العنوان بين الصدام والحوار: الحضارات في عصر العولمة
الكاتب محمد ناصري
تاريخ النشر السبت 17-مارس-2001
مشاهدات 61
نشر في العدد 1442
نشر في الصفحة 44
السبت 17-مارس-2001
- خبراء الاقتصاد: التجارة المستقبلية ستتركز على مجالات التقنية المعلوماتية وصناعة البرمجيات المعتمدة على العلم أكثر مما تتكئ على رؤوس الأموال.
- جري بيكر: المتخصصون المهرة يمثلون أهم عوامل التطور.. وأفضل استثمار هو في قطاع تدريب الكفاءات ذات الابتكار.
- مستقبل البشرية حافل بالأخطار التي تؤدي إلى حرب عالمية ثالثة، ويجب على المسلمين إعداد القوة لذلك، والتعرف في الوقت نفسه على مبادئ الحوار البديل للصدام.
محمد ناصري
اختير عام ٢٠٠١ م عامًا لحوار الحضارات، تلك التي تقترب نحو الصدام كلما قلت المسافات الجغرافية بينها.. حيث الشعوب الضعيفة هي الضحية الأولى لهذا الصراع والمعرضة لذوبان الهوية، إلا إذا بادرت بالحصول على أداة دفع تضمن بها بقاءها، وتواكب عصره، وتتقن في الوقت نفسه لغة الحوار.
تعدد الحضارات: منذ أن انتشر الإنسان على وجه الأرض، وذهب مذاهب شتى، أخذت تتعدد الحضارات، بل تنافرت بعد أن ضلت طريقها وخرجت عن منهج الله القويم.. وتلونت بطبيعة الحال الثقافات، تصادمت تارة نتيجة تضارب المصالح، وعاشت بعضها بجوار البعض بسلام في أحيان أخرى. وقد أشير إلى صدام الحضارتين الفارسية والرومية في القرآن الكريم، إلا أنه لم تكن التصادمات في قديم الزمن كثيرة كمًا وكيفًا، لأسباب أهمها اتساع المسافات الجغرافية بين البلدان، وندرة الاصطكاك بين الشعوب.
ثم تحول العالم إلى قرية صغيرة وتقاربت أكنافه منذ مطلع القرن العشرين بفضل اختراع وسائل اتصالات حديثة كالطائرة والهاتف والمذياع والتلفاز وغيرها. ومع ذلك بقي شيء كبير من الحواجز المصطنعة بين الشعوب، مما ضمن الاستقلال لكثير من الشعوب، فضلًا عن وجود معسكرات فكرية عالمية متضارية كالشيوعية والرأسمالية خلقت أقطابًا استنجد بها شطر من الضعفاء للحفاظ على هويته.
بيد أن عصر الثورة المعلوماتية الذي حل في عقد الثمانينيات، غيّر كل هذه المعايير؛ حيث اتسعت دائرة الاتصال بين الشعوب المختلفة.. وذلك بظهور الفضائيات؛ لتفسح المجال للتأثير والتأثر إيجابًا وسلبًا في أكثر من إطار، ثم انهار الاتحاد السوفييتي الذي أدى غيابه إلى افتقاد التوازن السياسي الدولي لصالح المعسكر الرأسمالي، وإفساح المجال للغرب لفرض ثقافته عمليًّا على الشعوب الأخرى عنوة. وظهر دور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ليأخذا في التحكم على مصائر الدول المقترضة سياسيًّا واقتصاديًّا وحتى ثقافيًّا، ثم ظهرت منظمة التجارة الحرة؛ ما أتاح الفرصة للدول المستكبرة للهيمنة على الدول المستضعفة، وأخيرًاً ظهرت شبكة الإنترنت العالمية فاخترقت الحواجز الثقافية والأمنية والتجارية والمعلوماتية كافة، وحلت ظاهرة «العولمة» الشاملة، فحصل في آخر المطاف احتكاك غير مسبوق بين الحضارات المتضاربة.
دواعي التصادم
أولًا- دوافع حضارية:
تنبأ «صموئيل هينتنجتون» السياسي الأمريكي المعروف وأستاذ العلاقات الدولية، وطارح نظرية «تصادم الحضارات» في مقاله في صيف (۱۹۹۳م) باندلاع صراعات مستقبلية سوف تتركز على معايير ودوافع ثقافية وحضارية، وأن الصراع على وجه التحديد سيكون بين الحضارة الغربية من ناحية، وتحالف إسلامي- كونفوشي من ناحية أخرى؛ وأيضًا بين الحضارة الغربية ومجموعة الحضارات الأخرى الهندوسية، والبوذية، واليابانية، وحضارة أمريكا اللاتينية؛ أي أن المستقبل سيشهد مواجهة بين الغرب وبقية العالم. وبذلك تكهن أن العالم سيتوجه نحو التقسيم إلى ثمانية أقطاب رئيسة: الصين، واليابان وشبه القارة الهندية، والعالم الإسلامي، والغرب- المتمثل في أوروبا وأمريكا الشمالية- وروسيا، وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وأوضح هانتنجتون أن أحسن نموذج للتصادم بين الثقافات هو التصادم بين الإسلام والغرب.
وبعد ثلاث سنوات من مقالته الشهيرة أصدر هاينتنجتون كتابًا بعنوان: «صراع الحضارات: إعادة صنع النظام الدولي» انتهى فيه إلى القول: إن صدام الحضارات هو الخطر الأكثر تهديدًا للسلام العالمي، وأن الضمان الأكيد ضد حرب عالمية هو نظام عالمي يقوم على الحضارات. وأدخل في إطار «الحضارة» الآداب والتقاليد، والديانة والثقافة، وركز على دور المذهب بهذا الصدد.
ثانيًا- دوافع اقتصادية:
ویرى هاينتنجتون أن العامل الثاني للتصادم هو: الدوافع الاقتصادية؛ نتيجة النقص في الموارد الغذائية، وكثرة السكان، والاضطراب السكاني، وتضارب المصالح الاقتصادية، وحول ملكية المعادن، ومصادر المياه والبحار؛ بصورة أشد فتكًا وشراسة.. وبالطبع تناسى أن يذكر ظلم الإنسان لأخيه كعنصر جوهري في النقص في الموارد الغذائية. وذكر أن زمام الاقتصاد سيفلت بمرور الوقت من أطر البلاد والقوميات، ليستقر بأيدي الشركات المتعدية الجنسية. وهكذا تفاقمت أسباب الصدام، في زمن تساعد التقنية المتطورة في تقليل المسافات بين الحضارات المتضاربة المتنافرة، في عصر العولمة...
ظاهرة العولمة
وبرغم أن كثيرًا من الشعوب لا يرحب بنظرية «العولمة»، ويعتبرها لعنة الحضارة الحديثة، وهم على جانب كبير من الحق ولا سيما فيما يتعلق بــ «عولمة الثقافة».. إلا أن خبراء الاقتصاد يرون أن «عولمة الاقتصاد» من متطلبات الاقتصاد الحديث، الأمر الذي لا مفر منه، إذ البقاء- حسب أحدث النظريات الاقتصادية- للشركات التي تخرج من الإطار الوطني لتمر بمرحلة الإطار الإقليمي، ثم لتدخل الإطار الدولي، فتوسيع إطار السوق يعني تخفيض الأسعار، وجذب الاستثمارات، والتمكن من استخدام المبتكرين والموهوبين في مجال الاقتصاد.
ولنا في الاتحاد الأوروبي، ومنظمة «أسيان» في جنوب شرق آسيا، و«إيكو» في بلاد جنوب ووسط آسيا، ومنظمات اقتصادية أخرى في أمريكا اللاتينية.. أمثلة لشراكات إقليمية تعمل خارج نطاق البلد الواحد.
