; تبلد العقل العربي.. إلى أين؟! | مجلة المجتمع

العنوان تبلد العقل العربي.. إلى أين؟!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 16-يوليو-2011

مشاهدات 45

نشر في العدد 1961

نشر في الصفحة 37

السبت 16-يوليو-2011

من حق الإنسان أن يطمئن على مستقبله في الحياة، وأن يسأل عن كل ما يهمه في مسيرته الدنيوية والأخروية، ومن حق الشعوب أن تطمئن على مستقبلها كذلك، وأن تتعرف على قادتها، وعلى مصائرها، وأن تنظر في برامج زعمائها وروادها، تخطِّئ من تخطِّّئ، وتصوِّب من تصوِّب، وتختار من تختار لينوب عنها، ويحمل همها، ويتبنى إرادتها.

خصوصاً إذا كثر الخبث، واختلط الحابل بالنابل، وادعى الكل وصلاً بليلى، ورؤية أمم وشعوب تسير «بالمَعْلمة والمجدعة » كما يقولون، وأمم أخرى تسير بغير ذلك، وادعى الهِرُّ صولة الأسد، كما ادعى الذئب الإيمان والتبتل.

هذا وقد ذاقت شعوبنا المجيدة المر والحنضل من هؤلاء وأولئك، وصار يضرب بها المثل في الغفوة والبله، والإهمال والتواكل، وكثرة نومها وقلة صحوها، ومن صحا منها ضل طريقه وتاه عن الجادة، وذلك لأسباب محددة منها:

الأول: للجهل المطبق عند هؤلاء وأولئك بأنفسهم وتراثهم وتاريخهم وغفلتهم عمن حولهم، حتى تبلد العقل وتعطل الفكر وانعدم الإحساس، في زمن ثورة المعلومات، والانطلاقة العلمية والتكنولوجية والإبداعية، وانقلبت سحنتهم وطبيعتهم إلى صحراء جدباء لا تملك نفعاًً، ولاتنبت خيراً، وضاع التمييز والتقدير والتقويم، بل وانقلبت الأمور إلى أضدادها، ورجعت الأفهام إلى طفولتها، والميول إلى حيوانيتها، وتنكس الخلق بانعدام الشعور والتوغل في الظلمات، فضاعت منهم الحقائق في رائعة النهار، وصاروا دمى في بحر لجي تغشاه أمواج الحوادث من تحته ومن فوقه ومن أمامه ومن خلفه، وغطتهم النكبات والكوارث الغاضبة، وعصفت بهم الرياح العاتية حتى صاروا أثراً بعد عين.

الثاني: سيل الضلال الذي يحيط بالشعوب في الإعلام، وفي الأثير الذي شكل طبيعة غير طبيعتهم وأبدلهم هوية غير هويتهم، وحول تفكيرهم إلى شهوتهم، وكون فيهم طبيعة عابثة ونفساً شاردة، وإرادة منحرفة، وخيالاً مريضاً، فأضاع وقتهم وألهاهم عن واقعهم ومستقبلهم، وشكلهم كما يريد لهم عدوهم وكون لهم طبيعة طاردة للرجولة، محاربة للعزيمة، نافرة من الاستقامة، قاتلة للأخلاق، مقطعة لأواصر المجتمع، مخيبة للآمال.

الثالث: حجم الفساد الذي ساد الفرد والمجتمع، فغر فاه حتى ابتلع إرادات الدولة، وأكل طعام الفقراء، وترك الملايين يتكففون الناس، ويتضورون جوعاً بدون شفقة أو رحمة، وقد أعلن ذلك الفساد عن نفسه، وظهرت رائحته التي أزكمت الأنوف، وتحدث عنها القاصي والداني؛ إذ تحدثت عنها الصحف الأجنبية مثل صحيفة «لوبون الفرنسية » وعن حجمها المهول، وذلك فيما كتبه «حسين عودة .»

قدرت صحيفة «لوبون » الفرنسية حجم المساعدات الأمريكية والأوروبية والعربية التي حصلت عليها مصر خلال الثمانين عامًا الماضية بمئتي مليار دولار، وذلك في تقرير نشرته بتاريخ 29 / 12 / 2006 م تحت عنوان 30« عاماً من المساعدات الغربية لمصر والنتيجة لا شيء .»

وأشار التقرير إلى أن مصر حصلت على 10 مليارات دولار من العرب خلال الفترة من 1971 - 1979 م، و 50 مليار دولار من الولايات المتحدة، و 25 ملياراً من الأوروبيون، و 25 ملياراً من المؤسسات الدولية، و 27 ملياراً من العرب بعد انتهاء فترة المقاطعة، و 10 مليارات من اليابان ليكون المجموع 137 مليار دولار، إضافة إلى 50 ملياراً خصمت من الديون الأجنبية طبقاً لاتفاقية نادي باريس، لتكون مصر حصلت على ما يوازي 200 مليار دولار خلال 30 عامًا.

