; بين حرمة الموتى وكرامة الأحياء | مجلة المجتمع

العنوان بين حرمة الموتى وكرامة الأحياء

الكاتب عبدالمنعم سليم جبارة

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1999

مشاهدات 67

نشر في العدد 1365

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 31-أغسطس-1999

علماؤنا الأجلاء انشغلوا وشغلوا أنفسهم لفترة طويلة بقضية اعتقد أنها غاية في الأهمية والخطورة، ألا وهي حرمة وكرامة الموتى، وكان ذلك في إطار مدى شرعية أو عدم شرعية نقل أعضاء وأجزاء من الموتى للمرضى من الأحياء المحتاجين لهذه الأجزاء والأعضاء لضمان استمرارهم في الحياة وأدائهم لأدوارهم وواجباتهم فيها، فريق من علمائنا رأى أن نقل هذه الأجزاء والأعضاء إنما يمثل عدوانًا وانتهاكًا لحرمة وكرامة موتانا الذين أوصانا إسلامنا الحنيف باحترامها والحفاظ عليها، ولعل ذلك يتمثل في العديد من السنن العملية والقولية التي أكدت وركزت على أسلوب رفيع .. للتعامل مع الإنسان ساعة الاحتضار وفي حالة مفارقة الروح للجسد وصعودها لباريها، ثم في مرحلة إسباغ غسله وطهارته، حتى مرحلة توديعه ودفنه.

فريق آخر يرى أن نقل هذه الأجزاء والأعضاء لتوفير أسباب الحياة لفريق من الأحياء هم في حاجة إليها، لا يشكل عدوانًا على كرامة وحرمة الأموات، ولكن يمثل اتساع آفاق الأخوة والترابط والتراحم، والتواصل بين الأحياء والأموات لتستمر مسيرة المجتمع المسلم نحو أهدافها وغاياتها العظيمة والنبيلة من أجل سعادة وسلام وتقدم البشرية.

 وإذا كان كل فريق قد استعان في دعم رأيه بالعديد من الأدلة الشرعية، إلا أن القضية بجواز ذلك طرحت على ساحة المؤيدين أو ساحة الرافضين العديد من الأمثلة على مدى سماحة الإسلام ورحابة أجواء حرية الرأي مجتمعة، ومدى أهمية الحوار كأسلوب حضاري يصل المتحاورون عبره إلى الحقيقة أو الرأي الصائب، أيضًا طرحت القضية قبل ذلك أو إضافة إلى ذلك أكثر من مثال على الرحمة في الاختلاف الفقهي، من أجل المواجهة الموضوعية والتعامل الملائم مع قضايا ومشكلات العصر، بما يحقق المصلحة، ويؤكد ويركز على كرامة وحرمة الإنسان الذي سخر الله الكون من أجله، ليضرب في أرجائه بما ينفع ويفيد، ويدفع إلى التقدم والرقي.

إلا أنه بمقدار ما أسعدني وجذبني انحياز علمائنا إلى كرامة وحرمة الأموات والدفاع عنهما، بمقدار ما روعني وأفزعني خبر قرأته في عمود في أعمدة إحدى الصحف المصرية مؤخراً حول انتهاك حرمة وكرامة الأحياء، إلى حد استخدام أدوات الصعق الكهربائي في سحق وصعق مجموعة من المعتقلين الشبان في مصر، جرى اعتقالهم في قضايا للفكر والرأي.

 لقد تساءلت ومازلت أتساءل عن غياب دور علمائنا الذين نجلهم ونحترمهم في الدفاع عن كرامة وحرمة الأحياء، ولماذا لا يوازي - إن لم يسبق - انحياز علمائنا لكرامة الأحياء انحيازهم لكرامة الأموات؟

وإذا كان هناك خلاف قد نشب ومازال - كما أحسب ناشبًا حول اقتطاع أجزاء أو أعضاء من أجساد الموتى، من أجل استمرار ومواصلة الأحياء المرضى في أداء رسالتهم، فلا أحسب أن هناك خلافاً يمكن أن ينشب حول تعذيب الأحياء في قضايا الفكر والمعتقد لاقتلاع الأفكار من الأذهان، أو اقتلاع الإيمان والأفكار والمعتقدات من القلوب.