وقد أجريت دراسات على خمسة وعشرين ألف شركة عالمية في غضون (١٩٩٦م) إلى (۱۹۹۹م) اختيرت من بينها «مائتا» شركة نالت وسام «أحسن الشركات»، على خلفية التطورات التي حصلت بها، وعلى أساس الزيادة في المكسب المادي بنسبة ثلاثة عشر ضعفًا أكثر من نظيراتها من بين سائر الشركات وزيادة عشرة أضعاف في مجال إيجاد فرص الوظائف، وزيادة تسعة أضعاف في مجال ارتفاع أسعار الأسهم. وأوضحت الدراسات أن مبادرة هذه الشركات لشراء الشركات الصغيرة أو الاندماج معها، بهدف التمكن من التنافس، كانت أحد أهم عناصر نجاحها. وأوضحت الدراسات أيضًا أنه لا توجد شركة آسيوية بين هذه الشركات المائتين، وقد احتلت الشركات الأمريكية رأس القائمة، تليها الشركات الأوروبية، وكان أهم أسباب نجاح الشركات الأمريكية وجود قوانين وفرت مناخًا ثقافيًّا، واقتصاديًّا ملائمًا لهذا التطور الاقتصادي، بالإضافة إلى استخدامها بصورة موسعة جدًا شبكة الإنترنت لتسهيل نشاطاتها التجارية.
الكفاءات: المستهدف الأول
ويرى خبراء الاقتصاد أن التجارة المستقبلية الدولية ستتركز على مجالات التقنية المعلوماتية، وتجارة الخدمات، وصناعة وتصدير البرمجيات، تلك التي تعتمد على العلم والتقنية أكثر مما تتكئ على رؤوس الأموال. ومن هذا المنطلق فالأدمغة وأصحاب الكفاءات العلمية التي تدير هذه التجارات تعتبر رؤوس أموال غالية.
وقد تنزح الأدمغة بالملايين من العالم الثالث الدوافع متعددة اقتصادية، واجتماعية، وسياسية، متجهة إلى البلاد الغربية.. لتكون بذلك ضحايا العولمة بصورة حادة. ويواكب ذلك قيام الدول الكبرى بجذب ذوي الكفاءات من العالم الثالث، وعلى رأس قائمة هذه الدول الولايات المتحدة، وقد قام الكونجرس الأمريكي مؤخرًا بإعداد لائحة قانونية تسمح للشركات التي تعمل في مجال «التقنية المتطورة»، بإحضار ٦٠٠ ألف خبير في مجالات مختلفة إلى الولايات المتحدة خلال السنوات الثلاث المقبلة. وقد صوت مجلس النواب الأمريكي لصالح هذه اللائحة بعد إبداء الدكتور «جري بيكر»، الخبير الاقتصادي الأمريكي- الحائز على شهادة نويل في الاقتصاد- وجهة نظره بخصوص منافع عملية اجتذاب الأدمغة.
وقد قال الدكتور بيكر في مقاله: «... لم يعد تطور البلد رهين الآليات وتوافر السيولة والأرض؛ وإنما وجود أكبر عدد ممكن من المختصين المهرة والخبراء، الذين هم أحسن رأس مال في هذا العصر، وهو أهم عوامل التطور في عصر تقنية المعلومات المتطورة، وإن أنفع وأحسن استثمار هو الاستثمار في قطاع تدريب الخبراء والكفاءات ذات الاهتمام والابتكار والتجربة».
وفي هذا الصدد.. أنشئت مؤسسات أمريكية لدراسة سبل الاستفادة من الأدمغة الهاربة من دول العالم الثالث، فقد كتب «ريتشارد بو»، الخبير الأمريكي في شؤون روسيا كتابًا في ٣٠٥ صفحة، بعنوان: «كيف نستفيد من الخبراء الروس القادمين» يستفيد منه رؤساء الشركات الأمريكية المعنية كخير دليل. وكتب «بو» في كتابه يقول: «إن الذي قدم «إستفان باتشيكوف» اللاجئ الروسي في مجال التقنية المتطورة للولايات المتحدة قدم لنا خدمة كبيرة بالغة الأهمية، وإنه بعد عشرين عامًا من إنجازه عثرت الولايات المتحدة على تقنية عالية، ومن جرائها حصلت على مليارات الدولارات.
أهمية الحوار
وهكذا يتضح أن صدامات من أجل المصالح قادمة من شتى الجهات، وإن مستقبل البشر حافل بالأخطار التي قد تكون على صورة حرب عالمية ثالثة مدمرة. وإنه يجب على المسلمين- الذين لا يشكلون تكتلًا سياسيًّا أو اقتصاديًّا قويًّا، ويعانون من ظروف عسرة، ويواجهون تداعيات من الهوان وانتهاكات لحقوقهم في أكثر من مكان- عدم الإهمال في القيام بإعداد العدة من القوة العسكرية، والثقافية، والاقتصادية ما استطاعوا للمواجهة والدفاع عن كيانهم، وبجانب ذلك معرفة مبادئ الحوار كخيار بديل للصدام، ومن هذا المنطلق تتبلور أهمية الحوار.
يقول أحمد أبو حسن زرد- الباحث في الشؤون السياسية: «يشكل حوار الحضارات أحد الاهتمامات الإنسانية في عصر العولمة؛ حيث تعقد الندوات والمؤتمرات على المستويات المحلية والإقليمية والدولية كافة لاستشراف المستقبل بشأن هذه المسألة، والبحث بصفة أساسية عن القواسم المشتركة بين الحضارات الإنسانية؛ وذلك من أجل احتواء كل العوامل التي قد تفضي إلى حدوث صراع حضاري قد تكون له عواقبه الوخيمة على مسيرة التقدم الإنساني».
ویرى خبراء العلاقات الدولية الإسلامية أن التعاون والتفاهم والتعايش هي سمات أساسية للعلاقات الخارجية الإسلامية ليس هذا فحسب، بل إنه لا توجد صعوبات في العمل مع الأطراف الدولية كافة لتطوير قواعد القانون الدولي، ووضع أسس نظام دولي جديد أكثر عدلًا واستقرارًا يحظى بالقبول من الجميع.
اختيار خيار لغة الحوار لا يعني بالضرورة الشعور بالخذلان، والضعف فتاريخ المسلمين- وهم في قمة الهيمنة السياسية- حافل بالحوارات مع غيرهم، ففي ذروة الفتوحات الإسلامية (٦٣٢- ٧٥٠م) كانت هناك علاقات سلمية بين الدولة العباسية وبيزنطة، وحدثت صلات وثيقة بين «أكس لاشابيل» عاصمة «شارلمان» ملك الفرنج وبين بغداد عاصمة الرشيد.
وبعد انتهاء الحروب الصليبية أبرمت معاهدات الصداقة والتحالف بين السلطان المملوكي «الأشرف خلیل» سلطان مصر وسورية، و«دون جيم» ملك الأرجون التي نصت على أن يكون الأخير صديقًا للأشرف خليل وعدوًا لأعدائه، ثم توثقت العلاقات الدبلوماسية بين السلطان المملوكي وعدد من الدول الأوروبية.
موقف العالم من الحوار
حين طرح الرئيس الإيراني محمد خاتمي نظرية حوار الحضارات في سبتمبر عام ١٩٩٧م خلال كلمة ألقاها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، لقيت الفكرة إقبالًا، وعليه حدد عام ٢٠٠١م عام حوار الحضارات ليكون الحوار معيارًا للعلاقات الدولية.
يقول خاتمي عن وجهة نظره: «...إن نظرية حوار الثقافات ليست مجرد شعار فارغ عن المضمون، وإنما حاجة البشر الملحة.. يدل على ذلك إقبال الشعوب عليها، وإن الحوار يجب أن يحتل منعطفًا جديدًا في العلاقات الدولية...».
وقال «كوفي عنان» الأمين العام للأمم المتحدة في كلمته خلال افتتاح قمة الألفية بهذا الصدد، «من الممكن أن يحل الحوار محل الصدام والنزاع، وإنه- الحوار- لأحسن أداة أخلاقية ودينية»، وعين كوفي عنان «جياندو دومينكو بيكو»، مندوبًا خاصًا لمتابعة موضوع الحوار، وكلفه أن يتصل بالمثقفين من البلاد المختلفة لتحديد إطار يجب أن يحدث الحوار فيه؛ ليقدم لائحة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وقد بذلت إيران جهدًا كبيرًا في تكريس هذه الفكرة، منها- على سبيل المثال- انعقاد المؤتمر الثاني لحوار الحضارات الذي تم في طهران في نوفمبر الماضى بحضور ممثلين للحضارات الأربع القديمة: مصر، وإيران، واليونان، وإيطاليا «روما القديمة» التي بإمكانها لعب دور مهم في حل قضايا يعاني منها البشر، على رأسها قضية الفقر المدقع، والظلم الاجتماعي، وتهريب وإدمان المخدرات، والأزمات الأسرية والأخلاقية، والجرائم المنظمة وغير المنظمة، وتلوث البيئة، وعشرات من القضايا الأخرى ذات الصفة الدولية خارج إطار الحدود الجغرافية والعرقية والدينية، وضرورة استمرار حوار الحضارات، وقبول مبدأ تنوع واختلاف العادات والحضارات.
وكذلك أبدت منظمة المؤتمر الإسلامي اهتمامًا بهذا الشأن. فمنذ عام (۱۹۹۷م) تدعو المنظمة إلى إجراء حوار بين الإسلام والغرب، ونصت في ميثاقها على أن أحد أهدافها الأساسية هو إيجاد المناخ الملائم لتعزيز التعاون والتفاهم الدوليين، وأكدت «أن الحضارة الإسلامية تقوم بشكل ثابت عبر التاريخ على التعايش السلمي والتعاون والتفاهم المتبادل بين الحضارات، وكذلك على التحاور البناء مع الديانات والأفكار الأخرى».
أهداف الحوار
ولعل الرئيس الإيراني أراد بطرح نظرية الحوار إنجاز أهداف أهمها:
أولًا: إجراء الحوار بين المسلمين بمختلف حضاراتهم- قبل انعقاده مع غيرهم- بهدف التقريب بينهم. ونلاحظ أن فكرة تشكيل «سوق إسلامي مشترك»، وتعزيز السياحة بين الدول الإسلامية من أجل التقريب بين الأمة الإسلامية من حصيلة هذه المحاولة. وقد تبنت إيران شعار «السياحة ذريعة لإبلاغ رسالة السلام والتعرف على الثقافات» في مجلس وزراء السياحة لأعضاء المؤتمر الإسلامي في شهر أكتوبر الماضي، حيث يرى الخبراء أن السياح خير سفراء لبلادهم لحل المآزق الثقافية العالقة بين الشعوب المختلفة.
ثانيًّا: فتح باب الحوار مع الغرب، ومواجهة العولمة الثقافية والحضارية، بصورة إيجابية فاعلة وبناءة، ذلك تحاشيًّا لضغوط وابتزازات يمارسها الغرب على غيرهم من الشعوب بصورة مباشرة وغير مباشرة وبشتى الوسائل.
ثالثًا: الاعتراف بما أسماه خاتمی بــ «الديموقراطية العالمية»، تلك التي ترسخ مبدأ السيادة والإرادة الحرة لكل الشعوب، فمن ثمرات الحوار المرجوة الاعتقاد أن لكل شعب حقه في الاحتفاظ بثقافته المحلية، ذلك الذي يعتبر من صميم الديموقراطية، وهو ما تحبذه الشعوب. ويتساءل خاتمي: «إن الثقافات هي أداة التعارف والتفاهم، فكيف يحاول الغرب محوها؟»، ويضيف: «لماذا يركز على أبعاد التصادم ويجري تكبيرها بينما بوسعنا الحوار مستعينين بثقافاتنا.. وإن تعدد الثقافات لا يؤدي بالضرورة إلى التخاصم والتصادم...
ويعتقد خاتمي أن نظرية الحوار سوف تؤدي إلى تحسين العلاقات السائدة بين الشعوب، إذ في غياب ثقافة حوار الثقافات، تعطي البلاد التي تتمتع بقوة اقتصادية، وتفوق في مجال التقنية العسكرية لنفسها الحق في فرض إرادتها على الشعوب الأخرى. وإن نظرية الحوار تريد تعديل هذه القاعدة الجائرة، وهذا الأمر يخلف ديموقراطية دولية على غرار الديموقراطيات الموجودة على مستوى الشعوب والدول، فكما أن للأفراد في المجتمع حقوقًا متساوية، فهكذا الشعوب، وهذه الديموقراطية الدولية تتضمن رسالة السلام الدولي للعالم. وإذا ما اعترفنا بهذه القاعدة يكون الحوار- لا الصدام- أداة العلاقات بيننا. وعندئذ يستقر السلام الدائم، ويجب أن تساهم الشعوب والأمم كافة في ذلك.. وهنالك يمكن أن يسود السلام.....».
من يحاور؟
أولًا: صناع القرار من السياسيين الذين لهم دور كبير في تكليل فكرة الحوار بالنجاح.
ثانيًّا: علماء الدين: وبرغم أن العالم المعاصر يتأثر بنوع ما بالنظام المادي الغربي، إلا أن الغرب نفسه يعترف أنه لايزال للدين مكانته في قلوب الشعوب في حسم النزاعات الدولية، ومن هذا المنطلق فقد قامت الأمم المتحدة بإنشاء مجلس استشاري للأديان؛ لإعطاء النصح والكلمة حول دور الدين في تحقيق رسالة السلام.
ثالثًا: المثقفون: إن حوار الحضارات أو الثقافات يعني حوار المثقفين قبل غيرهم، وتقوم نظرية الحوار على أرضية عدم حصر الشؤون العالمية بأيدي السياسيين، وإنما هناك دور للمثقفين والجامعيين والصحفيين وأصحاب الفنون الأخرى يجب أن يلعبوه، وأن يشاركوا في تشييد جسر العلاقات بين الشعوب.
لكن هل أفسح المجال عمليًّا للمثقفين ليقوموا بلعب أدوارهم؟
نلاحظ ترحيب الكتاب والمثقفين بالحوار، بيد أنهم يعجزون عمليًّا عن شق طريقهم إلى لعب دور؛ نظرًا لأن ما أفسدته السياسة ليس باليسير، من ذلك إبعاد المثقفين عن ساحة صناعة القرار. ويعتقد المثقفون أن الجانب السياسي لا البعد الثقافي له دور أكبر في منع الحوار، ومن هذا المنطلق، ولكي يتمكن المثقفون من القيام بمهمتهم يجب توفير إمكانات معنية لهم. ويكاد يتفق السياسيون أنفسهم ألا معنى لحوار الحضارات والثقافات دون مشاركة المثقفين.
رابعًا: أصحاب الفنون الأخرى: وتشير الدراسات إلى أن أصحاب الفنون الأخرى لا يزالون بمعزل عن لعب دور في حقل تبادل الثقافات.
ويقول «محسن دامادي» كاتب الأفلام الإيراني: «إن الفنون تقارب بين الشعوب، حيث إن الثقافة والفن هما اللذان يهيئان مناخ السلام بين الشعوب. بيد أن بحث حوار الحضارات يصطبغ بصبغة سياسية أكثر منها ثقافية. ومن هذا المنطلق يمكن أن تتكلل نشاطات الحوار بالنجاح إذا ما خرجت من صبغتها السياسية».
ويبقى التساؤل بشأن ما مدى جدوى التحاور؟ يرى الخبراء أن من مبادئ التحاور التفاهم السلمي، لا فرض القيم أو غزو المعتقدات، وأنه لن ينفع الحوار بين الطرفين- الشرق والغرب- إلا في وضع يكون فيه كلا الجانبين المتحاورين متساويين.
في ظل هذا المناخ يصبح تبادل قيم الحضارات بين الشعوب ممكنًا، فلكي يستطيع المسلمون أن يقوموا بحوار إيجابي، يجب أن يكونوا متساوين مع منافسيهم، ويشكلوا تكتلًا إسلاميًّا موحدًا. وبعبارة أخرى يجب أن تتحقق مكملات الحوار، فليس معنى قبول مبدأ الحوار التقليل من أهمية الإعداد الشامل عسكريًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا، وإهمال أخطار الأعداء؛ إذ يجب أن تستعد الأمة الإسلامية لمواجهة ظاهرة العولمة الثقافية التي تفرض تأثيرها على الشعوب، كما يجب تربية الأجيال لتكون مستعدة لمواجهة الثقافات الغربية، ولا سيما الأمريكية بصورة فاعلة وإيجابية.
وما لم يدرك المسلمون أن عليهم أن يسلكوا سبيل الوحدة الإسلامية، فلن يكون لديهم أي أمل بالاستقلال السياسي، وسيكونون أيضًا تابعين اقتصاديًّا، وسيبقون تحت سيف هيمنة القوى الخارجية الكبرى.
وعلى صعيد آخر لا يجب التهويل من الهيمنة العسكرية الأمريكية، وقوتها الاقتصادية بالشكل الذي يثبط عزيمة المسلمين. يقول أسعد صفر أستاذ الفلسفة السوري: «.... التاريخ يعلمنا أن الهيمنة لا تستطيع أن تستمر؛ لأنها تخلق دائمًا القلق والثورات والتمرد، ذلك إن الاقتصاد الأمريكي يجد صعوبة كبيرة في التناسب مع هذه القوة العسكرية الهائلة للسيطرة على العالم، فضلًا عن وجود مشكلات كثيرة داخل المجتمع الأمريكي، ومنها مشكلة الصراع العرقي الذي لا يبدو الآن ظاهرًا بشكل كبير، ولكنه بين الحين والآخر يعبر عن نفسه بأشکال شديدة العنف والقسوة. فلن يمكن القول إن هذا النظام يحمل في طياته تحديات كبيرة سوف تعيد إلى العالم نوعًا من توازن القوى، وإن المستقبل سيكشف هذا.. قد يكون تحالفًا أوروبيًّا– آسيويًّا، أو تحالفًا أوروبيًّا متوسطيًّا.
العولمة تشهد تحديات كبيرة في أوروبا، وفي اليابان، وفي قلب الولايات المتحدة نفسها، علاوة على العالم الثالث الذي يشكل الجزء الأكبر من البشرية، فلا نستطع أن نهمل أو نتجاهل هذه الدول التي لن تبقى خائفة أو مجرد كم مهمل أمام الهيمنة الأمريكية.
وإذا ما آمن المسلمون أن المستقبل للإسلام، وأخذوا حذرهم وأعدوا عدتهم- الأمر الذي يعتبر بمثابة عنصر مكمل للحوار- عندئذ يثمر التحاور، وتحتل الأمة الإسلامية مكانة سامية بين الأمم في عصر العولمة بإذن الله تعالى».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل