; تحليل سياسي: القذافي.. وأموال الشعب الليبي | مجلة المجتمع

العنوان تحليل سياسي: القذافي.. وأموال الشعب الليبي

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 15-سبتمبر-1992

مشاهدات 67

نشر في العدد 1016

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 15-سبتمبر-1992

 

مأساة ليبيا: انهيار الخزانة وتقلبات نظام القذافي

 

اعتراف بالفشل: أزمة الرواتب والتهديد الثوري

بعد ثلاثة وعشرين عامًا من تسلُّمه مقاليد السلطة في البلاد، وقف معمر القذافي ليلة الفاتح من سبتمبر الماضي ليُلقي خطابًا يعترف فيه ضمنيًا بـ فشل سياساته ومَنهجه الذي دمَّر به اقتصاد ليبيا ومُقَدَّرات شعبها. اعترف القذافي بأن الخزانة العامة لليبيا عاجزة عن دفع رواتب بعض الموظفين المدنيين، وقال بالحرف الواحد: "ما قيل من أن البعض لم يحصلوا على رواتبهم صحيح، وهذا يعني أنه لا توجد أموال". لكنه بَرَّرَ ذلك قائلًا: "إن هذا ليس مما يَخْجَل منه المرء". وحذَّر القذافي الليبيين من أن عدم الانصياع للقرارات الثورية سوف يدفعه إلى إغلاق البلاد لمدة شهر أو شهرين وتحويلها إلى نار ودخان.


التناقض الليبي: ثروة النفط وبؤس الشعب

بهذا يكون القذافي قد أضاف مأساة جديدة لمآسي الشعب الليبي الذي حُرِمَ من ثروة بلاده الطائلة منذ أن تسلَّط القذافي على تبديدها وحتى الآن. إن الشعب الليبي من الشعوب العربية التي حُرِمَت من أدنى مستويات الرفاهية، في الوقت الذي تنعم فيه ليبيا وأراضيها بكنوز من النفط والغاز وربما معادن أخرى، علاوة على موقع استراتيجي مميز وسواحل ممتدة آلاف الكيلومترات على البحر الأبيض المتوسط، مع تركيبة سكانية شديدة التجانس والتلاحم بفضل وحدة اللغة والدين.

ورغم أن ليبيا لا يتجاوز عدد سكانها الثلاثة ملايين نسمة على مساحة شاسعة من الأرض تُقدَّر بحوالي مليون ونصف المليون كيلومتر مربع، إلا أن البؤس والشقاء والحرمان الذي يعيش فيه الشعب الليبي جعله يعيش حالة مُتفرِّدة من المأساة، لا يعرف في ظلها ما هو النظام الذي يحكمه، حيث إنه نظام "جماهيري" يرفع شعارات فوضوية فضفاضة لا تَقْدِر على تحمُّل أعبائها دولة يربو عدد سكانها على المليار نسمة مثل الصين. ويكفي أن نستعرض هنا بعض شعارات هذا النظام الذي أطلَقها الزعيم الليبي الذي قاد بلاده إلى الجوع، مثل: «النظرية العالمية الثالثة»، «الجماهيرية العظمى»، «القيادة الأممية»، «الملكية الاشتراكية الشعبية». ( النظام الجماهيري الليبي - ويكيبيديا).


تبديد الثروة والجرائم الداخلية والخارجية

لقد قضى القذافي اثنين وعشرين عامًا في السلطة أنفق خلالها مليارات الدولارات على الحركات الثورية في أمريكا الجنوبية وإفريقيا والجيش الجمهوري الإيرلندي ومنظمات وحركات أخرى في شرق الدنيا وغربها. وأَتْمَمَها بمليارات أخرى أنفقها لحماية أمنه الشخصي أو نظامه المُتَهاوي. وكان آخرها ما ذكرته صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية مؤخرًا من أنه يقوم بتجنيد عسكريين سابقين «مُتذمِّرين» من القوات الخاصة لجنوب إفريقيا لتدريب قواته الخاصة حتى يواجه بها شعبه المسكين.

والجدير بالذكر أن هؤلاء الذين جَلَبَهُم القذافي لتدريب قواته اشتهروا بارتكاب جرائم شنيعة في حق السود في جنوب إفريقيا طوال السنوات الماضية، حتى إن رئيس جنوب إفريقيا دي كليرك اضطُر تحت الضغط إلى أن يقوم بحل الفرقة التي ينتمي لها هؤلاء وتسريحها عام 1990. وقبل ذلك، زجَّ القذافي بأبناء الشعب الليبي في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جَمَل في تشاد، فقُتِلَ منهم مَن قُتِلَ وشُرِّدَ مَن شُرِّدَ دون سبب وجيه يُذكَر حتى الآن. ( الصراع التشادي الليبي - ويكيبيديا).


التقلبات السياسية وتغيير الشعارات

إن سجل تجاوزات القذافي في حق شعبه وبلده لا نهاية له، كذلك تقلُّباته وتبديل شعاراته من آن لآخر بما يتناسب مع استمرار بقائه فترة أطول. فبعدما صنع من نفسه حامي حِمَى العروبة ومُنقِذَها من قبل، قرَّر الآن في تصريح أدلى به لصحيفته «الزحف الأخضر» «دفن العروبة إلى الأبد وحل اللجان الثورية العربية وطرد التنظيمات الفلسطينية المسلحة». وبعدما كان يَلعن أمريكا ويصفها بما نَعِفُّ عن ذكره هنا، فضربته على أم رأسه عام 1986 ثم تبنَّت عملية حصاره الاقتصادي، الآن أفاق وصَرَّح مرارًا قائلًا: "مرحبًا بأمريكا". وفي تصريح أدلى به مؤخرًا إلى صحيفة «الزحف الأخضر» ونقلته «الإكسبريس» الفرنسية، قال فيه: "مرحبًا بالدول الغربية... لِنَبنِ معها مستقبلًا مُشرقًا". وفي منتصف أغسطس الماضي، خطا في ذلك الجانب خطوة عملية حينما قام بـ تسليم بريطانيا ملفات حوالي عشرين من ثوار الجيش الجمهوري الإيرلندي الذي كان يدعمهم طوال السنوات الماضية.

ما الذي بقي لم يُقدِّمه القذافي حتى الآن بعدما أوصل خزينة بلاده الغنية إلى هذا الوضع المُحزِن، وبعدما قَسَّمَ شعبه ما بين لاجئين في الخارج ولاجئين -أيضًا- في الداخل لا يستطيعون حتى الحصول على رواتبهم؟

إن هذا الواقع المؤلم يؤكد حقيقة هامة لا تحتاج إلى جهد جهيد لاستنباطها، هي أن نفس القوى التي تُعلِن محاربة القذافي هي التي تحمي نظامه حتى يُقدِّم المزيد من تبديد ثروات بلاده وتجويع شعبه. شعبه الذي لا بُدَّ له أن يتحرك يومًا حتى يبحث عن الحياة.







 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل