العنوان تأملات تاريخية- مواقف ومبادئ
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1986
مشاهدات 53
نشر في العدد 758
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 11-مارس-1986
مواقف البطولة في تاريخنا الإسلامي كثيرة ورائعة، وقد عرف الرجال والنساء على السواء قيمة الحق، وعظمة الدوران في فلكه والثبات عليه، ومن هذه المواقف أن عبد الله بن الزبير دخل ذات يوم على أمه أسماء بنت أبي بكر- قبل مقتله بعشرة أيام - يعودها أثناء مرض ألم بها، وقد طعنت في السن، وفقدت بصرها فقال لها: إن في الموت لراحة، فقالت: «لعلك تمنيته لي!! وما أحب أن أموت حتى تأتي عليّ إحدى حالتيك: إما قتلت فأحتسبك، وأما ظفرت بعدوك فقرت عيني بك».
فمضى لسبيله، ثم دخل المسجد صبيحة اليوم الذي قتل فيه يشكو لها خذلان أصحابه له، ومفارقة أقرب الناس إليه، وكان قد نكب بمقتل أخيه مصعب الذي أبى الفرار، وأصر على متابعة القتال.
فقال عبد الله لها: «خذلني الناس حتى ولدي وأهلي، والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا، فما رأيك؟».
فقالت: أنت يا بني أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامضِ عليه فقد قتل عليه أصحابك.. وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك، وأهلكت من قتل معك، وإن قلت: قد كنت على حق فلما وهن أصحابي وهنت؟ فليس هذا فعل الأحرار وأهل الدين، وكم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن».
فاقترب ابن الزبير منها يقبل رأسها وقال: «هذا- والله- رأيي الذي قمت به داعيًا إلى يومي هذا، لكنني أحببت أن أعلم رأيك فازددت بصيرة مع بصيرتي».
ترى أليس من المحتمل أن يصيب الوهن عزائم أهل الحق؟ فإن كان لهم من يشد عزائمهم، كما شدت أسماء من عزيمة ابنها، اتضحت أمامهم الرؤية، وتابعوا السير في طريقهم.
وتستوقفنا عبارات أسماء بنت الصديق التي تربت في بيت دارَ مع الحق، ووقف إلى جواره في أشد الساعات حلكة ورعبًا. لتقول للذين يوهنون عزائم أهل الحق والجهاد: ما هكذا يكون أهل المبادئ، ولَميتةٌ على الحق وفي ركابه خير من حياة ذليلة، ثمنها ضياع الدين وانتكاس الفطرة، والسلامة الشخصية ليس معناها سلامة الدعوة، والقضايا الشخصية والحرص على سلامتها مستقبلًا هو أمر في علم الغيب، فلا يجب أن تعمى الأبصار عن حقيقة الأخطار، وثواب المصابرة لا يقل عن ثواب المرابطة، ومن لم يكن مرابطًا فليكن مصابرًا، وما هي إلا دورة من دورات الزمن، حتى يبزغ الفجر يا بردی!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل