العنوان تاريخ الصحوة الإسلامية (2من 2)
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يونيو-1999
مشاهدات 72
نشر في العدد 1353
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 08-يونيو-1999
لأن الصحوة الإسلامية كانت تواجه جناحي المأزق الحضاري: التخلف الموروث.. والزحف الاستعماري الغربي، ولأنها قد سعت إلى الإحياء والتجديد الديني لبلورة معالم المشروع النهضوي العصري في مواجهة الجمود والتقليد اللذين أوجدا الفراغ الفكري، في بلادنا، وهو الفراغ الذي سعى الاستعمار الغربي إلى ملئه بنموذجه الحضاري الوضعي العلماني، فقد كان تركيز هذه الصحوة على تجديد دين الإسلام لتتجدد به وليس بالنموذج الغربي - دنيا المسلمين.
وهذه الحقيقة هي التي جعلت رفاعة الطهطاوي يدعو إلى إحياء الشريعة الإسلامية بالاجتهاد الجديد، وإلى تقنين فقه معاملاتها ليحكم بدلًا من القانون الوضعي الفرنسي حركة الاجتماع والاقتصاد والسياسة لأن بحر هذه الشريعة الغراء على تفرع مشارعه، لم يغادر من أمهات المسائل صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وأحياها بالسقي والري، ولم تخرج الأحكام السياسية عن المذاهب الشرعية، لأنها الأصل، وجميع مذاهب السياسات عنها بمنزلة الفرع، ولأن تحسين النواميس الطبيعية لا يعتد به إلا إذا قرره الشارع، فينبغي تعليم النفوس السياسة بطرق الشرع، لا يطرق العقول المجردة، أما المعاملات الفقهية، فإنها لو انتظمت وجرى عليها العمل لما أخلت بالحقوق، بتوفيقها على الوقت والحالة وكتب الفقه الإسلامية لا تخلو من تنظيم الوسائل النافعة من المنافع العمومية.
ولقد انطلق الأفغاني من ذات الموقف إسلامية الصحوة فرفض أن نبدأ صحوتنا من حيث انتهى المشروع الغربي العلماني قائلًا: «إنه لا ملجئ للشرقي في بدايته أن يقف موقف الغربي في نهايته.. فالتمدن الغربي هو في الحقيقة تمدن للبلاد التي نشأ فيها على نظام الطبيعة وسير الاجتماع الإنساني والإسلام هو السبب المفرد السعادة الإنسان ومن طلب إصلاح الأمة بوسيلة سوى هذه، فقد ركب بها شططًا، ولا يزيدها إلا نحسًا، ولا يكسبها إلا تعسًا».
وعلى هذا الدرب - في إسلامية الصحوة- سار الإمام محمد عبده الذي قال: إن الإسلام دين وشرع وهو لم يدع ما لقيصر لقيصر، وإنما كان شأنه أن يحاسب قيصر على ماله، ويأخذ على يديه في عمله فهو كمال للشخص، وألفة في البيت ونظام للملك امتازت به الأمم التي دخلت فيه عن سواها ممن لم يدخل فيه، فهو المدرسة الأولى التي يرقى فيها البرابرة على سلم المدنية ومن طلب إصلاح الأمة من غير طريق الدين فقد بذر بذرًا غير صالح للتربة التي أودعه فيها فسبيل الدين لمريد الإصلاح سبيل لا مندوحة عنها ولم تقف هذه الصحوة عند حدود الفكرة الدعوة وإنما سلكت سبيل التنظيم لإبلاغ الرسالة، واستمرارية الدعوة فعرفت مسيرتها تنظيمات الحزب الوطني الحر وجمعية العروة الوثقى، ومجمعية أم القارئ في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر . كما عرفت الحزب الوطني الذي قاده مصطفى كامل باشا (١٢٩١ - ١٣٢٦ هـ / ١٨٧٤ - ١٩٠٨م) في العقد الأول من القرن العشرين وهو الحزب الذي جمع في دوائر الانتماء - بين الوطنية وبين الجامعة الإسلامية، فالدين والوطنية تو امان متلازمان، وإن الرجل الذي يتمكن الدين من فؤاده يحب وطنه حبًّا صادقًا، ويفديه بروحه وما تملك يداه وإن في الإسلام كافة المواد الحيوية لأرقى مدنية يشتهيها بنو الإنسان، فهو الدين الذي يؤهل أهله وذويه إلى أسعد حالات الحياة، وأتم نعيمها».
ولم تقتصر الصحوة الإسلامية على الحركات والتنظيمات الإسلامية، فأوسع وأعرض فصائل الصحوة الإسلامية هو التيار الشعبي المستمسك بالهوية الإسلامية وفي مقدمة مؤسسات الصحوة الإسلامية الأزهر الشريف، الذي ظل يرعى علوم الشريعة والعربية، ويحرس الوجدان الإسلامي للأمة عبر تاريخها الطويل، كما أن هناك ميادين الإبداع في الفكر الإسلامي، والتي شهدت مواكب الأعلام والعلماء والمفكرين الذين دافعوا عن إسلامية الصحوة ومشروع النهضة والمدنية، في مختلف ميادين الإبداع الفكري، وإذا كان الطهطاوي قد تمنى إحياء الشريعة الإسلامية وتقنين فقه معاملاتها، فلقد سعى على هذا الطريق العديد من أعلام الفقه والقانون، وكان الدكتور عبد الرزاق السنهوري باشا (۱۳۱۳ - ١۳۹۱هـ / ١٨٩٥ - ١٩٧١م) واحدًا منهم، جعل هذه المهمة مشروع حياته تأليفًا وتطبيقًا - فالإسلام - عنده - دين ودولة.. ملك إلى جانب العقيدة، وقانون إلى جانب الشعائر، وهو دين ومدنية، والمدنية الإسلامية أساسها الشريعة الإسلامية، وهي أكثر تهذيبًا من المدنية الأوروبية، والشريعة الإسلامية هي النور الذي نستطيع أن نضيء به جوانب الثقافة العالمية في القانون ، ودول الشرق لا يمكن أن تجتمع على شيء واحد غير الإسلام.. فالإسلام بالشرق، والشرق بالإسلام.
وإذا كانت العقود الأخيرة قد شهدت تعاظم الصحوات الدينية في مختلف الديانات، بعد أن فشلت مشاريع النهوض والتحديث اللادينية، فإن تعاظم الصحوة الإسلامية يستند إلى خصيصة إسلامية، ينفرد بها الإسلام عن غيره من الديانات، هي منهاجه الشامل الذي يجعله بديلًا حضاريًّا، وليس مجرد عقائد وعبادات.
هكذا ارتبطت الصحوة الإسلامية بحلم الأمة في النهوض، والانعتاق من أسر التخلف الموروث، ومن الهيمنة الاستعمارية والحضارية العربية، منذ فجر هذه الصحوة وحتى الآن.