العنوان بعد أن سقطت راية الجهاد
الكاتب عبدالله القسام
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أبريل-1990
مشاهدات 54
نشر في العدد 963
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 17-أبريل-1990
• الحركات
الاستشراقية اهتمت بنشر الكتاب والفكر الصوفي!
• القاديانية
حظيت بحماية إنكليزية ودعم كبير من التاج البريطاني.
• الحكومة
الفرنسية أنعمت بوسام الشرق على امرأة متزوجة من سيدي أحمد شيخ الطريقة التيجانية!
لقد سقطت دولة الخلافة يوم أن سقطت
راية الجهاد من أيدي المسلمين واشتغلوا بأمور أخرى ونسوا أمر الجهاد وإسقاط راية
الجهاد من أيدي المسلمين لم يأت عرَضًا أو فلتة، وإنما جاء بتخطيط وعمل دائبين
صاحبا استعمار بلاد المسلمين وغلبة الفرنجة عليها.
فمن إحياء للطرق الصوفية وانتشارها
وسيطرتها في دول حديثة الاستعمار إلى إنشاء الفرق الضالة والهدامة كالقاديانية
والبهائية، وإلى إبراز مصلحين وحركات إصلاحية ذات علاقة حميمة بالمستعمر، وإلى
بروز حركة الاستشراق وتأثر قطاع كبير من المفكرين المسلمين بأطروحاتها وآرائها.
الاستعمار والطرق الهدامة
فالقاديانية حظيت بحماية إنجليزية
ودعم كبير من التاج البريطاني، ولولا أن القادياني الكذاب بشر أتباعه والمؤمنين به
بإسقاط فريضة الجهاد ودعاهم إلى التعاون مع «أصدقائنا» الإنجليز لما بقيت هذه
الدعوة الخبيثة ساعة، ويقول مسيلمة القاديانيين دون حياء في «ترياق القلوب»: «لقد
قضيت عمري في تأييد الحكومة الإنجليزية ونصرتها، وقد ألفت في منع الجهاد ووجوب
طاعة أولي الأمر الإنجليز من الكتب والنشرات ما لو جمع بعضًا إلى بعض لملأ خمسين
خزانة، وقد نشرت جميع هذه الكتب في البلاد العربية ومصر والشام وكابل والروم».[1]
وقال في «شهادة القرآن»: «ولقد ألفت
عشرات من الكتب العربية والفارسية والأردية، وبينت فيها أنه لا يحل «الجهاد» أصلًا
ضد الحكومة الإنجليزية التي أحسنت إلينا، بل بالعكس من ذلك يجب على كل مسلم أن
يطيع هذه الحكومة بكل إخلاص».[2]
ولا نطيل الكلام في مثل هؤلاء فأمرهم
أظهر وأبين من أن نقول فيهم شيئًا جديدًا.
والحركة الإصلاحية في مصر- مثلًا-
كان لها دور في تحسين صورة المستعمر لدى جمهور المصريين، فعلاقة محمد عبده كأحد
الزعماء الإصلاحيين بالإنجليز، وخصوصًا المندوب البريطاني كرومر يعرفها القاصي
والداني، وأثر حضوره إلى صالون الأميرة نازلي وما نتج عنه من كتابات قاسم أمين
معروف للكافة، وعلاقته بأستاذه جمال الدين الأفغاني الذي أجهد نفسه في حربه للدولة
العثمانية ومساعدة الماسونية له بالخفاء، كما أوضحه أحد الدارسين في رسالة ماجستير
كشف فيها المخبوء[3].
اهتمام دوائر الاستشراق بالتصوف
أما الحركة الاستشراقية فقد اهتمت
بنشر الكتاب والفكر الصوفي وإقامة المراكز والمعاهد التي تعنى بإحياء تراث
الصوفية، ويذكر لنا الدكتور کامل عياد واقعة شهد فيها مندوبًا من مؤسسة روكفلر
الأمريكية كان يزور جامعة دمشق، وقد اعتذر هذا المندوب وتلكأ حين أعربت له الجامعة
عن حاجتها لبعض المخابر والأجهزة العلمية إلا أن هذا المندوب وعد بالمساعدة
واستبشر حين انتقل الكلام على إنشاء معهد لدراسة التصوف.[4]
وقد نشر المستشرق الاستعماري لويس ما
سينوس كتابًا عن الحلاج ومذهبه، ونشر آخرون كتبًا عن ابن الفارض وابن عربي
والسهروردي، ويقول الدكتور عمر فروخ أحد المهتمين بالاستعمار وآثاره على بلاد
المسلمين- يقول: «كلما بحثت عن أحد المؤلفين في الصوفية رأيته ينتمي إلى دوائر في
بلاده تهتم بالاستعمار مباشرة أو غير مباشرة»[5].
ولسنا نطيل في مثل هذه الأمور ولكن
قد نتوقف في بيان أثر انعاش وتنشيط بعض الطرق الصوفية وتسهيل انتشارها في بعض بلاد
المسلمين، وما صاحب ذلك من إحكام قبضة المستعمر على البلاد والعباد.
مناهج الصوفية وآثرها في الصد عن
الجهاد
وإذا نظرنا في مناهج الصوفية
وأفكارها تقابلنا فكرة أو نزعة لها أثر في ترك الجهاد وموت جذوته وترك الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر وهو ما اصطلح الصوفية على تسميته «إسقاط التدبير وخلع
الأسباب» ولهم في ذلك كلمات كثيرة ومؤلفات عديدة ويعبرون عن هذه الفكرة أيضًا
بالرضا كما جاء في قول الداراني: «الرضا ألا تسأل الله الجنة ولا تستعيذ به من
النار».[6]
وهل خلق الله عز وجل الخلق إلا
لعبادته وسؤاله الجنة والاستعاذة به من النار، قال تعالى مبينًا أحوال رسله
وأنبيائه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا
رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. (الأنبياء:90).
وقد عرف المستعمر هذا في مناهج أهل
الطرق ونزعاتهم، فعمد إلى الاستفادة منها بما يتوافق وتحقيق أهدافه، ووجدت بعض
الطرق الصوفية أن في تعاونها مع المستعمر استمرارًا وتثبيتًا لوجودها وإعانة منه
وتقوية لها على مخالفيها فوافق شن طبقة.
ويقول الشيخ الشعراني تحقيقًا لهذه
الفكرة «أخذ علينا العهد بأن نأمر إخواننا أن يدوروا مع الزمان وأهله كيف داروا،
ولا يزدرون قط من رفعه الله عليهم ولو في أمور الدنيا وولايتها، وكل ذلك أدبًا مع
الله عز وجل الذي رفعهم، فإنه ما يرفع أحدًا إلا لحكمة، ثم أية فائدة من ازدراء من
ارتفع عليهم مع أن أحدًا لا يسمع لهم؟ وهذا العهد قل من يعمل به من الناس».[7]
التصوف والتمكين للمستعمر في إفريقيا
فمثل هذا التوجيه الذي يقوم به
الشعراني وغيره من الشيوخ للأتباع والمريدين يحمل في طياته أمرًا عظيمًا وهو ترك
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك مجاهدة الأعداء، واقرأوا معي ما قاله الشيخ
محمد الكبير صاحب «السجادة التيجانية الكبرى» وهي إحدى الطرق الصوفية التي انتشرت
في غرب إفريقيا انتشارًا واسعًا- في خطبة ألقاها أمام رئيس البعثة العسكرية
الفرنسية في مدينة عين ماضي عام ١٣٥٠ هجرية: «إن من الواجب علينا إعانة
حبيبة قلوبنا فرنسا- هكذا- ماديًا، ومعنويًا، وسياسيًا، ولهذا فإني أقول لا على
سبيل المن والافتخار، ولكن على سبيل الاحتساب والشرف بالقيام بالواجب، إن أجدادي
قد أحسنوا صنعًا في انضمامهم إلى فرنسا قبل أن تصل إلى بلادنا، وقبل أن تحتل
جيوشها الكرام ديارنا».[8]
وهذا الرجل قد قال قبل ذلك في أحد
كتبه «جواهر المعاني»: «إن الكفار، والمجرمين، والفجرة، والظلمة ممتثلون لأمر الله
تعالى ليسوا بخارجين عن أمره».[9]
وهكذا نجد أن هذه الفكرة لعبت دورًا
كبيرًا في الصد عن الجهاد وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أرض الواقع عند
احتلال المستعمر لديار المسلمين، فقد وجد الفرنسيون في الطريقة التيجانية ما يصلح
لأن تكون إحدى الركائز التي يتكون عليها لإخماد الجهاد في قلوب المسلمين لما وجدوه
من انحراف في مناهجها عن جادة الإسلام الصحيح، ويذكر لنا الجبرتي قصصًا محزنة من
أمر الشيخ السادات والشيخ البكري وصلتهما بالحاكم الفرنسي في مصر، ثم بعد خروج
الفرنسيين ودخول الإنجليز وما كان من الشيخ البكري من إقامة الموائد الفاخرة لهم
وتأديب من يقاتل المستعمر إما بالضرب مائة سوط أو دفع خمسمائة ريال فرنسي[10].
يقول ابن باديس الذي عانى الأمرين من
أصحاب الطرق: «إن البلاء المنصب على هذا الشعب المسكين آت من جهتين متعاونتين عليه:
استعمار مادي هو الاستعمار الفرنسي، واستعمار روحاني يمثله مشايخ الطرق المؤثرون
في الشعب المتغلغلون في جميع أوساطه، والمتجرون باسم الدين والمتعاونون مع
الاستعمار عن رضا وطواعية»[11].
والذي ذكره ابن باديس رحمه الله يعني
به أمثال ما جاء في كلمة الشيخ غلام الله محمد شيخ زاوية سيدي عده في الجزائر،
وذلك بمناسبة مرور مائة عام على احتلال فرنسا للجزائر، حيث اقترح في هذه الكلمة
الإبقاء على سيطرة فرنسا على الشؤون الدينية الإسلامية، لأن القانون الفرنسي
الجديد ينص على فصل الدين عن الدولة، وفي نفس المناسبة وقف شيخ آخر هو مفتي
قسنطينة المولود بن الموهوب وقال في كلمته أمام رئيس جمهورية فرنسا: «أتشرف بأن
أقدم لكم بالنيابة عن أصحاب الوظائف الدينية تحياتي الاحترامية، فهذه عواطف أملاها
علىّ الدين الإسلامي الذي فرض على معتنقيه الانقياد لكل حكومة تحترم عقائده... إلى
أن قال: ومن هذه الوجهة يجب على المسلمين أن يمدوها بما يستطيعون من إعانة ومساعدة»[12].
وسام فرنسي لزوجة زعيم صوفي
وقد أنعمت الحكومة الفرنسية بوسام
الشرق على امرأة تسمى «زوجة السيدين» وهي امرأة تزوجت من سيدي أحمد شيخ الطريقة
التيجانية ولما توفي تزوجت أخاه سيدي علي، وجاء في أسباب منح هذا الوسام «لأن هذه
السيدة قد أدارت الزاوية التيجانية الكبرى إدارة حسنة كما تحب فرنسا وترضى، وكسبت
للفرنسيين مزارع خصيبة ومراعي كثيرة لولاها ما خرجت من أيدي العرب الجزائريين
التيجانيين، ولأنها ساقت إلينا جنودًا مجندة من أحباب الطريقة التيجانية ومريديها
يجاهدون في سبيل فرنسا كأنهم بنيان مرصوص»[13].
ولعل هذه النماذج التي ذكرناها نتيجة
طبيعية لفكرة إسقاط التدبير وخلع الأسباب التي انتقلت من البوذية أو النصرانية إلى
الطرق الصوفية، وهي مخالفة تمامًا لروح الإسلام الذي أمرنا بالعمل ومغالبة الأسباب،
كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر عن عبدالله الذي أخرجه الإمام
مسلم في صحيحه: «قال- أي سراقة- قالَ: فَفِيمَ العَمَلُ؟ قالَ زُهَيْرٌ:
ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو الزُّبَيْرِ بشَيءٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، فَسَأَلْتُ: ما قالَ؟
فَقالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ» (سلم:2648).
وكقول عمر رضى الله عنه لما كلمه أبوعبيدة
بن الجراح قال: «أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة- وكان
عمر يكره خلافه- نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله» والقصة في الصحيحين.
تأثر الصوفية بالرهبان
ومن نزعات الصوفية ومناهجهم
«الرهبانية» المفضية إلى الاعتزال والابتعاد عن شأن العامة والتي كان لها دور في
ترك الجهاد وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه النزعة انتقلت إلى
المتصوفة من خلال علاقاتهم بالرهبان وأخذهم عنهم، كما نجد ذلك واضحًا في كتاب الإحياء
مثلًا، ولا عجب أن نجد عالمًا ومفكرًا كالغزالي رحمه الله يعتزل سقوط القدس في
أيدي الصليبيين ولا يكون له دور في الدفاع عنها بالسيف أو القلم، وذلك بسبب
الرهبنة التي أدت إلى الاعتزال والانشغال بمجاهدة النفس والذي يسمونه بالجهاد
الأكبر.
يقول عمر فروخ: «كان الصوفية يعتقدون
بأن الحروب الصليبية كانت عقابًا للمسلمين على ما سلف لهم من الذنوب والمعاصي،
ولعل الغزالي قد شارك سائر الصوفية في هذا الاعتقاد»[14].
وقد حاول بعض الكرام تبرئة ساحة
الإمام الغزالي رحمه الله من هذه باعتباره أحد أعلام الفكر الإسلامي، ونحن لا نفرح
بهذا، ولكن لا نستطيع أن نقرر غير الواقع، والذي حدا بالغزالي وغير الغزالي لمثل
هذا الأمر هو المنهج الذي سارت عليه الطرق الصوفية، وإلا فأين الجهاد والحض عليه
في كتبهم في حين امتلأت هذه الكتب بالوجد والسماع، والرقص، والغناء، وأين هذا من
الجهاد الذي عده الرسول صلى الله عليه وسلم ذروة سنام الإسلام؟
والأمر يتكرر، فحين أغار الفرنجة على
المنصورة وذلك قبل منتصف القرن السابع الهجري اجتمع زعماء الصوفية لا للجهاد ولكن لقراءة
رسالة القشيري والنظر في كرامات الأولياء، كما ذكر عمر فروخ في كتابه «التصوف في
الإسلام».
ورهبانية المتصوفة تخالف رهبانية
الإسلام، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه أحمد: «أُوصيكَ
بتَقْوى اللهِ؛ فإنَّه رأسُ كُلِّ شَيءٍ، وعليكَ بالجِهادِ؛ فإنَّه رَهبانيَّةُ
الإسلامِ» (مسند شعيب:11774).
فإن لم يكن الجهاد، فلا رهبانية في
الإسلام، ففي الحديث الذي أخرجه أحمد وأبوداود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«يا عُثمانُ، إنَّ الرَّهْبانيَّةَ لم تُكتَبْ علينا، أفَما لكَ فيَّ أُسوَةٌ،
فواللهِ إنِّي أخْشاكُم للهِ، وأحفَظُكُم لحُدودِه» «أبو داود:1369». وعثمان هو
ابن مظعون رضى الله عنه.
من خلال العرض السابق يتبين لنا أنه
قد اجتمع على إسقاط راية الجهاد محاور عديدة لعل أهمها تبني الاستعمار للطرق
الصوفية وتوسيع نطاقها وقبول المتصوفة لمثل هذا التبني لانحراف في المنهج وانحراف
عند بعض الشيوخ.
ولعله يتبين أيضًا لنا مما سبق أهمية
الاستقامة على دين الله، وأن هذه الاستقامة من شأنها أن تعيد جذوة الجهاد وتحييه
في قلوب المسلمين، وقد بدأ.
___________
الهامش:
[1] أحمد
توفيق عياد، التصوف الإسلامي، طبعة مكتبة الأنجلو الأمريكية، ص ٢٦٩.
[2] ما
قبله.
[3] مصطفى
فوزي، دعوة جمال الدين الأفغاني في ميزان الإسلام، دار طيبة- وانظر فصل جمال
الدين الأفغاني ومحمد عبده في كتاب الإسلام والحضارة الغربية- محمد محمد حسين.
[4] محمد
شقفة، التصوف بين الحق والخلق، ط2، ص ۲۱۹
[5] نفس
المرجع السابق، ص 212
[6] الرسالة
القشيرية، ج ١، طبعة دار الكتب الحديثة، ص ٤١
[7] زكي
مبارك، التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق، ج ٢، مطبعة المكتبة العصرية، ص ٢٤٩
[8] محمد
شقفة، التصوف بين الحق والخلق، ص ۲۱۳
[9] ما
قبله
[10] الجبرتي،
ج ,۳
ص ۲۲؛
محمد فهمي عبداللطيف، بتصرف عن دولة الدراويش في مصر، ص ١٥٦ وما بعدها.
[11] محمد
فتحي عثمان، عبد الحميد بن باديس رائد الحركة الإسلامية، ص 49
[12] مازن
صلاح حامد، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية
الجزائرية، طبعة دار العلوم بيروت، ص 141
[13] محمد
شقفة، التصوف بين الحق والخلق، ص ۲۱۳
[14] عبدالرحمن
دمشقية، أبو حامد الغزالي والتصوف، طبعة دار طبيبة، ص 411.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل