العنوان فكر وثقافة: 2019
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 15-سبتمبر-2012
مشاهدات 41
نشر في العدد 2019
نشر في الصفحة 42
السبت 15-سبتمبر-2012
بين علم النحو وعلوم الشريعة.. مدخل تمهيدي
رمضان فوزي بديني
تعد علوم العربية - وعلى رأسها علم النحو - من العلوم المهمة والفاتحة لفهم النصوص الدينية؛ حيث إن اختلاف دلالات الألفاظ وتراكيب الجمل واختلاف أواخر الكلمات.. كل هذا يؤدي إلى توالد معان ودلالات متنوعة، يتوقف عليها فهم النصوص الدينية؛ ولذلك فالعلم بالعربية وأسرارها شرط أساسي من شروط الاجتهاد في علوم الشريعة، كما أنه مهم بالدرجة نفسها في فهم كل العلوم العربية.
لكن علوم العربية ليست كلها سواء في أهميتها حيث يرى ابن خلدون أنها تتفاوت في التأكيد بتفاوت مراتبها في التوفية بمقصود الكلام، وبناء على ذلك فإن علم النحو يعد هو العلم الأكثر أهمية بين هذه العلوم؛ «إذ به يتبين أصول المقاصد بالدلالة فيعرف الفاعل من المفعول، والمبتدأ من الخبر ولولاه لجهل أصل الإفادة» «انظر: المقدمة لابن خلدون ۱۱۲۸/۳»
ونظرًا لتشعب الموضوع وتفرعه سأقتصر في هذه السلسلة على علاقة علم النحو ببعض علوم الشريعة.
علم النحو.. تعريفه وأهميته: تعددت تعريفات علم النحو، وهي كلها تدور في فلك متقارب؛ حيث عرفه الجرجاني بأنه «علم بقوانين يعرف بها أحوال التراكيب العربية من الإعراب والبناء وغيرها.
وقيل: علم بأصول يعرف بها صحيح الكلام وفساده» «التعريفات للجرجاني: ٢٥٩، ٢٦٠»
وعرفه ابن حزم بأنه «معرفة تنقل هجاء اللفظ، وتنقل حركاته الذي يدل كل ذلك على اختلاف المعاني» «مراتب العلوم ٦٦/٤»، وعرفه في سياق آخر بأنه «علم اختلاف الحركات الواقعة لاختلاف المعاني» «الإحكام: ١٢٦/٥».
بناء على التعريفات السابقة، فإن علم النحو هو قوانين وأصول لإفهام المعنى وتوصيله للمستقبل دون لبس أو إبهام ومن هنا يأتي تعريف الإعراب - الذي يعد الوظيفة الأولى لعلم النحو - بأنه «الإبانة عن المعاني بالألفاظ، ألا ترى أنك إذا سمعت« أكرم سعيد أباه»، و«شكر سعيدًا أبوه»: علمت برفع أحدهما ونصب الآخر - الفاعل من المفعول، ولو كان الكلام شرحًا واحدًا لاستبهم أحدهما من صاحبه» «الخصائص لابن جني: ٣٥/١» فالإعراب فرع المعنى واختلاف الإعراب وتعدد أوجهه دليل تعدد المعاني وتوالدها في الجملة الواحدة يقول ابن جني: «ألا ترى أن موضوع الإعراب - على مخالفة بعضه من حيث كان - إنما جيء به دالًا على اختلاف المعاني» «الخصائص: ٣٥/١»
وجعل السكاكي الإعراب مرتبطًا في كل وجوهه بالمعنى وتعدده حيث يقول: «إن كل واحد من وجوه الإعراب دال على معنى كما تشهد لذلك قوانين علم النحو» «مفتاح العلوم ٢٥١».
ونظرًا للعلاقة الوثيقة بين الإعراب والمعنى يؤكد ابن هشام أهمية مراعاة المعرب للمعنى، وحذر من أن يطغى الاهتمام بالصنعة وظاهرها على المعنى ودلالات الجمل، وجعل ذلك مزلة للأقدام حيث ذكر أنه من الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها أن يراعي ما يقتضيه ظاهر الصناعة، ولا يراعي المعنى؛ إذ كثيرًا ما تزل الأقدام بسبب ذلك، وذكر أن أول واجب على المعرب أن يفهم معنى ما يعربه، مفردًا أو مركبًا؛ ولهذا لا يجوز إعراب فواتح السور على القول بأنها من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه «مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام الأنصاري: ٦٨٤». وساق عدة أمثلة مما يمكن أن يحدث فيه فساد في المعنى متى ما بني فيه الإعراب على ظاهر اللفظ فقط، أكتفي منها بما ذكره حول الاضطراب الذي يمكن أن يحدث في فهم قول الله تعالى: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ (هود: ۸۷)؛ حيث قال: «فإنه يتبادر إلى الذهن عطف أن نفعل» على «أن نترك»، وذلك باطل لأنه لم يأمرهم أن يفعلوا في أموالهم ما يشاؤون وإنما هو عطف على «ما»؛ فهو معمول للترك والمعنى أن نترك أن نفعل... فالعطف على أن نترك»، وموجب الوهم المذكور أن المعرب يرى« أن» والفعل مرتين وبينهما حرف العطف» «مغني اللبيب: ٦٨٦».
ويذكر ابن حزم أن الهدف من نشأة علم النحو - في الأصل - كان رفع الإشكال في فهم العلوم المختلفة وهو ما يوضح علاقة علم النحو بالعلوم الأخرى خاصة علوم الشريعة حيث يقول: «لما فشا جهل الناس باختلاف الحركات التي باختلافها اختلفت المعاني في اللغة العربية وضع العلماء كتب النحو، فرفعوا إشكالًا عظيمًا وكان ذلك معينًا على الفهم لكلام الله عز وجل، وكلام نبيه ﷺ ، وكان من جهل ذلك ناقص الفهم عن ربه تعالى فكان هذا من فعل العلماء حسنًا وموجبًا لهم أجرًا «رسائل ابن حزم: ٩٤/٤ ٩٥».
تقريظ عباس محمود العقاد
صاحب «المنار» «رشيد رضا»
كتب: فؤاد رضا[1]
قال بعد مقدمة فيما قرأه من المباحث الدينية واصفًا صاحب «المنار»: «ومزيته على الكتاب الدينيين في العصر الحاضر أنه خلا من الجمود الذي يصرفهم عن لباب الفقه إلى قشوره وسلم من تلك العفونات النفسية التي تعيب أخلاقهم وتشوه مقاصدهم، فهو أدنى إلى الصواب وأنأى عن العوج وسوء النية».
ثم قال: «وكتاب «الوحي المحمدي» الذي أظهره صاحب «المنار» في الأشهر الأخيرة هو من أفضل ما كتب في مباحثه الدينية توخى فيه كما قال: «أن يكون أمضى مدية لقطع بها السنة الطاعنين في الإسلام من دعاة الأديان الأخرى».. وأراد به أن يكون كتابًا يصلح الدعوة شعوب المدنية الحاضرة إلى الإسلام ببيان البراهين العقلية والتاريخية، على كون القرآن وحيًا من الله تعالى لا وحيًا نفسيًا نابعًا من استعداد محمد ﷺ، كما يزعم بعض المتأولين لإعجازه منهم، وبيان ما فيه من الأصول والقواعد الدينية والاجتماعية والسياسية والمالية والدفاعية السلمية، التي يتوقف على اتباعها صلاح البشر وعلاج المفاسد المادية وفوضى الإباحة وخطر الحرب العامة التي استهدفت لها جميع الدول والشعوب في هذا العهد».
وعندنا أن الأستاذ يستجمع الكثير من أسباب الكفاءة الضرورية بتأليف كتاب في هذا الموضوع للغرض الذي أبانه، فهو يعلم من أسرار الأصول الإسلامية ما لم يتيسر في العصر الحاضر إلا للقليلين بين علماء المسلمين، وهو مسموع الرأي في العالم الشرقي كثير القراء والمريدين في بلاد الإسلام، وهو أسلم فطرة من جميع من سمعنا بهم من المتصدين لهذه المباحث بين الشيوخ والفقهاء.
وقد درست بعض فصول الكتاب وتصفحت بعضها فبدا لي أنه ينهج في الاستدلال العقلي منهجًا كفيلًا باقتناع العدد الأكبر من قراء هذه المباحث ولا سيما المسلمين، ولا أشك في سعة انتشاره وفلاحه في تفنيد المزاعم والريب التي قد تساور الأذهان بين أولئك القراء، فإن لم يبلغ الكتاب كل غرضه المفصل في فاتحته، فهو بالغ من ذلك الغرض ما يستحق تأليف كتب شتى لا تأليف كتاب واحد، وحسب المؤلف أن يظفر بهذا ليظفر بشيء كثير.
هذا ما جاء في كتاب «الوحي المحمدي» لرشيد رضا عن العقاد.
وكلام العقاد كاملًا، ورد رشيد رضا عليه موجود في مجلة «المنار» المجلد ٣٣ الصفحات ۷۸۰ – ٧٨٦.
[1] حفيد الشيخ محمد رشيد رضا