إن علماءنا الذين نجلهم ونحترمهم هم خير من يدرك ويعرف أن الإسلام هو العقيدة في القلوب، والشريعة التي تضبط الجوارح والسلوك والتصريحات والعلاقات ونظام الحياة الذي يوفر السعادة وراحة النفس وطمأنينة القلب وحيوية الضمير ويؤكد على العدالة والمساواة، ويرسخ علاقات الأخوة والتراحم إنما نزل من رب السماوات والأرض، ليؤكد كل ما فيه صالح ونفع الإنسان، وعزته وكرامته في الدنيا والآخرة، والحق تبارك وتعالى في محكم قرآنه ينبه الأذهان، ويرشد القلوب والأبصار إلى هذه الحقيقة، وهو يخاطب البشرية: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء:70)، وهي حقيقة غابت عن أذهان البسطاء أو الجهلاء أو الطغاة والجبابرة، أو الغافلين أو أصحاب القلوب المتحجرة، فإنه لا تغيب عن أذهان أو قلوب علماء أجلاء لم يدخروا جهداً في الدفاع عن كرامة أو حرمة الأموات.

إنه من الخطأ الجسيم أن يظن أناس أن التعذيب هو الوسيلة الناجحة أو الفاعلة لتغيير أو تبديل أو نبذ الفكر، أو الكف عن الحركة أو القعود عن الترويج لفكر أو معتقد.

بل إن التعذيب كفيل بتحول أو تحويل الفكر المريض أو المنحرف إلى معتقد، يصير بدوره قضية يجند صاحبها كافة طاقاته وإمكاناته للدفاع عنها وتحمل شتى أشكال القهر والعنت من أجل الدعوة إليها، مع الشعور بالسعادة البالغة في التضحية من أجلها.

وتعذيب أصحاب الفكر والرأي والمعتقد، في حالة غياب الصبر الجميل، والاحتساب عند الله عز وجل، لا يمكن أن ينبت سوى بذور الحقد والكراهية، بل وفقدان الانتماء، وبالطبع يهيئ الفرصة أمام التطرف والعنف لزعزعة أمن الناس وسلامهم.

إن الإسلام الذي أكد كرامة الإنسان وعزته، أكد حرية الإنسان وأمنه حين جعلهما أمرًا فطريًا لا يجوز الاعتداء عليه أو الانتقاص منه، كما أكد حريته في التعبير وإبداء الرأي، وأيضًا أكد الحوار سبيلًا لطرح الفكر، أو معالجة الفكر، أو تصحيح الأفكار والمعتقدات، وواجب علمائنا الأفاضل الذين انحازوا لكرامة وحرمة الموت أن يتصدوا لقضية امتهان الأحياء، وأن ينحازوا لحق الإنسان في الحرية والأمن، وأن يؤكدوا على الحوار سبيلًا لطرح الفكر والرأي، أو التصدي للفكر.

ولست أشك لحظة أن علماءنا الذين تقشعر جلودهم لنقل عين أحد الموتى لزرعها مكان عين لا ترى في وجه إنسان حي، إنما ترتجف أوصالهم وتقشعر جلودهم أكثر وأكثر لصعق شاب جرى اعتقاله بسبب رأيه أو فكره.

إن تعذيب أصحاب الرأي والفكر الذين يلتزمون كافة السبل المشروعة في طرح الرأي والفكر، إنما هو سبيل العاجزين الذين يفتقدون الحجة والدليل، وهو علامة على غياب الوعي الصحيح في زمن يزحف علينا فيه! العديد من الأفكار والنظريات والعادات والتقاليد والثقافات والحضارات الهدامة التي تهدد وجود الجميع، فهل من وقفة على كافة المستويات لتعديل المسارات وتصحيح المفاهيم والتزام الصحيح من السبل والمسالك؟

وهل من لفتة من علمائنا المنحازين لكرامة الإنسان «الميت» يعلنون فيها انحيازهم أكثر وأكثر لكرامة وحرمة الإنسان الحي؟.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 128

476

الثلاثاء 05-ديسمبر-1972

ما يجوز الخلاف فيه.. وما لا يجوز

نشر في العدد 2107

2561

الاثنين 01-مايو-2017

حكم حصار غزة أو المشاركة فيه

نشر في العدد 1214

427

الثلاثاء 27-أغسطس-1996

قواعد التربية الجنسية للطفل