العنوان تأملات في مشهد انتخابات الرئاسة وأحوال المرشحين
الكاتب أسامة العقباوي
تاريخ النشر السبت 30-يونيو-2012
مشاهدات 64
نشر في العدد 2009
نشر في الصفحة 22
السبت 30-يونيو-2012
أهم ما ميز مشروع النهضة» الإشارة إلى دراسة تجارب عدة بلدان ووجود طرح واضح المرحلة المائة يوم الأولى
عندما نجد أكثر من مرشح يتحدث عن مرحلة "المائة يوم الأولى» كما ورد في المشروع الذي طرحه الشاطر» ثم «مرسي» فهذا أكثر من أن يسمى اقتباسا
تأملت كثيراً في انتخابات الرئاسة المصرية الأولى بعد الثورة، وقد أسفر هذا التأمل عن تسجيل عدد من الملاحظات الكاشفة للمشهد الحالي لانتخابات الرئاسة، وأحوال المترشحين، وبالطبع فإن هذه الملاحظات لن تعجب البعض، ولكن المرء لا يمكنه أن يرضي الجميع، وقد لا يرضي أحداً في بعض الأحيان.
وإليكم بعضاً من تلك الملاحظات، التي تبين الفارق الجلي بين حال الناخبين في دول الديمقراطيات العتيدة المستقرة.
الترشح أولاً والبرنامج لاحقاً
إذا استثنينا د. محمد مرسي»، رئيس الجمهورية الجديد مرشح جماعة الإخوان أو حزب الحرية والعدالة، نجد أن كل مرشحي الرئاسة قد ترشحوا أولا ثم كتبت لهم برامج انتخابية لاحقاً، ولا يستطيع أحد منهم أن يقنعنا أو يخدعنا بأنه كان لديه برنامج واضح محدد المعالم، أو حتى مسودة نهائية له قبل أن تتملكه الرغبة في الترشح أو تدفعه إليه مجموعة سياسية - إذا صح التعبير - تقف من ورائه، والسبب في استثناء د. محمد مرسي أن برنامج جماعة الإخوان، إنما تم البدء فيه وإنجازه تقريبا من خلال جهد الجماعة في خوض معارك كثيرة سابقة قبل أن تتراءى في الأفق معركة الرئاسة، ولذا فإن برنامج الإخوان الذي سمي مشروع النهضة لم يفصل لخدمة ترشح شخص ما، ولكن ملاحظة الترشح أولا والبرنامج لاحقا لا تحدث في بلدان الديمقراطيات المستقرة منذ عهد بعيد، فلا يتصور هناك مطلقاً أن يتقدم بعض الأشخاص ويطرحوا أنفسهم كمرشحين للرئاسة منذ عام أو أكثر ثم لا ينتبه المسألة إعداد برنامج انتخابي إلا في خلال الشهرين الأخيرين.
برامج أصيلة أم مقتبسة
ما رصدناه في المشهد الانتخابي يمكن أن نقرر فيه أن الأمر لم يكن مجرد اقتباس ونسوق مثالين على ذلك من أحاديث الدعاية الانتخابية لمرشحي الرئاسة:
بعض المرشحين - كما نعلم - أعلن ترشحه للرئاسة منذ أكثر من عام، وأجريت معهم مقابلات، وأخذت منهم أحاديث وتصريحات طوال هذا العام، ولكن ما إن تقدم المرشح الإخواني الشاطر»، ومن بعده مرسي» بـ «مشروع النهضة وكان يتميز ببندين لم يقل بهما أي مرشح آخر سبقهم في الإعلان عن ترشحه أو ساواهما في توقيت الإعلان، وأول هذين البندين الإشارة إلى دراسة تجارب الإصلاح والنهضة في عدة بلدان فسمعنا عن دراسة التجربة الماليزية والتركية والبرازيلية وجنوب أفريقيا.. أما البند الثاني الذي سبق به المشروع الإخواني عند طرحه ولم يسبق لأحد - في رأينا - أنه تطرق إليه، وهو أنه عند تقسيم المشروع إلى مراحل للتنفيذ كان هناك طرح واضح المرحلة المائة يوم الأولى، وماذا يجب أن يتم إنجازه فيها بشكل فوري لا يحتمل التأجيل مثل المسألة الأمنية.
وعندما يأتي أحد المترشحين منذ عام أو أكثر ولم يتحدث أبداً عن الاستفادة من تجربة دولة أخرى في الاقتصاد مثلا أو التعليم، ثم نفاجأ به في حديث قريب له قبيل الانتخابات يقول: إنه خلال تلك الأيام سوف يستفيد من التجربة البرازيلية في النهوض بمصر، أو عندما نجد أكثر من مرشح يتحدث عن مرحلة المائة يوم الأولى كما ورد في المشروع الذي طرحه الشاطر» ثم «مرسي»، فهذا أكثر من أن يسمى اقتباسا وإنما هو بحسب المصطلحات المستخدمة في مجال الكمبيوتر عبارة عن قص ولزق (copy (& paste.
