وأن جريمة تقع كل ٤٨ ساعة.
وإذا كان هذا هو الحال في المجتمع الإسرائيلي العنصري المتصدع والمنهار أخلاقيًا، فليس غريبًا أن ترى عنصريته المقيتة التي يمارسها ضد الفلسطينيين والعرب والمسلمين الذين لا يعدون عن كونهم في نظره عن «جوييم»، ولكن الغريب أن بعض الرسميين في عالمنا العربي والإسلامي يريدون أن يقنعوننا بشتى السبل بأن اليهود الصهاينة تخلوا عن حقدهم وعنصريتهم وأصبحوا أبناء عم وأخوة يمكن التعايش معهم بحب وسلام!!