العنوان بطل هذبه الإسلام.. الأقرع بن حابس التميمي.
الكاتب الدكتور أحمد الشرباصي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مايو-1975
مشاهدات 77
نشر في العدد 251
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 27-مايو-1975
بطل هذبه الإسلام..
الأقرع بن حابس التميمي.
يا لروعة ما يصنع الإسلام العظيم بالنفوس الداخلة فيه، المؤمنة به لكأنه ينشئها بفضل الله إنشاءً، أو يعيد بناءها من جديد، فهو بعقيدة التوحيد- يطلقها من أوهام الشرك وضلال الكفر، ويحررها من ذل الخضوع لغير الخالق الرازق، البارئ المصور.
وهو - بما شرع من عبادات - يطهرها في ظاهرها وباطنها، وهو - بأخلاقه النبيلة - يزكيها ويعليها، ويعودها الفعل الحميد، والكلمة الطيبة، والسلوك الجميل، وهو بعقيدة البعث ولقاء الله في الدار الآخرة الباقية- يعلمها كيف تلقى الموت في رحاب الشهادة باسمة ناعمة، لأن هذا الموت الكريم هو مفتاح بابها إلى ربها، حيث يقال لها: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾ (الفجر:27-28-29-30)
ولقد ظهر الإسلام الحنيف في بدايته بين قوم فيهم غلظة البادية، وجفاف الصحراء وتحكم الأهواء. حتى قال الحق تبارك وتعالى في بعضهم ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ﴾ (التوبة:97) فما زال الإسلام بهم، يهذب نفوسهم، ويطهر حواسهم وينفخ على كيانهم وبنيانهم بناره المزكية المطهرة، حتى صاروا كالملائكة يمشون بين الناس، ويحملون أرواحهم على أكفهم ليبذلوها رخيصة في سبيل الله الذي خلق الحياة وأوجد الأحياء.
وهذا واحد من هؤلاء:
إنه الصحابي الفاضل، المجاهد المناضل: الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان المجاشعي الدارمي التميمي، وقيل إن اسمه «فراس» وأن الأقرع لقب له، بسبب وجود قرع كان في رأسه، ولكن الظاهر أن المسمى باسم «فراس» هو أخو الأقرع (1)
وقد كان الأقرع في جاهليته مثلًا من أمثلة الغلظة والخشونة والعنف نعم، كان عظيمًا في قومه، وكان أكثرهم معرفة وخبرة، وكان حكمًا بينهم، يفصل في خصوماتهم ومفاخراتهم في سوق عكاظ وغيره (۲)
ويتحدث القلقشندي عن أسواق العرب ويقول: «ثم يرتحلون إلى عكاظ في الأشهر الحرم فتقوم أسواقهم، ويتناشدون الأشعار، ويتحاجون، ومن له أسير سعى في فدائه، ومن له حكومة ارتفع إلى من له الحكومة، وكان يقوم بأمر الحكومة فيها من بني تميم، وكان آخر من قام بها منهم الأقرع بن حابس» (۳)
وكان أول من حرم القمار في الجاهلية (٤). كما لا يخلو الرجل من صفات أخرى، تحمد ولا تعاب.
ولكنه كان في أول أمره مجوسيًا (٥). وحينما أشرق نور الإسلام لم يسارع الأقرع إليه، بل تقاعس عنه وتمرد عليه، وكانت فيه إلى جوار ذلك فظاظة في الحديث وتكبر على الناس، وتكاثر بالمال والمتاع، وتفاخر بالنفس والحسب، ولقد وفد ذات يوم مع قومه من بني تميم، على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ونادوا عليه بطريقة مؤذية، ثم قال الأقرع للرسول: يا محمد، إن حمدي لزین، وإن ذمي لشين.
فوجهه الرسول إلى حسن الأدب في الخطاب قائلًا: ذلك هو الله سبحانه.
فعاد الأقرع يقول للنبي في غرور وكبرياء: نحن بنو تميم، جئنا بشاعرنا وخطيبنا، لنشاعرك ونفاخرك.
فقومه النبي بهدوء، وعلمه قائلًا: ما بالشعر بعثنا، ولا بالفخار أمرنا،
ولكن هاتوا.
وجرت المسابقة..فانتصر خطيب الرسول على خطيب تميم، وفاز شاعر الرسول على شاعر تميم، حتى انتبه الأقرع لنفسه، وأدرك الفرق بعينه، فمال نحو قومه يقول لهم: ما هؤلاء، ما أدرى مع هذا الامر، تكلم خطيبنا فكان خطيبهم أرفع صوتًا، وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم ارفع صوتا وأحسن قولًا!؟
ثم بادر الأقرع نحو الرسول مادًا يده يقول له: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله ويقبل النبي إسلامه، ويقول له: لا يضرك ما كان قبل هذا!...
**
وأخذ نبي الإسلام -عليه الصلاة والسلام- يصوغ الأقرع بن حابس بالإسلام من جديد..