الترشح الفردي «السائب»
فمنذ أن أطيح بـ«مبارك» فوجئنا بوقت مبكر عقب التعديلات الدستورية مباشرة وربما قبلها أيضاً أن فكرة الترشح للرئاسة اختمرت في ذهن بعض الأشخاص، وتمكنت من أنفسهم، وانطلقوا لتنفيذها بأن أعلنوا ترشحهم للرئاسة واحدا بعد الآخر في ظل الظروف الآتية:
١- لم يكن هناك أي ارتباط بين توقيت إجراءات الرئاسة الذي حدده الإعلان الدستوري لاختيار الرئيس مثلا وبين توقيت إعلان هؤلاء ترشحهم للرئاسة، نعم كانت هناك أقاويل تطالب بالرئيس أولا مثل الدستور أولا، ولكن الخط الرسمي الواضح لبناء مؤسسات الدولة والذي اعتمده الاستفتاء الشعبي لم يكن أبداً اختيار الرئيس أولا، وإنما كان المطلوب في البداية واضحا هو الانتخابات التشريعية لتشكيل مجلسي الشعب والشورى، وكان عجيبا أنه بدلا من أن يترشح هؤلاء للمطلوب وقتها أو أن ينتظروا لكنهم اندفعوا للترشح للرئاسة ولم يكن ذلك ملحا ولا مناسبا في حينه.
2- أغرب ملاحظة في هذه الطريقة للترشح للرئاسة أنها جاءت على عكس التوجه العام لدى معظم القوى السياسية في ذلك الحين عند الاتفاق على نظام الترشح المجلسي الشعب والشورى، لقد كان الاتجاه هو تضييق المساحة المتاحة للترشح الفردي وتغليب الترشح المقنن من خلال الأحزاب والقوى السياسية في نظام القائمة، فإذا بنا في حال الترشح للرئاسة نجد العكس.
3- وقد يعترض أحدهم وأنا جاهز لهذا الاعتراض، أن ما أسميناه الترشح الفردي السائب لا يتعارض مع التعديلات الدستورية التي صوت عليها غالبية الشعب ب«نعم» بل هو ناتج عنها، والتي تضمنت أن إحدى وسائل الترشح الرئاسي هي ترشح المستقل غير المنضم لأحد الأحزاب حين ينجح في جمع توقيعات ٣٠ ألف شخص من عدة محافظات.
الترشح الحزبي والالتزام السياسي
نتأمل في ملاحظاتنا الحالية طريقة الترشح الآخر، وهي السائدة في بلاد الديمقراطيات المستقرة الراشدة، وهو أن يدفع حزب أو فصيل سياسي معين بالمرشح ويأتي ملتزما بفكر وتوجهات الفصيل السياسي الذي دفع به، ويحمل البرنامج الذي صاغه هذا الفصيل قبل الدفع به كمرشح المقعد الرئاسة.
وفي مشهد انتخابات الرئاسة، أظن أنه يوجد فقط ثلاثة مرشحين دفع بهم بهذه الطريقة أي من خلال حزب وتجمع سياسي معين، وأركز على من فاز برئاسة الجمهورية وهو د. محمد مرسي»، والذي كان أكثرهم تعرضا لحملات من النقد الجارح الذي يصل أحيانا إلى حد التشويه المتعمد، ونرد على هذا التصور بأنه مخالف لكل من المنطق النظري أو الواقع العملي، فعندما يقوم أي حزب أو فصيل سياسي بالدفع بمرشح من بين أحد كوادره، فهو بالقطع سيختار أفضلهم من حيث اكتمال الشخصية وامتلاكه للمهارات القيادية وكثيرا من المؤهلات المعتبرة في هذا الترشيح.
وإذا شئنا الآن أن نطبق ما أسميناه بظاهرة الترشح الحزبي على النموذج الموافق لها في مشهد انتخابات الرئاسة عندنا، وهو مرشح جماعة الإخوان وحزب الحرية والعدالة د. محمد مرسي»: لوجدناه على عكس التضليل الإعلامي والنظرة المزاجية الرافضة له من بعض الناخبين فهو يحقق بامتياز شخصية المرشح الحزبي المناسب، فهو أولا رجل قيادي داخل جماعة الإخوان، ولا يستطيع أحد أن ينكر ذلك، فهو كان مسؤولا عن اللجنة السياسية في الجماعة، وقائد مجموعة النواب الممثلة للجماعة في مجلس الشعب سابقا، وهو ممثل الجماعة شبه الرسمي والثابت في أي حوار مع القوى السياسية الأخرى أو رموز الدولة، وقد اختارته الجماعة رئيسا لأول حزب سياسي كونته.
والشرط الثاني الذي حققه د. محمد مرسي» كمرشح حزبي هو التزامه المؤكد بفكر وتوجهات وبرنامج الجماعة، ولا ينتظر منه النكوص عن ذلك حين يستقل بقراره في مؤسسة الرئاسة، وبعض المعادين للجماعة ولو كانوا من وجهاء القوم وسدنة الإعلام الذي يجيد قلب الحقائق ويتأثر بهم قطاع لا بأس به من بسطاء الناخبين حين يرمون د . محمد مرسي»، بتهم من قبيل عدم الاستقلال بقرارات الرئيس والخضوع والسمع والطاعة للجماعة ومرشدها نرد عليهم قائلين: إن د. محمد مرسي» يمكن أن يسمع للمرشد وغيره من قادة الجماعة حين يشيرون عليه برأي معين، ولكن العكس صحيح أيضا، فإن د. مرسي حين يتحدث أو يدلي برأيه لا يملك المرشد ولا غيره من قادة الجماعة إلا الاستماع إليه والنزول على رأيه، ومن المتوقع أن يشاور «مرسي» الكتلة السياسية التي رشحته كما يتوقع منه أيضاً أن يشاور كل القوى السياسية التي لم ترشحه ولنفترض العكس هل يستطيع أحد من المرشحين السابقين أن يزعم أنه في نجاحه لن يشاور القوى السياسية، التي أسهمت في إنجاحه أو حتى الأشخاص الذين قادوا حملته الانتخابية؟!