; بعد فشل المغامرة النووية- المتعصبون الهندوس يعودون لإثارة قضية «المعبد» | مجلة المجتمع

العنوان بعد فشل المغامرة النووية- المتعصبون الهندوس يعودون لإثارة قضية «المعبد»

الكاتب ظفر الاسلام خان

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1998

مشاهدات 68

نشر في العدد 1307

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 07-يوليو-1998

* مغامرة التفجيرات النووية كشفت طفولة المتعصبين السياسية والرد الباكستاني بدد أوهامهم

حزب المتعصبين الهندوس «حزب الشعب الهنديB.J.P » يعمل ليل نهار هذه الأيام الإطالة حكمة الهش الذي مضى عليه مائة يوم! وهو لا يواجه الأخطار من المعارضة وحدها بل من الأحزاب المتحالفة معه مثل حزب إيه أي دي إم كيه AIDMK وحزب سامتا وحزب الكالي البنجابي والتي تهدد من حين لآخر بالانسحاب من التحالف الحاكم وبالتالي ستسقط الحكومة تلقائيًّا تحت وطأة التناقضات التي ولدت في ظلها ...      وبإمكان أحزاب المعارضة الآن سحب الثقة بسهولة من الحكومة الحالية في البرلمان، إلا أنها وخصوصًا حزب المؤتمر -أكبر أحزاب المعارضة- لا تود تعجيل السقوط حتى لا يستغله المتعصبون فيزعمون أن أحزاب المعارضة لم تدعها تعمل وتثبت جدارتها وبالتالي سيكسبون عطف الناخبين ولذلك تفضل المعارضة أن تسقط الحكومة تلقائيًّا بانسحاب الأحزاب المتحالفة مع حزب المتعصبين.

وكانت الحكومة قد أقدمت على حماقة التفجيرات النووية في شهر مايو الماضي ليس لتقوية أمن البلاد بل لتثبيت نفسها قبل كل شيء ولم يحر رئيس الوزراء «أتال بيهاري واجباي» جوابًا حين تساءل سلفه «إيندار كومارغموجوال» في البرلمان أنه قبل شهرين فقط لم تكن هناك أخطار لأمن الهند تستدعي التفجيرات النووية فما الذي حدث الآن خلال شهرين بعد مجيء الحكومة الجديدة؟!

والحقيقة أن الحكومة قد سولت لنفسها أن التفجيرات النووية ستقوم بإسكات كل الأصوات الناشرة داخل التحالف الحاكم وخارجه في وقت كانت الحكومة تواجه فيه الهجمات على كل الجبهات داخل الائتلاف وخارجه لدرجة أنه حين قيل للصحفيين ظهر يوم التفجير (۱۱ مايو) أن يحضروا بسرعة إلى رئاسة الوزارة للاستماع إلى بيان مهم سيلقيه رئيس الوزراء كان بينهم شبه إجماع أنه سيعلن استقالته فحكومة حزب  الشعب الهندي «بهارتيا جاناتا» التي قد جاءت للحكم في أعقاب الانتخابات النيابية في شهر فبراير الماضي مضطربة للغاية منذ يومها الأول إذا هي تتألف من تحالف (۲۳) حزبًا سياسيًّا متنافرًا لا يجمع بينها فكر أو فلسفة أو مصلحة مشتركة إلا مشاركة السلطة السياسية والتمتع بثمارها، والبعض منها قد دخل الائتلاف الوزاري لأسباب سلبية مثل عدائها لحزب المؤتمر الذي هو البديل الآخر في ظل البرلمان الحالي لو سقطت حكومة حزب الشعب الهندي.

وقد ظلت الحكومة الحالية تعاني من ضغوط حلفائها الذين لهم أهداف خاصة بهم مثل الزعيمة الجنوبية «جاي لالينا» التي تريد إسقاط حكومة ولاية «تاميل نادوه» بأية طريقة إلى جانب إسقاط التهم الخطيرة الموجهة إليها بالفساد السياسي إبان حكمها سابقًا لتلك الولاية وحزب سامتا «الذي ينتمي إليه وزير الدفاع جورج فرنانديز» يضغط الإسقاط حكومة ولاية بيهار أملًا في حكم تلك الولاية في أعقاب إجراء انتخابات جديدة بها.

