; بعد ٢٥ سنة من استقلال الجزائر.. معالم من الحل الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان بعد ٢٥ سنة من استقلال الجزائر.. معالم من الحل الإسلامي

الكاتب أحمد سحنون

تاريخ النشر الثلاثاء 20-ديسمبر-1988

مشاهدات 48

نشر في العدد 896

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 20-ديسمبر-1988

إن شعب الجزائر المسلم قد جاهد جهادًا متواصلًا طوال قرون من أجل المحافظة على أصالته الإسلامية ودفع تضحيات جسيمة لإحباط المؤامرات الصليبية المتتالية من أسيان وبرتغال وفرانسيس، وكان دائمًا وقود جهاده ورائد كتائبه هو الإسلام. وليس أدل على ذلك من أن قادة الثورات المتعاقبة كانوا من الشخصيات الدينية التي جمعت بين الكتاب لهداية الناس وبين السيف للدفاع عن مقدسات الأمة.

 وثورة نوفمبر ١٩٥٤ كانت إسلامية في روحها وفي هدفها النهائي حين أعلنت أن الاستقلال يعني بناء دولة ديمقراطية اجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية ضمن بيان الفاتح من نوفمبر ١٩٥٤ وليس عبثًا أن يسمي القتيل من الثوار شهيدًا والمقاتل مجاهدًا وأن أذان بدء المعركة كان «الله أكبر».

ولما حقق الشعب النصر المبين وجاء الاستقلال وعادت السيادة بدأ العمل على إبعاد الإسلام من أن يكون مصدر إلهام للذين تحملوا وزر صياغة معالم مستقبل الجزائر المسلمة التي دفعت قوافل الشهداء لتبقى مسلمة وترتب على إبعاد الإسلام النتائج التالية:

أ – التغريب في الثقافة حيث يرى كل ملاحظ منصف أن ما انتشر من العناصر الثقافية الاستعمارية بعد الاستقلال لم يتأت للاستعمار يوم كان يباشر العملية بنفسه رغم إمكاناته الكبيرة التي سخرها. 

ب- تهميش الطاقة الشعبية والعناصر المخلصة وأصبح مصير الشعب يقرر دون أن يكون له رأي أو مساهمة فعلية حرة في صنع حاضره والتخطيط لمستقبله وهذا ما فوت تلك الفرصة التاريخية على الشعب للانطلاقة الحضارية التي توفرت لها الشروط اللازمة من العنصر البشري إلى الموارد المالية المعتبرة إلى العقيدة الجامعة المحفزة.

ج – اتباع المنهج الاستبدادي في تسيير شؤون البلاد وهو ما جعل النظام يحرم الوطن من كفاءات معتبرة لأبنائه المخلصين كما اضطرته هذه السياسة إلى رفض كل صوت ناقد يتجاهله أحيانًا ويسكته بالقوة أحيانًا. 

د – وإبعاد الإسلام عزل النظام عن الإرادة الشعبية التي كان ينبغي أن يستمد منها الشرعية التي يمنحها الشعب بالاختيار الحر لا المصادقة على ما يقرر في غيابه وعندما يفقد النظام الدعم الشعبي يلجأ إلى البطش تارة وإلى الانتفاعيين تارة أخرى.

وسياسة الحزب منذ الاستقلال وضعت ربع قرن قد أفضت بالبلاد إلى الطريق المسدود وهذا ما جسدته الانتفاضة الدامية التي دقت ناقوس الخطر وأيقظت النائمين بأن ساعة مواجهة النفس قد أزفت، وأنتم- معشر أعضاء المؤتمر- تجتمعون لتخرجوا في النهاية بوثيقة تحددون فيها معالم المرحلة المقبلة تلك الوثيقة التي يجب أن تصحح المسار وأن تعيد الاعتبار للشعب ليصبح بكل أبنائه وفئاته صاحب القضية الأولى من حيث هو شعب مسلم جاهد ليعيش حياة كريمة في ظل الإسلام يتمتع بالعدل والحرية والمؤسف أن يستمر تجاهل الإسلام إلى عشية انعقاد المؤتمر.

ومن أجل إبراء الذمة أمام الله وأداء الواجب ورعاية المصالح العليا للشعب فإننا نبعث إليكم بهذه الرسالة تتضمن معالم الحل الإسلامي للأزمة التي تواجهها البلاد، وهذه الأزمة التي لا يمكن لأي كان أن يدعي القدرة على حلها دون المساهمة الفعالة من كل أبناء الوطن المخلصين النزهاء الأكفاء ودون الرجوع إلى عقيدة الأمة ودينها الذي يمثل مفتاح شخصيتها.

أولًا: الحكم أن الإسلام دين ودولة وليس مجرد شعائر تعبدية لذا يجب أن يحكم الشعب بما يحقق المقاصد العليا التي جاء بها الإسلام ويكون ذلك بالتطبيق الصادق لمبدأ الشورى في اختيار الحاكم وفي إدارة شؤون البلاد، وبذلك يكون الحاكم نائبًا عن الأمة في التنفيذ ويكون مسؤولًا أمام الله أولًا وأمام ممثلي الأمة من أهل الحل والعقد كما يكون للشعب حق المراقبة المباشرة في إطار ضوابط تحقيقًا لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ثانيًّا: التشريع: إن وظيفة المجلس التشريعي المنتخب تتلخص في وظيفتين أساسيتين:

أ – من القوانين التي تحتاج إليها الدولة ومراقبتها والمصادقة عليها أو تعديلها وذلك بممارسة الاجتهاد الجماعي وهذا يستلزم أن يكون في المجلس هيئة تراقب القوانين حتى لا تصادم نصوص الشريعة أو روحها. 

ب – وظيفة الرقابة على الجهاز التنفيذي في الدولة تحقيقًا لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومسؤولية الحاكم أمام الأمة وممثليها ويجب الإشارة إلى أن مجلس التشريع يتقيد بما يلي:

  1. ليس من حقه أن يعطل حكمًا مبنيًّا على نص شرعي صحيح في ثبوته ودلالاته.
  2. أن لا يصدر قانونًا يخالف مقاصد الشريعة أو نصوصها القطعية.

 ثالثا: القضاء وهو من أهم الأجهزة التي تجعل في الدولة السيادة للقانون فلا تسلب الحقوق ولا تنتهك الحرمات، ولتحقيق هذا الهدف السامي يجب فصل القضاء ومنحه الاستقلالية ليتمكن رجل القضاء من ممارسة مهمته بكل حرية مع الشعور بالأمن على نفسه والقوانين يجب أن تكون منسجمة مع روح الأمة وعقيدتها

ملاحظة: وينبغي الفصل بين السلطات الثلاث:

التشريعية والقضائية والتنفيذية.

رابعًا: الإعلام: لا شك أنه يشكل العمود الفقري في المجتمعات الحديثة ويمكن أن يطمس معالم شخصية الأمة كما يمكن أن يأخذ بيدها إلى العمل الجماعي المنسجم للبناء الحضاري الأصيل وليقوم الإعلام برسالته العظيمة يجب أن تتحقق الأهداف التالية: 

ا- تحصينه من كل مادة إعلامية تثقيفية تستهدف طمس معالم شخصية الأمة وتكوين الأنماط الاستهلاكية الغربية.

ب- تمكينه من أداء الرسالة الإعلامية بكل حرية في إطار الضوابط الشرعية ليكون صادقًا في أخباره المواطن بما يجري في وطنه وفي العالم ويكون رأيًّا عامًّا سليمًا مبنيًّا على الحقائق.

 ج- اعتبار رسالة الإعلام مكملة لرسالة مختلف الأجهزة التي تربي وتعلم وتثقف، لذا يجب أن تراعى أصالة الشعب في كل مادة تثقيفية تربوية تبث عن طريق أجهزة الإعلام والتبليغ الجماهيري.

 د – كفالة حرية الرقابة والنقد لكل من يتولى الإشراف على مصلحة من مصالح الأمة مع توفير الحصانة القانونية لرجل الإعلام في حدود أداء رسالته ومهمته.