لقد انتقل الأقرع إلى الدين العظيم ومازالت فيه رواسب من حياته في الجاهلية، فلا بد من علاجها بحكمة ورفق، حتى يستقيم على الطريق لقد بقيت فيه بقية من غلظة وقسوة حتى إنه أبصر النبي ذات يوم وهو يقبل الحسن، فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا
فأعطاه النبي درسًا وجيزًا بقوله: «من لا يرحم لا يرحم».(۱)
وكان الأقرع جديدًا على الإسلام، وفيه تطلع إلى المال والمتاع، فجعله النبي -صلى الله عليه وسلم- من المؤلفة قلوبهم، الذين دعا الإسلام إلى معاونتهم وإعطائهم وتشجيعهم، ليقوى مانهم، وتثبت قلوبهم عليه، وفي عددهم خلاف، قيل إنهم خمسة عشر رجلًا هم: الأقرع بن حابس، و أبو سفیان بن حرب وعيينة بن حصن، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وحويطب بن عبدالعزى، وسهيل بن عمرو الجهني، وأبو السنابل بن بعكك، وحكيم بن حزام ومالك بن عوف النصري، وصفوان بن أمية، وعبدالرحمن بن يربوع، وأحمد بن قيس السهمى، وعمرو بن مرداس السلمي، والعلاء بن الحارث الثقفى (٢).
وحينما أقبلت غنائم حنين الضخمة أعطاه الرسول مائة ناقة منها وكان في الأقرع تطلع إلى سمو المنزلة وعلو المكانة، لأنه كان شريفا وسيدا بين قومه في الجاهلية، حتى يقول السخاوى عنه في «التحفة اللطيفة»: كان شريفا في الجاهلية والإسلام، فأكرمه الرسول وحفظ له مكانته (۳).
وكان في الأقرع غلظ في الحديث، فأخذ الرسول يعوده الكلمة الطيبة، ويعلمه إنها صدقة.
وهكذا انطلقت يد رسول الله عليه الصلاة والسلام في شخصية الأقرع تهذبها وتؤدبها، وتصوغها من جديد صياغة توافق هدى الدين وأدب الإسلام.
واستجاب الأقرع للتوجيه والإرشاد، وحسن إسلامه، وسكن المدينة، وتألقت شخصيته، مستنيرة بنور الإيمان وأشعة القرآن: كان غليظا فرققه الاسلام، وكان جافيا فهذبه الإسلام، وكان طامعا فأقنعه الإسلام، وكان متعاليا منهنه من كبريائه الإسلام وانطلق الأقرع في ركب الرسول الكريم، يجاهد ويناضل، فشهد معه غزوة حنين، وغزوة فتح مكة، و غزوة حصار الطائف، وظل يبذل في سبيل الله جهده حتى لحق الرسول صلى الله عليه وسلم بربه، وواصل الأقرع بعد ذلك جهاده، فاشترك مع شرحبيل بن حسنة في موقعة (دومة الجندل) في عهد أبي بكر -رضوان الله عليه، ثم اشترك مع خالد بن الوليد -سيف الله المسلول- في معارك فتح العراق والأنبار، وكان على مقدمة الجيش في أغلب الأحيان، كما اشترك في معركة اليمامة.
ثم انتقل إلى ميدان جديد من ميادين النضال والطعان ، هناك بعيدا في بلاد العجم، وفي منطقة خراسان حيث جاهد الأحنف مع بن قيس وعبد الله بن عامر، وهما بطلان علمان من أبطال هذه الأمة الربانية المؤمنة.
ثم تولى الأقرع بن حابس إمارة الجيش المجاهد في خراسان، حيث خاض معركة تسمى «معركة الجوزجان» نسبة إلى «الجوزجان» وهي بلدة من بلاد خراسان، ويذكر ياقوت في معجم البلدان ان يحيى بن زيد حفيد الامام علي، أستشهد في الجوزجان.
وكانت معركة الجوزجان معركة شرسة قاسية، وكان الأقرع بن حابس يقاتل فيها، وحوله عشرة من أهل بيته، كل منهم قد باع نفسه لربه، وكان لا بد من الفتح بإذن الله وفضله.
وتحقق نصر الله، وفتحت الجوزجان سنة ثلاث وثلاثين، في عهد عثمان.
ولكن، كان هناك ثمن لهذا الفتح..
فقد أستشهد عدد كبير من المسلمين، وكان في طليعة من ذاق الشهادة: الأقرع بن حابس -رضي الله عنه، وذاق تلك النعمة معه أولئك العشرة الكرام، الذين أحاطوا به من أهل بيته، -رضوان الله على الجميع. (1)
وهناك، في بلدة الجوزجان، من بلاد خراسان، رقد جثمان الصحابي المناضل الشهيد: الأقرع بن حابس، الغليظ الذي هذبه الإسلام، الشريف الذي زاده الإسلام شرفًا وعزًا.. فسلامًا سلامًا على من استجاب لكلمة الله، واهتدى بهدى الله، ومضى عزيزًا كريمًا في سبيل الله.
﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق:٣٧).
الرابط المختصر :