الناس يتندرون:

وحتى عامة الناس كانوا يتندرون من وضع رئيس الوزراء الذي لم يعد يبتسم ... وانتشرت الآراء القائلة بأنه لا يتحكم في حكومته وأن كل وزير، وبخاصة منافسه في الحزب ووزير الداخلية «لال كيشان أوداني» يتحكم ويفعل ما يشاء في وزارته بدون علم رئيس الوزراء بل يفرض عليه السياسات ويواجهه بالأمر الواقع وكان كل حزب مشارك في الائتلاف الحاكم يملي السياسات على رئيس الوزراء كل حسب حجمه في البركان وعلى رأسهم جاي لاليتا التي سئم الهنود من نوبات غضبها وصرعات مطالبها المتكررة المقرونة بالتهديد بالانسحاب من الائتلاف.

وفي هذه الأجواء جاءت التفجيرات النووية، وكان الافتراض المسبق هو أنها ستكون دعمًا قويًّا لحكومة حزب الشعب الهندي من عدة نواحٍ:

أولا: إسكات كل معارضة وتذمر داخل الائتلاف بسبب القوة الجديدة التي سيكتسبها الحزب ببروزه كحكومة قوية وشجاعة وقادرة على إجراء تهيبت منه الحكومات الهندية المتعاقبة رغم أن التفجير الهندي الأول كان قد تم قبل ٢٤ سنة «سنة ١٩٧١م بالتحديد».

ثانيًا: تقوية موقف الحزب لدى المواطن الهندي العادي الذي ستصله رسالة قوية بأن هذا الحزب يتمتع بالقوة اللازمة لمواجهة الضغوط الدولية التي تتعرض لها الهند والبلاد النامية وخصوصًا في مجال التسلح حيث فرضت الدول الكبرى ما يوصف هنا به التمييز العنصري النووي، فهي تمنع الآخرين من التمتع بقوة هي تحتكرها.

وكان تقدير الحزب أنه لو أجريت الانتخابات النيابية في الفترة القريبة القادمة فسيفوز فيها حزب الشعب الهندي بغالبية في البرلمان مما سيمكنه من تكليف حكومة «مستقلة»  وبالتالي تنفيذ سياساتها التي تنازلت عنها في الفترة الحالية لإرضاء حلقاتها في الحكومة مثل الدعوة لبناء المعبد الهندوسي مكان المسجد البابري، ومن قانون أحوال شخصية موحد لكل المواطنين وتقوية الحكومة المركزية على حساب الحكومات الإقليمية، وإلغاء الامتيازات الدستورية الخاصة بولاية جامو وكشمير، وإعادة النظر في الدستور مع إمكان اختيار النظام الرئاسي كما في الولايات المتحدة ...إلخ 

ومما يؤكد على أن هذا التفجير كان مدبَّرًا لغرض معين، هو خدمة أهداف المتعصبين الهندوس الذين يمثلهم على الصعيد السياسي حزب الشعب الهندي – أن رافق التفجير صدور عدد خاص من مجلة «المنظم» ORGANISER‏ التابعة لمنظمة واشتريا سيواك سانغ RSS‏ «المنظمة الأم التي تتفرع عنها المنظمات الطائفية الهندوسية الأخرى» حول قوة الهند النووية وضرورة إجراء التفجيرات وصنع القنبلة النووية، وكان هذا العدد من المجلة قد دفع للمطبعة قبل التفجير ونزل في الأسواق مع صدور أخبار التفجير.

ومما يجدر ذكره أن برنامج «حزب الشعب الهندي» الانتخابي يدعو إلى إنتاج القنبلة الذرية ولكن الحزب كان قد تنازل عن هذا لإرضاء شركائه في الحكم الائتلافي الحالي، وكان قد طرح -كبديل- فكرة إنشاء «المجلس القومي الأعلى للأمن» لمناقشة الخيارات واتخاذ القرار بشأنه ولكن جاءت خطوة الحكومة حتى قبل أن ينشأ هذا المجلس وفوجئ بها غالبية الحلفاء.

«معبد» القوة:

وفور التفجيرات انطلق زعماء الحزب والمنظمات الهندوسية المتعصبة المتحالفة معه يهللون ويكبرون ويرقصون ويوزعون الحلوى على الشوارع ويصرخون في ندوات ومؤتمرات واحتفالات صاخبة في أنحاء الهند ابتهاجًا بهذا الحدث، ودليلًا على أنهم وحدهم قادرون على اتخاذ قرارات شجاعة، وأعلنت منظمة ويشوا هیندو باریشاد VHP «المنظمة التي هدمت المسجد البابري» أنها ستبني «معبد القوة» على موقع التفجير في منطقة «بوخاران» بولاية راجستهان المتاخمة للحدود الباكستانية وتنادت المنظمات الطائفية الهندوسية لإحياء ما أسمته بمناسبة القوة لإبراز الحدث الذي حوَّل الهند في رأيها إلى دولة عظمى وأخذ وزراء الحزب وخصوصًا وزير الداخلية «الدواني»  يطلقون – تصريحات متشنجة يهددون «أعداء الهند» وخصوصًا باكستان بالويل والثبور وعظائم الأمور.

وكانت الغوغائية شديدة للغاية لدرجة أن ظهرت مخاوف قوية من أن الحكومة الهندية في حالتها النفسية تلك قد تقدم على مغامرة عسكرية ضد باكستان على خطوط وقف إطلاق النار في كشمير التي هي ليست حدودًا دولية، ومثل هذا التطور سيزيد بالتأكيد من شعبية حزب الشعب الهندي على غرار ما حدث لأنديرا غاندي في أعقاب التفجير النووي السلمي سنة 1973م والهجوم على باكستان الشرقية.

وقد اتضح الآن أن التفجير النووي الهندي لم ينطلق من مصلحة الهند ولا من مواقع أمنها بل بسبب حاجة حزب حاكم ضعيف لاستغلال إنجاز علمي سهرت عليه الحكومات المتعاقبة منذ أكثر من ربع قرن ولم يزد دور حزب الشعب الهندي فيه عن الضغط على الزر.

وبدا لبعض الوقت أن حزب المتعصبين قد كسب الجولة، فقد سكت المعارضون وأخذ الناس يرقصون «على الأقل على شاشات التليفزيون الحكومي» وأعلن المتعصبون عن خطتهم لإنشاء معبد القوة عند موقع التفجير وأعلنوا عن جلب الرمال من الموقع لعرضها على المواطنين في كل أنحاء الهند إلخ وهي خطوات غوغائية مماثلة لما كان المتعصبون يقومون بها لإثارة الغوغاء خلال حركتهم لهدم المسجد البابري. 

وانكشف زعماء حزب المتعصبين وظهرت طفولتهم السياسية وعدم صلاحيتهم لقيادة بلد عظيم حين بدأ كبارهم يدلون بتصريحات بمثابة إعلان حرب على باكستان، وكان وزير الدفاع جورج فرنانديز. زعيم أحد الأحزاب المتحالفة مع حزب المتعصبين قد أغضب الصين بالفعل عندما ظل يردد قبيل الانفجار أنها أنشأت مطارين للطائرات العمودية في الأراضي الهندية وأنها أكبر خطر على الهند أما زعيم حزب المتعصبين «زدواني»  وزير الداخلية الذي يعتبر الحاكم الفعلي للهند الآن- فصرح يوم ١٨ مايو على باكستان أن تدرك الحقيقة الإستراتيجية الجديدة الآن وكرر في نفس اليوم: «أن خطوة الهند الحاسمة بالتحول إلى قوة نووية قد أحدثت تغييرًا نوعيًّا في العلاقات الهندية الباكستانية وخصوصًا فيما يتعلق بكشمير»  أما زميله مادان لال خورانا وزير الشؤون البرلمانية، فكان صريحًا جدًا في – استعداء باكستان فقد قال يوم ١٩ مايو وإن كانت باكستان ترغب في الحرب فعليها أن تخبر الهند بالمكان والموعد وورد في أحد عناوين العدد الذي تزامن مع التفجيرات من صحيفة المتعصبين «أورغانیزار» «عدد ۱۷»: «جاء الوقت لتدجين بكستان»  «Time to tame Pakistan ».

تبخر الأوهام!

وقد تبخر كل هذا في لحظات حين أذيع خبر التفجير الباكستاني فأسقط في أيدي المتعصبين. واختفت الابتسامات العريضة وسكنت الألسن – الطويلة المتطاولة لأن الرد الباكستاني قد بدد أوهام المتعصبين بإمكانية فرض هيمنتهم بواسطة الابتزاز النووي وبدأ الناس والمعارضون يقولون جهرًا الحكومة الحالية هي التي دفعت بباكستان إلى التفجير النووي وأنها هي التي دفعت المنطقة إلى سباق التسلح بصورة لم يسبق لها مثيل..

وهكذا خابت آمال المتعصبين بسرعة.. ولم يتوقف الأمر عند حد الخيبة السياسية على أم الصعيد المحلي، بل أدى التفجير إلى نتائج عكسية. 

على الصعيد الدولي، ولا تقتصر هذه النتائج على القيود الاقتصادية التي تتعرض لها الهند وباكستان معًا، نتيجة خروجهما على إجماع دولي تفرضه الولايات المتحدة، بل قد أدى كذلك إلى تدويل القضية الكشميرية بعد أن ظلت تعتبر مشكلة «ثنائية»  بين البلدين منذ سنة ١٩٧٢م نتيجة معاهدة شيملا، فقد عادت القضية الكشميرية إلى بيانات الدول الكبرى وإلى الأمم المتحدة، وهي كلها ترى أن هذه القضية لم تحل بعد وأنها هي التي يمكن أن تقود الهند وباكستان إلى الحرب وبالتالي لابد من حلها، وتبذل الهند من جانبها جهودًا مكثفة لتحول دون تدويل القضية الكشميرية، وقد رفضت استقبال وفد للأمم المتحدة أرسله أمينها العام لتقصِّي الحقائق ومحاولة بذل جهود دولية لحلها، وقد رفضت الهند عدة عروض بالوساطة بين الهند وباكستان.

القضية الكشميرية:

وهذه النتيجة -إيقاظ القضية الكشميرية وإعادتها إلى جدول الأعمال الدولي – هي أسوأ نتيجة يمكن أن تتمخض عن التفجيرات النووية الهندية فقد ظن زعماء حزب المتعصبين -كما هو واضح من بيان أدواني الآنف الذكر- أن التفجير النووي سيحسم الوضع الصالح الهند وسينهي المطالبة الباكستانية بحل المشكلة الكشميرية باعتبارها العائق الوحيد دون قيام علاقات جوار معتادة بين الدولتين.

وبما أن حزب المتعصبين قد أيقن الآن من نهاية حكومته -التي يرى المراقبون هذا أنها لن تدوم أكثر من بضعة أشهر أخرى- فقد بدأ يثير من جديد قضية بناء المعبد الهندوسي فوق بقعة المسجد البابري وبضرورة تشييده فورًا وبدون أي تأخير، وقال زعماء المتعصبين من أمثال أشوك سينغال رئيس المنظمة الهندوسية العالمية إن الهندوس لا يسعهم الانتظار أكثر من هذا وإنهم لن يراعوا حكم المحكمة لو جاء مخالفًا لمطالبهم وإن رجال الدين الهندوس سيقومون بتجريم القضاة الذين سيصدرون حكمًا معارضًا للهندوس، وقال راجو بهيا رئيس منظمة راشتريا سيواك سانغ؛ التي تعتبر رأس الأخطبوط الهندوسي- إن المعبد سيتم بناؤه مهما كان الثمن إلخ ... وهذا يشير من جهة إلى ما هو معروف من أن القضية الهندوسية أمام المحكمة ضعيفة وهشة للغاية وقد هدموا المسجد أصلًا بسبب إدراكهم الضعف القانوني في قضيتهم وذلك لفرض الأمر الواقع، وهو من جهة أخرى يشير إلى أن حكومة المتعصبين بدأت تحسب الحساب لفترة ما بعد السقوط وعندما يقع هذا السقوط سيدعي المتعصبون أنهم سقطوا نتيجة دفاعهم عن قضايا الهندوس وخصوصًا بسبب دعوتهم لبناء المعبد فوق بقعة البابري ويدخلون الانتخابات النيابية بالتالي رافعين شعار بناء المعبد إنهم يعلنون أنهم سيمررون قانونًا عبر البرلمان لبناء المعبد وأن قرار المحكمة إذا جاء مؤيدًا للمسلمين فلن يحسم إلا قضية ملكية الأرض أما بناء المعبد فوق تلك الأرض فهو من حق الهندوس بدون نقاش.

الرابط المختصر :