العنوان بين كتابات عبد الرحمن الشرقاوي والغزو الماركسي للتاريخ والسيرة
الكاتب المستشار سالم البهنساوي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-نوفمبر-1983
مشاهدات 53
نشر في العدد 646
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 22-نوفمبر-1983
تناول الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي- سيرة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابه محمد رسول الحرية في مقالات ما زالت تنشر في جريدة «الأهرام» وفي جريدة «الوطن».
وتناول أيضًا مواقف الإمام ابن تيمية في مقالات باسم الفقيه المعذب، وهذه المقالات ظاهرها أنها إسلامية، وتقدم صاحبها للقراء باسم المفكر المسلم حتى إن جهات إسلامية رشحته لجائزة عالمية لإنتاجه في خدمة العمل الإسلامي، وأنه بتمحيصها يتضح أنها تؤول النصوص الشرعية، وتحرف مواقف الصحابة والفقهاء لتخدم الفكر الماركسي، فمثلًا زعم أن الجماهير ناقشت ابن تيمية كيف نصد التتار ونقاتل، بينما أصحاب رؤوس الأموال هم المستفيدون من صد التتار حماية لأموالهم فكيف ندافع نيابة عنهم.
فهذا التفسير من شأنه أن يوصم ابن تيمية بالعمل لصالح الرأسمالية والأغنياء والمعلوم للجميع أن عمله كان جهادًا في سبيل الله وحفاظًا على الإسلام والمسلمين، من ناحية أخرى، فإن هذا التفسير الماركسي من شأنه أن تقف الجماهير متفرجة أثناء العدوان على الأوطان لأن الماركسية تجعل ولاء الماركسيين في كل أنحاء العالم- لوطنهم الأم وهو روسيًا ولهذا عندما تصالح جمال عبد الناصر مع قيادات الماركسية المصريين- اشترط عليهم أن يكون الولاء لمصر لا لروسيا، وأن يكون هو المكافح بدلًا من لينين وأن يدعو هؤلاء إلى الماركسية من خلال عملهم في الاتحاد الاشتراكي وغيره بصورة علنية ومشروعة، ليضمن أنهم لا يعملون سرًا ضد حكمه.
موقف عثمان من الفتنة:
نشرت الوطن بتاريخ 21/9/1983 م مقالًا عن أحداث الفتنة التي انتهت بمقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان فكان مما كتبه «وروى أهل مصر ما كان من أمرهم وأمر عثمان» لأهل المدينة، فلم يبق أحد من أهل المدينة إلا ضيق على عثمان وطالب بتسليمه مروان، فانضم أهل المدينة إلى وفود الأنصار وشددوا النكير على عثمان، كما قال «وكتب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة النصوح ويحتجون ويقسمون عليه بالله أن يعطيهم حق الله فإذا لم يفعل قتلوه» وكتب أيضًا ما يفيد أن الصحابة تحولوا إلى جمع المال وتركوا الجهاد.
والشرقاوي في هذا يستخدم الفلسفة المادية في تفسيرها للتاريخ فيقدم الأحداث في ثوب ثورة من أهل المدينة ضد أمير المؤمنين، والمصادر التاريخية تكذب ذلك فأصحاب الفتنة لم يكونوا أهل المدينة بل إن الصحابة بها أرادوا حماية عثمان والدفاع عنه فنهاهم عن ذلك، وأعلن أن من كان في عنقه بيعه فليغمد سيفه وليلزم بيته- كما أن جهاد الصحابة وهجرتهم إلى الأمصار لم يكن لهدف مادي بل كان لنشر الإسلام وحماية عقيدته كما هو معلوم للجميع، المرجع «العواصم من القواصم ص ۱۳۲».
وينقل ذلك ابن حجر العسقلاني فيقول: «دخل أهل مصر يشكُون من ابن أبي سرح فعزله وكتب لهم كتابًا بتولية محمد بن أبي بكر الصديق فرضوا بذلك، فلما كانوا في أثناء الطريق رأوا راكبًا على راحلة فاستخبروه فأخبرهم أنه من عند عثمان باستقرار ابن أبي سرح ومعاقبة جماعة من أعيانهم، فأخذوا الكتاب ورجعوا وواجهوه به، فحلف أنه ما كتب ولا أذن فقالوا أسلمنا كاتبك، فخشي عليه منهم القتل، وكان كاتبه مروان بن الحكم وهو إبن عمه فغضبوا وحصروه في داره، واجتمع جماعة يحمونه منهم، فكان ينهاهم عن القتال، إلى أن تسوَّروا عليه من دار إلى دار، فدخلوا عليه، فقتلوه، فعظم ذلك على أهل الخير من الصحابة وغيرهم وإنفتح باب الفتنة، فكان ما كان، وبالله المستعان المرجع «الإصابة في تمييز الصحابة ج 1 ص ٣٩٣».
ولقد روى الطبري ج 5 ص ٣٩٣ أن الإمام عليّ قال للثوار «كيف علمهم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر، وقد سرتم مراحل، ثم طويتم نحونا؟ هذا والله إنه أمر أبرم بالمدينة». قال الثوار العراقيون بلسان رؤسائهم «فضعوه على ما شئتم لا حاجة لنا إلى هذا الرجل». لقد أشار الإمام عليّ أن هذه مؤامرة دبرها من خطط لعودة قوافل من الغرب أي المصريين في وقت واحد مع قوافل من الشرق وهم أهل العراق، فالذين استأجروا الراكب ليمثل دور رسول الخليفة إلى والي مصر، عبد الله بن أبي السرح، هم الذين دبروا مسرحية أخرى أمام وفود العراق لتعود في نفس الوقت مع قوافل المصريين، وقد أشار الطبري أن هذه المؤامرة دبرها الأشتر وحكيم بن جميلة فلم يرجعا مع جماعتهما إلى بلدهما وتخلفًا بالمدينة، إن هؤلاء أيضًا ومن معهم من المنافقين كانوا وراء الرسائل التي أدت إلى قيام الحرب بين معاوية والإمام علي وأدت إلى موقف عائشة وطلحة والزبير، فقد قال مسروق بن الأجدع الهمذاني- وهو من الأئمة الأعلام المقتدَى بهم يا أم المؤمنين كتبت إلى الناس فأمرتهم بالخروج على عثمان قالت «والله ما كتبت إليهم سوادًا في بياض» قال الأعمش فكانوا يرونه أنه كتب على لسانها.
وفي جميع الأحوال فإن انتصارنا للحق الذي كان يمثله الإمام علي لا يترتب عليه سب الصحابة وتقديمهم للناس على أنهم يقاتلون من أجل المادة أو أنهم حرفوا أو خانوا فذلك قد حكم فيه القرآن الكريم.
ونرجو أن يعلم الأستاذ الشرقاوي ومن رضي بمثل هذا المنهج لأي سبب من الأسباب أن الإسلام يحكم بأن نقف عند حدود قول الله تعالى عن الصحابة ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا﴾ (الأحزاب:23) فهل يجوز لأحد أن يتهمهم بالتبديل وعدم الصدق. كما قال تعالى: عنهم ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحجرات:15) وقال عز وجل ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (الفتح:18)..
ولو كان الشرقاوي كاتبًا إسلاميًا ويخدم الإسلام في كتبه فليعلن توبته عن كتابة محمد رسول الحرية، فالرسول في هذا الكتاب ليس رسول الله بل رسول الحرية، كماركسي عند الشيوعيين.
وفي أن الذي حرم الخمر ليس هو الله للأسباب الواردة في القرآن، أنها رجس وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وتجلب العداوة والبغضاء، بل حرمها رسول الحرية لأن صحابته المقاتلين معه في أحد كانوا يذهبون إلى بيوت العاهرات اليهوديات ويشربون الخمر، فأراد الرسول أن يوجه هذه الأموال لأسر الشهداء، فهل يتوب.
الأستاذ الشرقاوي عن هذا التحريف الذي يغلب على كتابه ومقالاته الإسلامية، ليكون كاتبًا إسلاميًّا أم أنه يفترض جهل القراء وعدم إدراكهم ذلك أم أن هناك أمورًا أخرى فوق مستوى الشعوب؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل