; بعد السادات.. النميري أيضًا يتآمر على الشعب الإرتيري! | مجلة المجتمع

العنوان بعد السادات.. النميري أيضًا يتآمر على الشعب الإرتيري!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 01-مايو-1979

مشاهدات 76

نشر في العدد 443

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 01-مايو-1979

كتب المحرر السياسي للمجتمع

العديد من المراقبين المتابعين لمسيرة الثورة في أرتيريا لم يجدوا تفسيرًا دقيقًا لموقف نظام الرئيس نميري من هذه الثورة، وهو موقف تراوح بين التأييد المظهري للمجاهدين الإرتيريين، الذين قدموا ما يزيد على الـ ١٠٠ ألف شهيد لتحرير وطنهم؛ طيلة ما يقارب الربع قرن؛ حيث قاتلوا ببسالة ونكران ذات ضد الاحتلال الكنسي الإمبراطوري، وواصلوا قتالهم ضد النظام الكنسي الماركسي المختلط أو المتدثر بالرداء الشيوعي، لتغطية تعصبه الصليبي!

نقول إن الموقف السوداني تراوح بين التأييد المظهري للثورة، وبين العمل بلا عدالة أو منطق، لترجيح كفة تیار سياسي داخل أرتيريا على تيار آخر!

  • التحالف مع الشيوعيين! 

كان نظام الرئيس نميري كما هو معروف قد فك تحالفه مع الشيوعيين السودانيين عام ۱۹۷۱، بعد أن حاولوا الانفراد بالسلطة، ورفضوا مبدأ المشاركة مع الرئيس نميري وجماعته من العسكريين غير المنتمين إلى حزب أو اتجاه سياسي!

بعد ذلك الطلاق الدامي حدد الرئيس نميري موقفه من الشيوعية الدولية التي تآمرت عليه مع الحزب الشيوعي السوداني، وبدأت في معاداته ومحاربته بكافة الوسائل:

بعد انقلا ب الحبشة عام ١٩٧٥ وبروز الهوية الماركسية لنظام «الدرك» في أثيوبيا، دخل النظام السوداني في إطار لعبة القوى الكبرى، كطرف أو كأداة للضغط على النظام الشيوعي الأثيوبي. ليس لحساب القوى الوطنية الأثيوبية أو لحساب الجماهير الأثيوبية والإرتيرية والصومالية المسلمة، والتي ما إن ظنت بأنها تخلصت من أخطار الاحتلال الصليبي الإمبراطوري السابق المدعوم بقدرات أمريكا والغرب النصراني؛ حتى واجهت التآمر من جديد ووقعت «بكل أسف» تحت قبضة العدو الأكثر عداء وشراسة، وهو الشيوعية الدولية بقيادة السوفييت والكوبيين وغيرهم!

وقد ازداد النظام الحاكم في السودان انفضاحًا من خلال موقفه تجاه الثورة في أرتيريا، عندما بدأت العملية التي حيرت الجميع منذ ذلك الزمان وحتى الآن، وهي عملية التحالف التي بدأت بين الشيوعيين الإرتيريين والمسيحيين الإرتيريين، وبين النظام السوداني الحاكم، وهو تحالف قام على حساب القوى الأساسية والأصيلة في أريتريا، وهي القوى الإسلامية التي فجرت الثورة، ورفعت لواءها منذ عام ١٩٥٩ وإلى يومنا هذا! 

النميري يساعد الشيوعيين والصليبيين الإرتيريين حتى يبقى الانقسام ويظل الاحتلال إلى حين عودة أمريكا.

سؤال بلا إجابة! 

إن الممارسات والأخطاء المتعمدة التي اقترفها نظام نميري تجاه الثورة الإريترية هي أخطاء عديدة الوجوه، ولكنها ليست عفوية أو صادرة عن جهل!

فقد كان هذا النظام يُشدِّد من هجومه على (منغستو) الشيوعي ويبدي تخوفه من مطامع وأخطار القوى التي تقف وراءه، وفي الوقت نفسه يمد الشيوعيين الإرتيريين الممثلين في 
(الجبهة الشعبية لتحرير أرتيريا) - والتي يقودها الشيوعي النصراني و(سياس أفورقي) والشيوعي الآخر (رمضان محمد نور) بكل أسباب القوة، بل وساهم النظام السوداني في تأسيس هذه الجماعة المعادية علنًا لتوجهات الشعب الإرتيري الإسلامية.

ولقد كانت أخطر مراحل هذا التآمر والذي يتضح أنه يتم بالاتفاق مع القوى الغربية ممثلة في أمريكا، والصليبية ممثلة في مجلس الكنائس العالمي، هي مرحلة تأسيس وقيام هذا التنظيم الشيوعي النصراني المشترك! فالسودان قبل غيره كان يعلم بأن الانقسام الذي حدث في تنظيم قوات التحرير الشعبية، قد جاء بسبب توقع الشيوعيين والنصارى بأن الثورة أصبحت قريبة من مقاليد الحكم، وإن حصول القيادات الوطنية الإرتيرية للسلطة بعد التحرير يعني تأكيد الانتماء العربي والإسلامي للشعب الإرتيري، وهذا ما لا يتفق مع تطلعاتهم التآمرية.

ومع هذا كان من الغريب أن يقف النظام السوداني مع الانقسام الشيوعي الصليبي، وإن يُصادر أسلحة وقدرات الجناح العربي الإسلامي في الثورة الإرتيرية، ويقوم بتسليمها لهذا الجناح المارق عن خط وأهداف ثورة الشعب الإرتيري!

وآنذاك طرح العديد من عقلاء السودان سؤالًا على السلطات السودانية؛ طالبين تفسيرًا لهذا الموقف، إلا أن أجهزة الأمن السودانية التي كانت تعالج القضية الإرتيرية وتتعامل مع أجهزتها، واصلت التعاون مع هذه العناصر الصليبية الماركسية؛ رافضةً التعاون مع العناصر الوطنية والإسلامية. الأمر الذي أدى إلى قلب موازين القوى العسكرية فوق الساحة الإرتيرية وأغرى عناصر شيوعية أخرى في التنظيم الثاني، وهو المجلس الثوري لتبرز ماركسيتها.

وتأخذ من السودان منطلقًا للتحرك نحو موسكو وهافانا وعدن، ولتلتقي بممثلين للنظام الشيوعي الأثيوبي في عدد من العواصم العربية؛ بهدف التآمر والاتفاق على أسلوب يؤدي إلى تقليم أظافر القوى الوطنية الإرتيرية، ومن ثم الدخول في اتفاقات تؤدي إلى قيام إمبراطورية ماركسية تضم أثيوبيا وأرتيريا والصومال، بعد إسقاط نظام (سياد بري) الذي استيقظ أخيرًا، وأدرك أخطار اللعبة الروسية ورفض الانسياق وراءها!

  • مخطط القوى الكبرى

لقد لفتت العديد من الجهات العربية والإسلامية نظر السلطات السودانية إلى خطأ السياسة المتبعة بشأن أرتيريا، وسلمت للنميري العديد من الوثائق التي تثبت بأن القوى الوطنية الإرتيرية تواجه ظلمًا وعدوانًا من الأجهزة السودانية، وإن هناك تواطئًا سافرًا بين هذه الأجهزة وبين القوى المعادية لإسلام وعروبة أرتيريا.

مصادرة نشاط القوى الوطنية الارتيرية تلبية لرغبة أمريكا..

  • تنظيم شيوعي نصراني مشترك

إلا أن مثل هذه التحذيرات لم تجد من النميري أو نظامه أذنًا صاغية.. الأمر الذي يؤكد بأن النظام السوداني لم يتدخل في القضية الإرتيرية، أو يساند شعبها نتيجة لقناعاته أو إيمانه بحق شعب أرتيريا المسلم في الحرية والاستقلال وتقرير المصير.

بل لقد كان الأمر المؤكد، والذي اتضح أكثر، هو أن هناك دورًا ما للنظام السوداني طُلب إليه القيام به، لحرمان الإرتيريين من إحراز الاستقلال، وبأن يكون دور السودان هو مجرد تنشيط الإرتيريين لإزعاج الوجود السوفييتي في المنطقة لحساب الاستراتيجية الأمريكية الطامعة في العودة إلى أثيوبيا..  والحريصة على أن تظل الأوضاع الجغرافية كما هي عليه الآن، ودون أن يصل الإرتيريون أو الصوماليون إلى وضع يُمكِّنهم من إحراز الاستقلال.

والذي سيشكل بلا أدنى شك رصيدًا جديدًا للأمة العربية والعالم الإسلامي، وهو أمر لا تريده أمريكا، كما يرفضه ويقاومه الروس أيضًا!

  • وأخيرًا تصاعد التآمر! 

إن النظام السوداني لم يكتفِ بمجرد تحجيم وضرب العناصر العربية والإسلامية في أرتيريا، والتقليل من حجمها العسكري، برغم علمه بحجمها الشعبي الكبير، بل جنح أخيرًا إلى تنفيذ الفصل الأخير في المخطط، بأن دبر ونفذ انقسامًا خطيرًا وسط القوى الوطنية الإريترية، واتخذ هذا الانقسام مُبررًا لتعطيل نشاطات قوات التحرير الشعبية الإريترية، والتي ظلت تقود العمل العربي والإسلامي في أرتيريا منذ اندلاع الثورة وحتى يومنا هذا! 

لقد كان الأمر العجيب الذي حدث هو أن أربعة أشخاص من قادة التنظيم الذي يتجاوز عددهم الـ ٣٠ شخصًا، قد أصدروا بيانًا أعلنوا فيه خروجهم على الشرعية وتمردهم على القيادة، وما كان من السلطات السودانية إلا أن اعترفت بالمنشقين الأربعة، وتعاملت معهم كتنظيم، وقامت بتجميد وتعطيل كل نشاطات قوات التحرير الشعبية، كما وضعت السلطات السودانية يدها على كافة أموال وممتلكات وأسلحة التنظيم، ومنعت أعضائه من الحركة والنشاط..  بينما سمحت لأحد قادة الانشقاق بالعمل الداخلي والخارجي!.. 

  • مطلوب التفاتة عربية عاجلة!

إن تفسيرات كثيرة لما حدث وما يحدث في الساحة الإرتيرية قد قيلت الآن ومن قبل؛ إلا أن التحرك الأخير من جانب السلطات السودانية لم يترك مجالًا للشك في أن النظام السوداني قد دخل طرفًا فاعلًا في صفقة دولية كبيرة؛ هدفها إزاحة الكابوس الإرتيري من أمام الاستراتيجية الدولية المتفقة أساسًا على حرمان الشعب الإرتيري من الوصول إلى استقلاله..

ويبدو أن النظام السوداني، وبإشارة دولية واضحة قد تحرك في هذه الظروف بالذات، لاغتنام فرصة انشغال الوطن العربي رسميًّا وشعبيًّا في المصيبة الناتجة عن التصرف المشين للرئيس السادات... 

والمطلوب هو التفاتة عربية للكارثة التي يُعدها نميري حليف السادات بحق الشعب العربي الأرتيري المسلم.. 

الرابط المختصر :