; بعد الانتخابات المحلية في فرنسا: تحولات عميقة في الخارطة السياسية الفرنسية والأوربية | مجلة المجتمع

العنوان بعد الانتخابات المحلية في فرنسا: تحولات عميقة في الخارطة السياسية الفرنسية والأوربية

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الأحد 05-أبريل-1992

مشاهدات 56

نشر في العدد 996

نشر في الصفحة 28

الأحد 05-أبريل-1992

·       رغم أن الجالية الإسلامية في فرنسا تصل إلى 4 ملايين إلا أنها ليس لها بعد وزن أو ثقل اقتصادي أو سياسي.

·       اليمين واليسار يشهدان انحسارًا كبيرًا على الساحة السياسية الفرنسية.

تكتسب الانتخابات المحلية الأخيرة في فرنسا أهمية بالغة من حيث إنها أبرزت تيارات وقوى سياسية جديدة منافسة للتركيبة التقليدية التي يتجاذبها طرفان رئيسيان عرفا باليمين واليسار اللذين يشهدان انحسارًا كبيرًا على الساحة السياسية الفرنسية.. فما هي هذه القوى الجديدة؟ وكيف يفسر صعودها من ناحية وانحدار شعبية القوى التقليدية من ناحية أخرى؟ لم تكن الانتخابات المحلية التي دارت في 22 و29 مارس (آذار) في فرنسا كبقية الانتخابات، وإنما مثلت محطة هامة في الحياة السياسية الفرنسية باعتبارها مؤشرًا لتحولات عميقة في المجتمع الفرنسي ومن ورائه المجتمعات الأوروبية الغربية عمومًا.


حماية البيئة:

فالخبراء في علم السياسة والاجتماع يؤكدون هذا الاتجاه من خلال بروز تيارين جديدين هما «الخضر» أو «دعاة حماية البيئة» و«الجبهة الوطنية» ذات النزعة العنصرية- الشوفينية. التيار الأول يدعو إلى حماية البيئة بمفهومها الواسع «برًا وجوًا وبحرًا» من كل أنواع التلوث التي تسبب فيها الإنسان، وإن كانت تتنافس في هذا التيار توجهات وحساسيات فكرية مختلفة، إلا أنها تصب في نفس المحور وتطلق نفس صيحة الإنذار نتيجة الأخطار التي تهدد حياة الإنسان ومحيطه، وتضرب على ذلك أمثلة عديدة: تلوث البحار والمحيطات بأطنان الفضلات التي تقذفها المصانع المتعددة، وتلوث الهواء الذي يتنفسه الإنسان والحيوان وفساد النبات بسبب انتشار المواد الكيميائية في الطبيعة، بالإضافة إلى الأضرار الناجمة عن استعمال الطاقة النووية. وما ازدياد شعبية هذا التيار إلا رد فعل على الوجه الآخر للحضارة الغربية؛ ذلك الوجه الذي يحمل في طياته الدمار والخراب للإنسان وبيئته بسبب إفراط الإنسان الغربي في غروره بعلمه وتكنولوجيته وضربه عرض الحائط مقابل ذلك بكل القيم الأخلاقية وحصر نفسه في التنافس على الملذات والملاهي والربح الوفير والسريع ولو على حساب توازن الطبيعة، وانتشار هذه العقلية المادية والتجارية الاستهلاكية لم يضر بالمجتمعات الغربية فحسب وإنما تعدى ذلك إلى بقية المجتمعات والعوالم الحضارية والثقافية المجاورة والبعيدة طبقًا للمفهوم القرآني: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (الروم: 41).

وتحول ظاهرة الاحتجاج على إفساد البيئة إلى تيار ضاغط داخل المجتمع الفرنسي والمجتمعات الغربية عمومًا دليل على أن الاتجاه النقدي للحضارة الغربية لم يعد مقصورًا على أطراف خارجية ذات انتماءات أيديولوجية وحضارية مغايرة، كما أنه يرفع اللوم والاتهام بالخصوص عن الإسلاميين بأنهم أعداء التقدم والمعاصرة والتحديث والإبداع لأنهم يعارضون المسار الانحرافي الذي سقطت فيه هذه الحضارة، فالداء قد عم إلى حد أن أبناء هذه الحضارة نفسها قد عبروا عن غضبهم وسخطهم عن طريق صناديق الاقتراع، وفي ذلك عبرة لمن يعتبر. أما التيار الثاني الذي تتزعمه الجبهة الوطنية بقيادة جون ماري لوبان في فرنسا فإنه تعبير صريح عن المأزق الذي تورطت فيه المجتمعات الغربية نتيجة عجزها وضعفها عن وجود مخرج لأزماتها من ناحية، ورفضها بقبول الأمر الواقع أي عدم أهلية الحضارة الغربية لقيادة البشرية، علمًا بأن العقلية التي سيطرت على الفكر الغربي منذ قرون تمحورت حول تفوق العنصر الأبيض باعتباره صاحب رسالة لإدخال الشعوب «الهمجية» و«المتخلفة» إلى عالم الحضارة، وهي نفس العقلية التي مهدت لدخول الاستعمار في بلداننا الإسلامية.

لكن مع مرور الأيام والأزمان أثبتت التجارب أن الذي حدث هو العكس؛ إذ استفاقت الشعوب «المتخلفة» من كبوتها في حين هوت المجتمعات الغربية في مستنقع انحلالها الأخلاقي وغرورها العلمي رغم ما تبديه من مظاهر رفاهية وعمران. وكرد فعل على هذه الورطة، ظهر دعاة إلى الانغلاق على الذات والتمسك بالهوية الوطنية.. والمقصود بها المسيحية بالدرجة الأولى، وبالطبع تحتاج هذه الظاهرة للإقناع بفلسفتها ودعوتها إلى كبش فداء تحمله مسئولية كل خطر يهدد هويتها.. وبعد أن كانت الشيوعية في الستينات والسبعينات هي رأس الحربة، تحولت الصحوة الإسلامية بداية من الثمانينات وخاصة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي إلى عدو لدود.


الجالية الإسلامية خطر على الهوية:

وتبعًا لذلك، تغيرت النظرة إلى أبناء الجالية الإسلامية المقيمة في الغرب من أياد عاملة إلى «أياد مخربة» ذات أفكار هدامة.. وتدخل في هذا الإطار تصريحات قياديي الجبهة الوطنية في فرنسا حول «الزحف الإسلامي» ورفع شعار «فرنسا للفرنسيين» والتحذير من ذوبان الهوية الفرنسية عن طريق الزواج المختلط و«التسيب» في إعطاء الجنسية الفرنسية لمن بلغوا سن الرشد خاصة من أبناء المسلمين. ورغم أن الجالية الإسلامية في فرنسا.. التي تعد 4 ملايين، منهم مليونان من شمال إفريقيا.. ليس لها بعد وزن أو ثقل اقتصادي أو سياسي، وأغلب عناصرها من العمال غير المثقفين، فإن أصابع الاتهام موجهة إليها سواء في البطالة أو في الإجرام؛ بل في كل الأزمات. وكل الدلائل تشير إلى أن هذا التيار الانغلاقي والشوفيني يسير عكس مسار التاريخ من ناحية، ويكرس تعقد الوضع في المجتمعات الغربية أكثر مما يحل مشاكلها من ناحية ثانية.. فالعالم أصبح مدينة مصغرة وتقاربت مجتمعاته وانفتحت على بعضها، وأي مجتمع ينكمش على نفسه يحكم على نفسه بالعزلة والانحدار من جهة ويحرم نفسه من طاقات جديدة لإثراء تركيبته وحل مشاكله المستعصية من جهة أخرى. والدعوة من داخل المجتمعات الغربية إلى النعرة العنصرية في نهاية القرن ال20 تأكيد على بداية النهاية للسيطرة الغربية على العالم. ومن خلال هذه المعطيات يلاحظ بأن التيارين الصاعدين متناقضان؛ فالأول يسعى إلى إرجاع التوازن إلى الطبيعة والإنسان ويدين ضمنيًا أو علنيًا الحضارة الغربية باعتبارها السبب الرئيسي في هذا الاختلال الخطير؛ في حين يتشبث التيار الثاني بأوهام العودة إلى عهود الإمبراطوريات الاستعمارية وسيطرة الحضارة المسيحية على بقية شعوب العالم.. التيار الأول يصلح، والثاني يهدم.. الأول يهدأ، والثاني يؤجج.. والمستقبل يحدده الصراع بين هذين التيارين اللذين حصل كلاهما على 13.9٪ من أصوات الناخبين.


تراجع القوى التقليدية:

وفي خضم هذا الصراع، تتراجع القوى التقليدية من اليمين واليسار على السواء بعد أن تركت بصماتها على النخب «المتعلمنة» فيما يسمى بالعالم الثالث، ومن ضمنه المجتمعات الإسلامية. فقد طغت هذه المصطلحات على فكر هذه النخب وتحاليلها وبرامجها واستراتيجيتها، ولم تعد تنظر إلى العالم إلا من خلال هذه القطبية الثنائية بعد أن تأثرت شديد التأثر بالفكر الغربي والفرنسي بالخصوص، حيث عرفت فرنسا بالحركة الفكرية- الثقافية «وعهد الأنوار». وفي هذا الإطار حشرت هذه النخب كل ما له علاقة بالدين في دائرة اليمين، في حين اعتبرت الاشتراكية «والثورية» من اليسار، وانطلاقًا من هذا التصور أحكمت عداوتها للصحوة الإسلامية، وصفقت لكل فكر أو منهج وارد من الغرب. بيد أن الانتخابات المحلية في فرنسا أثبتت أن الشعب الفرنسي قد كل وتعب من السماع إلى هذه المصطلحات التي فقدت محتواها خاصة في زمن انهيار الأيديولوجيات الوضعية التي أثبتت إفلاسها وعجزها عن حل مشاكل المواطنين اليومية، فضلًا عن تقديم بدائل لرفع التحديات القائمة، مع الإشارة إلى أن انتكاسة الحزب الاشتراكي «25٪ من الأصوات» أشد لعوامل عديدة منها الفضائح المالية التي صاحبت العمليات الانتخابية السابقة، وطريقة تسيير الدولة، وطول البقاء في الحكم. ولكن وضع الأحزاب اليمينية لا تحسد عليه بالمقارنة إلى التحالفات ودرجة التعبئة. ورغم أن بعض المراقبين السياسيين يقولون بعدم تطابق الاشتراكية مع العقلية الرأسمالية الغربية عمومًا والفرنسية خصوصًا، وأن الحكم الاشتراكي يعد استثناء فإن الأزمة أعمق وتتجاوز اليسار إلى القوى التقليدية اليمينية أيضًا، وهو ما عبرت عنه صناديق الاقتراع في الانتخابات المحلية الأخيرة. وفي انتظار ما ستسفر عنه هذه الانتخابات من تحالفات وموازين قوى جديدة، فإنه من الأكيد أن فرنسا قد دخلت مرحلة من التقلبات السياسية بسبب تفكك التركيبة التقليدية وظهور تيارات جديدة لها امتداداتها الفكرية والتنظيمية على المستوى الأوروبي، مما سيكون له انعكاس على النظام السياسي الأوروبي ودوره في المستقبل في إطار التحولات السياسية العالمية والمتوسطية بالخصوص.



 

الرابط المختصر :