العنوان بدلًا من الانفصال.. الجهاد من أجل استرداد الحقوق في تركيا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مارس-1999
مشاهدات 59
نشر في العدد 1340
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 02-مارس-1999
برزت مأساة الشعب الكردي إلى دائرة الاهتمام العالمي مع حادث القبض على عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني، ونقله إلى تركيا لمحاكمته، وفي خضم الزخم الإعلامي الذي واكب قضية أوجلان منذ خروجه من سورية قبل أشهر، مبعدًا إلى روسيا ثم إيطاليا، ثم انتقاله عبر عدد من عواصم العالم، حتى وصل إلى نيروبي في كينيا، وأخيرًا اختطافه إلى تركيا، وما صاحب ذلك من تظاهرات واحتشادات للأكراد في عدد من عواصم العالم، شملت عمليات إشعال النار في أجساد بعض البؤساء ممن ألقوا بأنفسهم إلى التهلكة من أجل «الزعيم الثائر»، في خضم هذا الزخم من المهم أن نضع النقاط على الحروف، وأن نركز على عدد من النقاط التي توجه النظر إلى القضية الكردية والتي تنطبق على غيرها من القضايا المشابهة:
1- إن الأكراد شعب أصيل في المنطقة له تاريخه وأمجاده وإسهاماته الكبيرة خاصة في مجال القيادة والحكم والعلوم والثقافة، وقد خدم الأمة الإسلامية خدمات جليلة لا تنسى، ولعل هذه الصفات الحميدة هي سبب نكبة الأكراد الحالية.
2- عاش الأكراد مع إخوانهم العرب والأتراك، ومع غيرهم من شعوب العالم ضمن دولة الإسلام سنين طويلة، ولم تظهر المشكلات إلا مع بروز النعرة القومية البغيضة التي غذاها المستعمرون بهدف تفتيت العالم الإسلامي وتشتيت قواه.
ومع تعدد الكيانات السياسية في العالم الإسلامي جرى تقسيم المناطق التي يعيش فيها الأكراد ما بين أكثر من دولة حيث تعيش أكثريتهم اليوم في تركيا والعراق وإيران، ومن المعروف أن التقسيمات الجغرافية المصطنعة التي وضعها الاستعمار كانت تتعمد ترك بؤر للصراع والتوتر الذي لا ينتهي، وهذا ما يشهد به الواقع في عدد كبير من الدول الأفريقية والأسيوية.
3- ومع غياب دولة العدل والمساواة والحقوق، وطغيان الحكم الاستبدادي، في تلك البلاد ضاعت حقوق الأكراد، حيث جرت محاولات طمس هويتهم وتجريدهم من تاريخهم، فحرموا من كثير من حقوقهم الثقافية والاجتماعية والسياسية، وبالرغم من أن مناطقهم تزخر بالثروات الطبيعية، فقد جرى استغلال أكثرها لصالح المناطق الأخرى وحرموا من عوائدها.
4- وفي أجواء القهر والكبت هذه، تضخمت النزعة القومية الكردية وترسخ لدى البعض من الأكراد ألا سبيل للخلاص سوى بالمطالبة بدولة مستقلة تجمع شتات الأكراد وتعيد لهم حقوقهم.
وقد وجدت هذه النزعة هوى لدى البعض كما حدث مع حزب العمال الكردستاني، فسعى لتحقيق الانفصال عن تركيا، وقد استغلت بعض القوى الداخلية والخارجية تلك الحالة لإذكاء نار الفتنة التي اصطلى بلهيبها الأكراد قبل غيرهم، والتي كلفت الأكراد والأتراك عشرات الألوف من القتلى والجرحى فضلًا عن خسائر بعشرات المليارات من الدولارات.
وأصبحت تركيا تعيش حربًا أهلية منذ سنوات، ومن المهم في هذا المجال أن نشير بأصابع الاتهام إلى بعض عناصر الطغمة العسكرية الحاكمة في تركيا، والتي أصبحت الحرب ضد الأكراد مصدرًا مهمًّا لارتزاقها من تجارة السلاح وغيرها.
5- من منطلق إسلامي، فإننا ندعو إلى وحدة الشعوب الإسلامية، ونرفض محاولات التقسيم والشرذمة التي تضعف الكيانات الإسلامية القائمة، وخاصة أن العالم يتجه إلى تشكيل التكتلات السياسية والاقتصادية الكبيرة، ولكن ذلك لا يكون أبدًا بقهر الشعوب واستذلالها، وانتهاك حقوقها، ومسخ هويتها، وعزلها عن ماضيها، وانتزاعها من ثقافتها، ومن المؤكد أن الأكراد لو وجدوا حقوقهم الكاملة في تركيا لما وجدت دعوة الانفصال أي صدى لديهم.
6- إن مشكلة أكراد تركيا تكمن في المجموعة العسكرية التي لا تزال تحكم تركيا- وإن من خلف ستار الديمقراطية المزيفة- فهؤلاء قد انتهكوا حقوق الأتراك جميعًا، وخير مثال على ذلك ما يحدث لأصحاب التوجه الإسلامي هناك، حيث يمنع الحجاب، وتحارب اللحية، وتحل الأحزاب الإصلاحية، ويزج بالأبرياء في السجون.. فقد أعلنت تلك المجموعة العسكرية الحرب على شرائح مختلفة من الشعب التركي، وهي تروم استمرار سيطرتها بصرف النظر عما ينتج عن ذلك من كوارث بحق تركيا وأهلها، في وقت أطلقت فيه العنان للفساد بشتى أشكاله.
7- إن الانفصال- إن تحقق- لن يحل مشكلة الأكراد، طالما بقي أصل العلة، وهو الاستبداد وانعدام الشورى والعدل، ولربما جاء زعيم كردي من بين هؤلاء الذين يتاجرون بالزعامة اليوم فيذيق شعبه كما ذاقوا على يد عسكر تركيا، ولكن الحل في رأينا أن يجاهد الأكراد والأتراك معًا من أجل الحقوق المهضومة، ولن تبلغ التضحيات- في رأينا- مقدار ما بلغت في الحرب العسكرية، والتي لم تؤت أي ثمار حتى الآن، وحتى لو قدموا تلك التضحيات فسيكون ذلك في سبيل هدف أسمى وأرفع، يحقق الخير والسعادة للشعب التركي أجمع، وينعكس أثره على غيره من الشعوب الإسلامية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل