; في أفريقية الخضراء.. مشاهدات وانطباعات وأحاديث عن الإسلام والمسلمين | مجلة المجتمع

العنوان في أفريقية الخضراء.. مشاهدات وانطباعات وأحاديث عن الإسلام والمسلمين

الكاتب الدكتور أحمد الشرباصي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يونيو-1974

مشاهدات 93

نشر في العدد 204

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 11-يونيو-1974

في أفريقية الخضراء.. مشاهدات وانطباعات وأحاديث عن الإسلام والمسلمين بقلم: الدكتور أحمد الشرباصي الاستاذ بجامعة الأزهر إن أفريقية القارة الكبيرة الواسعة، مازالت مجهولة عند الكثيرين من أبنائها فضلًا عن جهل غير أبنائها بها، ومازالت هذه القارة بحاجة إلى تعريف تفصيلي تحليلي عن أهلها وسكانها، وطاقاتها وإمكانياتها، وثمراتها وخيراتها وقيمها واتجاهاتها، ولذلك كنت سعيدًا حقًا حين تناولت یداي مجلدًا ضخمًا يقارب الثمانمائة صفحة، ويحمل هذا العنوان: -في أفريقية الخضراء- وهو بقلم الأستاذ محمد بن ناصر العبودي الأمين العام للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة. وموضوع الكتاب الأساسي هو تسجيل مشاهدات ومذكرات واسعة قام بها المؤلف سنة ١٣٨٤ هـ ـ ١٩٦٤م، واستمرت قرابة أربعة أشهر، وشملت هذه الرحلة من أقاليم القارة السودان وإرتيرية، والحبشة، وكينية، وأوغندة، وبوروند، وتنجانيقة، وروديسية الشمالية «زامبية». وكان مؤلف الكتاب في هذه الرحلة رئيس البعثة من عالمين فاضلين من علماء المملكة العربية السعودية هما فضيلة الشيخ عمر محمد فلالي وفضيلة الشيخ أبو بكر جابر ابن موسی. وكان الغرض من هذه الرحلة هو: دراسة أحوال المسلمين، وأوضاعهم في القارة، والاتصال بزعمائهم وإلقاء محاضرات دينية، وبذل المعونات المادية للجمعيات والأفراد عن طريق ما خصصته المملكة لذلك وتوزيع مصاحف وكتب إسلامية وتقديم منح دراسية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة لأبناء هذه البلاد الواسعة، والمساعدة على نشر ما يمكن من النشرات والكتيبات الإسلامية. ثم بحث إيفاد مدرسین المملكة إلى هذ البلاد لتدريس الإسلام ولغة القرآن، ومعرفة العلماء الذين يمكن استدعاؤهم لألقاء محاضرات في الجامعة الإسلامية وقد حملت البعثة معها أكثر من ثلاثة عشر ألف كتاب إسلامي مع عدد ضخم من المصاحف القرآنية الشريفة. وقد عاد المؤلف بعد ذلك فرحل رحلة ثانية إلى البلاد التي زارها أولا، لكي يقوم بتوزيع ما رصدته الحكومة السعودية من أموال ومعونات، وينفذ ما أوصت به البعثة من إيفاد المدرسين إلى هذه البلاد وتقديم المنح الدراسية واختيار الطلبة الصالحين للدراسة في الجامعة الإسلامية وأسلوب الكتاب أسلوب سهل واضح. جاء على الفطرة وعفو الخاطر، لأن المؤلف سجل مشاهداته وانطباعاته خلال الرحلة، بلا تكلف ولا تعمل، في صورة مذكرات يومية ثم لم يعثر فيها ولم يضف إليها، بل تركها كما جاءت في أوقاتها، ولم يحذف منها سوى الأمور الشخصية، أو مالا يجوز والأستاذ العبودي -فوق أنه عالم باحث- هو أديب شائق التعبير، يتجلى أدبه الملحوظ بمناظر الطبيعة، فاستمع إليه وهو يحدثك عن «بحيرة اواش»، ذلك الحديث الشعري الأدبي فيقول: بحيرة حالمة، يسبح شعابها البط الأبيض والأسود على مقربة من الشط، حيث يجد ما يأكله من صغار السمك وأصول الحشائش، كأنه الظباء السارحة في بلادنا الصحراوية الواسعة. وخضره لا حدود لها وأشجار وأرفة، وطيور برية مغردة وغير مغردة وهواء عليل، وشمس کشمس الربيع تطل على استحياء من بين قطع الغمام ثم يغلبها الحياء فتختفي. ويعبر عن «نيروبي» بأنها «الجميلة البديعة، التي تعتبر زهرة ناعمة، في وسط الحديقة الأفريقية الخضراء!!» ويتحدث عن بحيرة «فكتوريا نيانزا» فيذكر أنه قد زاد منظرها روعة «تلك الغابات الكثيفة التي تكسو الشاطئ والتي يتكون بعضها من أشجار النارجيل التي تبدو من الطائرة سمراء رشيقة على قلم الكاتب كلمات منثورة مثيرة. ويعود ليقول عن أراضي أوغندة أنها كلها أرض خضراء لا ترى فيها غير الخضرة، سوى الطرق التي تبدو كالوشم في جلد الدابة». والمؤلف الأستاذ محمد العبودي لا يفوته الإحساس القوي النابض بالأثر العميق الذي توحده رابطة الإسلام بين أهليها، وها هو ذا المؤلف يجد نفسه بين قوم غرباء عنه في العادات والتقاليد واللغة وكل شيء، وفجأة يجد امرأة أفريقية كبيرة السن، تتقدم نحوه ونحو رفاقه، وترفع صوتها قائلة: «السلام عليكم»، وهي لا تعرف من اللغة العربية إلا هذه الجملة، وهكذا تثبت رابطة الإسلام وجودها بين المسلمين في كل مكان، ثم يقول: «ولا يستطيع المرء منا في بلادنا أن يتصور وقع تلك التحية في نفوسنا ونحن في بلاد غير عربية، وبين قوم لا يشاركوننا العاطفة الدينية». وفي موقف أخر يقول المؤلف منوهًا بهذه الرابطة العميقة الوثيقة: «ثم هبطنا في مطار نيروبي الجميل، وفي قسم الجوازات فيه كان الموظف شابًا أفريقيًا يكلمنا بالإنجليزية بصورة عادية. رأى جوازاتنا، وعرف أسماءنا فالتفت إلينا هاشا باشا، قائلًا في أثناء المحادثة «السلام عليكم» فقلنا: وعليكم السلام ورحمة الله. فقال: انا مسلم أفريقي وقد سرني مرآكم، وهذا هو عنواني ورقم الهاتف في بيتي ويسرني خدمتكم. ثم تحدث إلينا برهة من الوقت في بشر ونشوة، مما لفت أنظار بقية الركاب.. وهناك ظاهرة واضحة في المؤلف تؤيدها الشواهد المتوالية هي أنه عف اللسان، لا يستبيح العيب في الأشخاص، ولو خالفهم في الرأي أو الطريقة وإذا أراد أن ينقد فعل. ولكن دون تجريح أو تصريح، فهو مثلًا يصلي المغرب في جامع الخرطوم الكبير ويشاهد في صلاة الأخوة هناك ما يراه داخلًا في باب الابتداع، فيعلق على ذلك قائلًا: «ويلاحظ من الزائر فرقًا بينهم في الصلاة وبين ما ألفناه في بلادنا. من ذلك أن الإمام يكبر تكبيرة الإحرام فيكبر الجميع خلفه بصوت مرتفع ترتج له جنبات المسجد، ومنها أن الإمام عند التسليم يجهر بالجملة الأولى« السلام عليكم »ثم لا يظهر غيرها، ويتابعه الناس بصوت مرتفع تضطرب له أنحاء المسجد أيضًا بالتسليم من الصلاة، ومنها أن الذي يصلي بجانبك يصافحك بعد انقضاء الصلاة بقوة وحرارة». وقد يصرح المؤلف بالنقد، ولكنه لا يجرح، ومن أمثلة ذلك أنه شاهد أعلامًا ورايات موضوعة فوق قبور مقبرة في السودان، فسأل عن سر هذه الأعلام، فقيل له: إن بعض النسوة يأتين بهذه الأعلام للتقرب إلى صاحب القبر الذي يكون من المشايخ، لكي يشفع لهن عند الله في قضاء حوائجهن ويقرر المؤلف أن هذه بدعة وخرافة منتشرة، وعلى من يعالجها أن يفعل ذلك بحكمة ومهارة، لأنها متأصلة في نفوس كثير من العامة. ومن قبيل النقد المتلطف أن المؤلف يذكر أنه كان في مدينة «مصوع» وقدموا له ولرفيقه الشاي، ثم يقول: «وقد قامت معركة بيننا وبين أسراب الذباب كانت تحاول أن تجهز على أكواب الشاي وتشربه معنا، ولما رأى مرافقي حرصي على طرد الذباب برغم إلحاح أسرابه، قال يا أخي توكل على الله، فالصحة والعافية منه، وهذه بلدة صحية فقلت له: الصحة والعافية كما قلت من عند الله سبحانه وتعالى ولكنه تعالى لم يجعلها في هذه القذارة، فسكت غير مقتنع» والمؤلف تظهر فيه نزعة الإنصاف حتى مع الغرباء والمخالفين له في الوطن أو العقيدة أو الاتجاه، ومن شواهد ذلك أنه يتحدث عن المتحف الوطني في تنجانيقة فيقول: «والحقيقة أن المتحف لا يستحق الإعجاب، ويعتبر فقيرًا في مادته وتنظيمه، ولكنه على كل حال خير من لا شيء، ويستحق من أنشأه من لا شيء من الثناء والتقدير. ويرى في مدينة «كمبالا» أن القوم هناك يشترطون على من يدخل الإسلام أن يختتن، مع أن عملية الختان تؤلم كثيرًا من الناس، فإذا المؤلف يحسن التوجيه قائلًا: إن الختان ليس شرطًا للإسلام، فلا ينبغي لمن أراد الدخول في الإسلام، وأن تبادروا وتفرضوا عليه عملية الختان، فقد يحجم ولا يقدم ولكن الأفضل أنه إذا دخل فعلًا في الإسلام أن يبين له أن الختان سنة من سنن الإسلام، وحين يستقر الإسلام في قلبه، لاشك أنه يقدم عن رضا نفس على إجراء عملية الختان. وعند الأستاذ العبودي غيرة على اللغة العربية، لأنها لغة وطنه وقرآنه وقومه، ومــــن دلائل ذلك أنه حينما نزل في المطار في أرتيرية قدموا إليه «استمارة الدخول» وهي مكتوبة بالإنجليزية والحبشية، فسألوا المضيفة: هل يكفي أن نملاها بالعربية؟ فأجابت نعم، ولكنهم عندما سلموها للموظف المختص في المطار قال إن العربية لا تكفي، وقد تألم المؤلف من ذلك وانتقده. إن کتاب في «إفريقية الخضراء» الأستاذ محمد بن ناصر العبودي كتاب جغرافيا وتاريخ، وكتاب اجتماع وإصلاح، وكتاب ذوق وأدب وفيه الكثير الغزير عن الجامعات والمعاهد والمكتبات والمساجد والجمعيات وفي رأيي أن كل مشتغل بالقضايا الإسلامية العامة يلزمه أن يقرأ هذا الكتاب ليحيط علما بأمور هذه القارة الفسيحة الواسعة إفريقية الخضراء. أحمد الشرباصي
الرابط المختصر :