وأضافت الصحيفة أن الحكومة المصرية كانت قد حصلت إلى جانب ذلك على أرقام سرية غير معلنة، وتساءلت الصحيفة في نهاية التقرير: أين ذهبت هذه الأموال؟!

الرابع: ظلم الديكتاتوريات التي حاربت الشعوب، وعملت على تصفيتها من كل ناشط في الإصلاح أو حقوق الإنسان، كممت الأفواه، قتلت المواهب، وفعلت في الأمة فعل النار في الهشيم، وسدت أبواب الشورى والنصيحة، وسارت بمقولة «ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سيبل الرشاد » زد على هذا سيرها تحت المظلة الاستعمارية، وتنفيذ ما يرسم لها من المخططات ضد مصالح الشعوب.

خامسًا: كمية الأحقاد والأضغان، وحب التسلط، وشدة التمسك بالمغانم الحرام، جعل الكثيرين في سكرة وعماية عن أي إصلاح وجيَّشهم لعبودية أهوائهم وشهواتهم وأموالهم، فصاروا كما قال رسول الله ﷺ: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد أخذ عنان فرسه في سبيل الله، إن كان في الساقة كان في الساقة، وإن كان في الحراسة كان في الحراسة، إن أذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع » (رواه البخاري في الجهاد- 2887).

إنهم تعساء أتعسوا أنفسهم، وأتعسوا أممهم معهم، واليوم جاء الإسلام الذي فلق الإصباح، وأخرج الناس من الظلمات إلى النور، وأحال قبائل الجاهلية العمياء إلى أمة خيرية. فهم هذا الإسلام رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فقاموا يبشرون به الأمم البائسة الحيرى، ليتعلم العالم شفاء أمراضه به، والرحمة لإنسانيته منه، والسلام لشعوبه، والعدالة لأممهم فيه، قال تعالى: ﴿قّدً جّاءّكٍم مٌَنّ پلَّهٌ نٍورِ كٌتّابِ مٍَبٌينِ يّهًدٌي بٌهٌ پلَّهٍ مّنٌ اتَّبّعّ رٌضًوّانّهٍ سٍبٍلّ پسَّلامٌ يٍخًرٌجٍهٍم مٌَنّ پظٍَلٍمّاتٌ إلّى پنٍَورٌ بٌإذًنٌهٌ يّهًدٌيهٌمً إلّى صٌرّاطُ مٍَسًتّقٌيمُ﴾ (المائدة: 15- 16)، ﴿يّا أّيٍَهّا پَّذٌينّ آمّنٍوا كٍونٍوا قّوَّامٌينّ بٌالًقٌسًطٌ شٍهّدّاءّ لٌلَّهٌ لّوً عّلّى أّنفٍسٌكٍمً﴾ (النساء).

ورغم الأقلام التائهة، والعقول الحاقدة، والتربصات الضالة، ورجال الأنظمة المتسلطة، والبرامج الإعلامية المضللة، يتقدم المخلصون برؤية للإصلاح، في هذا الصخب الداوي من صدى الحوادث الكثيرة المريرة التي تلدها الليالي الحبالى في هذا الزمان، وفي هذا التيار المتدفق الفياض من الدعوات التي تهتف في أرجاء الكون، وتسري به أمواج الأسير في أنحاء المعمورة، مجهزة بكل ما يغري ويخدع الآمال، والوعود، والمظاهر.

نتقدم برؤيتنا كما يقول الإمام البنا: «هادئة ولكنها أقوى من الزوابع العاصفة، متواضعة ولكنها أعز من الشم الرواسي،

محدودة ولكنها أوسع من حدود هذه الأقطار الأرضية جميعاً، خالية من المطامع الزائفة والبهرج الكاذب ولكنها محفوفة بجلال الحق وروعة الوحي، ورعاية الله، مجردة من المطامع والأهواء والغايات الشخصية، والمنافع الفردية، حسبها أنها نورت المؤمنين بها، والمنتظرين لها، والصادقين في العمل لها وعلى منوالها للسيادة في الدنيا، والجنة في الآخرة »، وأخيراً نسأل الله أن يوفق للصواب، ويأخذ بأيدينا، ويهدينا سواء السبيل.

هذا وقد صدرت كثير من البرامج التي تزيل التبلد وتهدي إلى سواء السبيل فهل نسير على هداها حتى يزول هذا التبلد الذي نعيش فيه نسأل الله ذلك.. أمين.

الرابط المختصر :