 ملاحظة: وترشيد الإعلام يستلزم تشكيل هيئة متخصصة لرعاية الآداب العامة في البرامج.

خامسًا: التربية وهي في الحقيقة صياغة مستقبل الأمة لهذا يجب أن تتحدد بدقة معالم الإنسان الذي نريد بناءه وهذه المعالم تنبثق من مقومات الأمة وأهدافها المرحلية والبعيدة وتؤكد في صياغة المنظومة التربوية على ما يلي:

 أ - اللغة العربية لتأخذ مكانتها اللائقة بها في بلد قدم أغلى التضحيات من أجل أصالته ولتصبح هذه اللغة أداة للتفكير والتعبير والنشر والبحث والعمل في سائر المؤسسات واللغة لا تنمو ولا تتطور في المخابر المغلقة التي تحنطها وإنما تنمو في الميدان عندما تكون أداة العمل اليومي وهذا لا يعني الانغلاق على الذات ولكن تدرس اللغة الأجنبية لتكون نافذة للاطلاع على مستجدات العلم وأحداث العالم المتحرك

 ب- غرس القيم الأخلاقية الإسلامية في نفوس النشء لإيجاد رجال صالحين يتفانون في خدمة أمتهم ويضحون بكل غال ونفيس في سبيل مجدها والدفاع عنها مع العناية بقيمة الحرية وضبطها والعدالة والشورى والإيثار والشجاعة والصدق والشعائر التعبدية تساهم في تعميق هذه القيم.

ج- رفع مستوى التحصيل العلمي مع توفير الشروط اللازمة لذلك ليتم إعداد رجال يتمتعون بأعلى الخبرات العلمية يمكنون بها أمتهم من النهوض الحضاري وتحريرها من التبعية العلمية. 

د- وضع حد لسياسة الاختلاط التي ورثناها من العهد الاستعماري خاصة بعد ما تبينت نتائجها الوخيمة على المستوى التربوي والأخلاقي والعلمي. 

سادسًا: مراجعة السياسة الثقافية لتصبح منسجمة مع ثوابت الأمة وأصالتها الإسلامية، وإذا كانت الثقافة هي بصمات كل أمة تميزها عن غيرها من الأمم فإن من الجناية أن يشوه مفهوم الثقافة على بعض العناصر التي تشل طاقات الأمة وتحنط فعاليتها، ولعل أهم أداة التثقيف المفيد الجاد هي الكتاب لذا يجب توفيره وتشجيع مواهب التأليف وإمكانات النشر، والشعب المثقف لا يمكن أن يستعيد.

سابعًا: الأسرة إنها المكان الصالح الذي ينمو فيه الفرد وتتفتح شخصيته وتتفجر مواهبه لذا يجب العناية بها ورعايتها وحمايتها من كل ما يتهددها ولعل أهم عامل في صيانتها هو حسن الإعداد والتربية لكل من الرجل والمرأة ويجب أن ينص القانون على حقها في التفرغ للمهمة التي تفرضها عليها فطرتها كما يجب على المجتمع أن يعتبر عملها التربوي عملًا اجتماعيًّا تكافأ عليه ماديًّا وأدبيًّا.

 وقانون الأسرة خطوة إيجابية لكن يبقى أبتر ما لم يكن محروسًا بالأحكام الشرعية المتعلقة بحماية النسل والعرض والأسرة، وإهمال هذا الجانب من التشريع مضافًا إليه الاختلاط والنقص في التربية والتوعية قد أدى إلى ظهور فئة محرومة من هذا المحضن.. والحل إنما يكمن في ترشيد السياسة الاجتماعية ورسم خط سير للعناية بكل فئات المجتمع.

 ثامنًا: الحريات الأساسية: إن الأمم لا تبني الحضارات إلا في ظل دور يسود فيها القانون الذي يضبط العلاقات بين مختلف المؤسسات والأفراد والمواطن تتوثق عرى انتمائه إلى بلده إذا كان يشعر فيه بالأمن بحيث يستطيع أن يفكر ويعبر وينشر ويبحث ويتحمل وينتقل بكل حرية مع مراعاة عقيدة الأمة.

 إن سياسة الكبت والقهر والتسلط يعشش في ظلها النفاق والكيد ويفوت الفرصة على الأمة أن تستفيد من مساهمة كل أبنائها في بنائها ولذا تؤكد على ما يلي:

أ- ضمان الحريات العامة لكل المواطنين مع مراعاة مقدسات الأمة الدينية.

ب- ضمان حرية الدعوة ونشر تعاليم الإسلام وإصلاح المجتمع بكل وسائل النشر مع توفير الحصانة للأئمة والدعاة دون أن يحاسبوا على فعل أو قول لا يحرمه الشرع.

ج- توفير حرية النقد والرأي لكل من يتولى الإشراف على مصلحة عامة دون التعرض لحياته الخاصة في حدود الآداب الشرعية.

 د – حرية الاجتماع والتنظيم بما يتيح الفرصة لكل أبناء الأمة أن يشعروا بواجب حماية الحرية التي يتمتعون بها.

هذا وإن دعوى التخوف من الحريات بحجة عدم نضج الشعب باطلة لأن شعبنا قد صهر وحدته في أتون الجهاد؛ والحرية يعتبرها الإسلام شقيقة الحياة.

تاسعًا: لا شك أن الاقتصاد عصب الحياة وتتوقف عليه إلى حد بعيد حرية الشعوب واستقلالها وبالتالي فعلى قدر احتياجنا إلى الغير تكون تبعيتنا له وعليه فإن من الضرورات الملحة أن تبنى ثروة الأمة ويتحقق الازدهار الاقتصادي والاكتفاء الذاتي على أن يضبط هذا الجانب بالضوابط الشرعية.

 ا – فتح السبل الشرعية للكسب الحلال في التجارة والصناعة والزراعة.

ب – تشجيع الاستثمار الاقتصادي في القطاعات التي ضد احتياجات الأمة وتوفر مناصب الشغل لتشغيل الطاقات البشرية التي تزخر بها البلاد.

 ج– إعادة ثقة المواطن في الدولة ليطمئن على مستقبل رؤوس أمواله وثرواته التي يجنيها بكد اليمين وعرق الجبين.. وهذه الشقة تدفع المواطن إلى الاستثمار ويداول ثروته النقدية ويسعى دائمًا إلى إثراء الخزينة الوطنية ولا يلجأ إلى البحث عن مخبأ آمن لماله خارج وطنه.

د- إعادة النظر في توزيع الأراضي الزراعية ومنحها لمن يخدمها كما يجب إعادة الأراضي المأخوذة من أهلها الشرعيين في إطار الثورة الزراعية وتصحيح الخطأ خير من التمادي في الباطل.

عاشرًا: السياسة الخارجية لا ريب أنها انعكاس للنظام المتبع داخل البلاد ولذلك يجب أن تخضع سياستنا الخارجية لمبادئ الإسلام وأخلاقه وتراعي فيها دوائر الانتماء فيكون تعاملنا مع العالم على أساس العدل مع الناس وعلى أساس الإحسان مع الأشقاء. 

وبعد.. فتلكم إذن معشر المؤتمرين ومضات ومعالم من الحل الإسلامي ونحن نقف الآن في منعرج تاريخي بعد ربع قرن من الاستقلال، والسير في طريق غير واضح المعالم والأهداف أدى إلى تعطيل طاقات وتفريق الكلمة وإفساد الأخلاق وإفشاء النفاق الاجتماعي وتعميق الهوة بين مختلف فئات المجتمع. 

إنكم تقفون اليوم في لحظة الحسم فاستحضروا وقوفكم بين يدي الله وأمام محكمة التاريخ؛ إنها لأمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها. ﴿وَقُلِ ٱعمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُم وَرَسُولُهُۥ وَٱلمُؤمِنُون وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلغَيبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُم تَعمَلُونَ (التوبة:105)...

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين وأصحابه المهتدين.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 112

173

الثلاثاء 08-أغسطس-1972

بريد القراء (112)