العنوان تداعيات زلزال ١١ سبتمبر ما زالت مستمرة... خسائر كارثية على الصومال
الكاتب مصطفى عبدالله
تاريخ النشر السبت 14-سبتمبر-2002
مشاهدات 52
نشر في العدد 1518
نشر في الصفحة 26
السبت 14-سبتمبر-2002
وزارة الدفاع الأمريكية جابت كل ركن وزاوية في الصومال ولم تعثر على معسكرات التدريب المزعومة «للقاعدة» وعلى الرغم من ذلك لم تتبدد هواجسها.
طائرات التجسس ما زالت تجوب الأجواء الصومالية.. والأساطيل تحاصر شواطئها
حصار سياسي خانق للحكومة الانتقالية بعد رفض واشنطن التعامل معها
تجميد أرصدة 62 مؤسسة صومالية أحدث شللًا في الخدمات الأساسية وزرع الخوف في قلوب الناس من التعامل معها
كعادتها.. إثيوبيا تصطاد في الماء العكر وتسعى لاستصدار تصريح من واشنطن لاجتياح الصومال وشن حرب على الإسلام في القرن الأفريقي كله
إثيوبيا تجند عملاءها من بارونات الحرب الصوماليين لبث الدعاية الرخيصة ضد بلادهم والمطالبة بشن هجوم كاسح عليها
التاريخ القديم والحديث يشهد بأن أديس أبابا والغرب يعملان على استمرار الصومال ضعيفة حتى لا يختل ميزان القوى لصالح المسلمين داخل إثيوبيا وفي المنطقة
جاءت أحداث 11 سبتمبر في وقت كان الشعب الصومالي يشق طريقه في إعادة بناء أجهزة دولته ومؤسساته المختلفة، وكان يصطرع مع الظروف الصعبة والحرجة التي تحيطه من كل جانب على الأصعدة السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. فكان نصيب الصومال من تداعيات هذا الحدث كبيرًا وكثيرًا، وكانت تأثيراته السلبية على الصومال خطيرة جدًا، حيث كادت تصبح الضحية الثانية في الغزو العسكري الأمريكي بعد أفغانستان.
وفي وقت مبكر من هذه الحملة الأمريكية ضد ما تسميه بالإرهاب، وقف الرئيس الأمريكي أمام عدسات الكاميرا وحوله كبار طاقمه ليعلن للعالم بأن المخابرات الأمريكية اكتشفت أخطر شبكة لتمويل الإرهاب الدولي، وكان جل الضحايا شركات وشخصيات صومالية أبرزها شركة البركات.. وهكذا أصبح الصومال على كفى عفريت كما يقولون..
وأصبح محط اهتمام للإعلام العالمي، ومراكز البحوث والدراسات وشركات إنتاج الأفلام وغيرها... وكثر الحديث عن الصومال، وعن الاتحاد الإسلامي الصومالي... وعن شركات «الحوالة» ودورها في غسيل الأموال وتمويل الإرهاب... وعن المحاكم الإسلامية... وعن المدارس الأهلية العربية في الصومال، ومقارنتها بالمدارس الدينية في باكستان التي أفرخت طالبان... وهلم جرا.
بالإضافة إلى ذلك فإن طائرات التجسس لا تزال حتى اليوم تجوب أجواء الصومال طولًا وعرضًا، كما تقوم الأساطيل الأمريكية والألمانية والفرنسية والإيطالية بمراقبة المياه الإقليمية الصومالية، وتتخذ هذه الأساطيل البحرية من مدينة جيبوتي محطة تموينها وقاعدة انطلاقها.
وفي ظرف حساس أنتج فيلم Black Hawk Down، الذي يصور قضية إسقاط المروحية الأمريكية في وسط مقديشو.. وظلت دور السينما وشبكات الفضائيات الأمريكية تعرض هذا الفيلم كجزء من الحملة الإعلامية الرامية إلى إعداد الرأي العام الأمريكي لقبول فكرة توجيه ضربة عسكرية إلى الصومال.
وقام عدد من الباحثين والمحللين بإعداد دراسات حول الأصولية الإسلامية في الصومال وخطرها، وحول أنسب السبل لمواجهتها على المدى القريب والبعيد. واعتمدت هذه الدراسات في كثير من الأحيان على وجهة النظر الإثيوبية، بل تبنت في كثير من الأحيان موقف الاتجاهات الإثيوبية الأكثر تطرفًا.
وعلى مر الأيام خفت الحدة الأمريكية ضد الصومال ولو مؤقتًا بعد أن أثبتت آلة التجسس الأمريكية والمراسلون الأجانب عدم وجود معسكرات تدريب ولا عناصر مسلحة تابعة للاتحاد الإسلامي في أي منطقة من المناطق الصومالية.
وإذا كان الصومال قد نجا من ضربة عسكرية فإنه تضرر بالمضاعفات السلبية التي شملت حياة العامة والخاصة!!
وتبدو التأثيرات السياسية والأمنية والعسكرية والثقافية وغيرها التي خلفتها تداعيات أحداث ۱۱ سبتمبر - وما زالت مستمرة - بصورة جلية.. ونقف في السطور التالية على بعضها بشيء من التفصيل.
السياسة والمصالحة
على الصعيد السياسي بدأ الشعب الصومالي إعادة تشكيل أجهزته الوطنية من جديد بعد فراغ دام قرابة عقد كامل وكان مؤتمر السلام والمصالحة في جيبوتي عام ٢٠٠٠م قد وضع اللبنات الأساسية للانطلاقة الوطنية الجديدة نحو تأسيس الجمهورية الثالثة، والنهوض من الكبوة الحالية.
فتم تشكيل برلمان وحكومة انتقالية تقوم باستكمال المصالحة الوطنية وتعيد الأمن والنظام إلى البلد، وحصلت هذه الحكومة الوليدة على تأیید محلي ودولي.. فخف صوت الزعامات الجبهوية الذين أعمتهم الأطماع اللامحدودة، وأصبحت إثيوبيا في حيرة من أمرها من هذا الصومال القادم.
جاءت أحداث 11 سبتمبر، فقلبت الموازين وغيرت الأمور رأسًا على عقب.. وتضررت الحكومة الانتقالية حيث رأى أعداؤها أن الفرصة سانحة للإجهاز عليه، فسلكوا كل طريق لانتهاز هذه الفرصة الثمينة لإلصاق وصمة الإرهاب والأصولية بها، فقالوا عنها إن غالبية نواب مجلس الشعب من الأصوليين، وأن مليشيات المحاكم الإسلامية تمثل العمود الفقري لقوات الشرطة والجيش، وأن... وأن...
بل اتخذت الإدارة الأمريكية موقفًا معاديًا للحكومة الانتقالية، إذ صرح مسؤول أمريكي بأن حكومة الولايات المتحدة لا تعترف بالحكومة الانتقالية، مما فتح الباب على مصرعيه في هذا الاتجاه، فحذت بعض الدول الأوروبية مثل: إيطاليا حذو الولايات المتحدة، فأعلنت هي الأخرى أنها لا تعترف بالحكومة الانتقالية، الأمر الذي يصب في صالح مخطط الإطاحة بها، وإجهاض مشروع الدولة في الصومال بصفة عامة.
ففكر أعداء الوطن والمصالحة - من الخارج والداخل - بانتهاز الفرصة والاصطياد في الماء العكر.
إثيوبيا تستخدم ورقة الإرهاب
عقب أحداث سبتمبر بدأت الحكومة الإثيوبية استغلال الوضع الجديد والاصطياد في الماء العكر كعادتها، فبدأت تضرب على وتر محاربة الإرهاب في القرن الإفريقي، مدعية أنها ضحية لعمليات إرهابية قامت بها جماعات إرهابية صومالية.
وبعد اتهام الولايات المتحدة لتنظيم القاعدة بضلوعه في هجمات 11 سبتمبر، أعلنت إثيوبي أن جماعة الاتحاد الإسلامي لها ارتباطات وثيقة مع تنظيم القاعدة، وأنها تمتلك أدلة قوية تثبت ذلك بصورة جلية!!
بل ذهبت أكثر من ذلك فبدأت تروج أن الحكومة الوطنية الانتقالية في مقديشو ليست إلا نسخة صومالية من نظام طالبان في أفغانستان وادعت أن هذه الحكومة الوليدة تضم عناصر أصولية متطرفة مما يهدد منطقة القرن الأفريقي برمتها.
وسعت الحكومة الإثيوبية إلى الحصول على دعم دولي، خاصة من الولايات المتحدة، في حربها ضد الإرهاب في القرن الأفريقي، وبذلت قصارى جهدها في الحصول على مشروع محاربة الإرهاب في القرن الأفريقي، وخاصة الصومال!! واستصدار تصريح من الولايات المتحدة لاجتياح الصومال، وترتيب الأوراق فيه حسب مخططها.
وجندت السلطات الإثيوبية عملاءها من بارونات الحرب الصوماليين الموالين لها لتوجيه الاتهامات الباطلة للحكومة الانتقالية، واتخذت منهم أبواقًا لبث الدعايات الرخيصة، وطالبوا بتوجيه ضربة أو شنّ هجوم كاسح ضد الصومال من أجل الإطاحة بالحكومة الانتقالية تحت ذريعة محاربة الدول المارقة التي ترعى الإرهاب.
ولم يقف دور إثيوبيا وعملائها عند هذا الحد، بل رشحت نفسها لتلعب دور باكستان كما رشحت بارونات الحرب الصوماليين الموالين لها الدور تحالف الشمال في حرب الولايات المتحدة ضد طالبان في أفغانستان وفعلًا قام ضباط إثيوبيون بتدريب مليشيات صومالية تابعة لبارونات الحرب الموالية لها.
وعلى غرار التصرفات الأمريكية التي تنتهك سيادة الدول وحرمة المواثيق الدولية في حملتها العالمية ضد ما تسميه بالإرهاب، فإن إثيوبيا بدأت تعلن عداوتها السافرة للصومال وللإسلام وبدأت تجهر بتدخلاتها العسكرية في الصومال التي كانت تحاول إخفاءها في السابق... ولكن في هذه المرة أخذ جنودها يصولون ويجولون في عمق الصومال جهارًا نهارًا دون استحياء ولا خوف!!
ولا غرو في ذلك فإن إثيوبيا تسعى دومًا إلى تحين الفرص، واستعداء الغرب على الصومال، واستخدام كل الأوراق الممكنة في سوق الدول الغربية والورقة الرائجة في الوقت الراهن هي خطر الأصولية الإسلامية، عقب انهيار المعسكر الشرقي، وتطور مصطلح الأصولية الإسلامية إلى «الإرهاب» عقب أحداث 11 سبتمبر عام ٢٠٠١م.
ولا غرو في ذلك أيضًا، فإن النظام الإثيوبي في أديس أبابا يقتدي بنظم مماثلة له في العالم وفي مقدمتها الكيان الصهيوني والهند!!
فقد حاول الكيان الصهيوني – بوصف المقاومة الفلسطينية ضده بـ«عمليات إرهابية» جلب الدعم الدولي، وحاولت الهند وصف المقاومة الكشميرية ضدها بنفس التهمة.
ولا يخفى على أحد تشابه الصراعات الثلاثة:
في الشرق الأوسط «الصراع الفلسطيني -الإسرائيلي أو بالأحرى العربي الإسلامي»، وفي شبه القارة الهندية الصراع الهندي -الباكستاني، أو بالأحرى الكشميري»، وفي القرن الأفريقي «الصراع الإثيوبي -الصومالي» هذه الصراعات محورها احتلال أرض ورفض حق تقرير المصير للشعوب المظلومة... الكيان الصهيوني يحتل الأرض الفلسطينية، والهند تحتل الأرض الكشميرية، وإثيوبيا تحتل الأرض الصومالية!!! والشعوب المظلومة تقاوم هذا الاحتلال.
فقط الاختلاف البسيط هو غياب حكومة صومالية فعالة، ومن ثم نقلت إثيوبيا هذا الصراع إلى عمق الجمهورية الصومالية بدل الأراضي الصومالية المحتلة.
وعلى الرغم من قدم هذه الصراعات، فإن الثالوث الغاشم الماكر «إسرائيل، الهند، إثيوبيا» يحاول استغلال الهزة الأمريكية عقب أحداث ۱۱ سبتمبر التي بسببها فقدت الولايات المتحدة توازنها... هذه الأنظمة الظالمة انتهزت الفرصة واستخدمت ورقة الإرهاب ضد الطرف الآخر!!
وقد أعد وزير الداخلية الصومالي الأسبق السيد جامع محمد قالب دراسة وافية عن هذا الثالوث الماكر وكيف استغل الظروف الدولية بعد أحداث 11 سبتمبر، وحاول توظيف أحداث آنية في صراعات قديمة.. مستغلين التباطؤ الغربي والهستيريا الأمريكية عقب الهجمات المباغتة على مفاصل كرامتها!!
وتجدر الإشارة إلى القلق الإثيوبي من وجود دولة صومالية قوية بالإضافة إلى وجود صحوة إسلامية عارمة بها، لأن ذلك يؤدي إلى اختلال ميزان القوة في إثيوبيا في المجالات السياسية والاقتصادية وغيرها لصالح المسلمين المظلومين هناك، مع العلم أن نسبة المسلمين في إثيوبيا تقارب ثلاثة أرباع السكان (!!!) وإذا استيقظت هذه «الأغلبية المقهورة النائمة» فلا دور للأقلية المدعومة من الغرب.
وبروز الصومال على الساحة يهدد «الجزيرة المسيحية» في «المحيط الإسلامي» حسب تعبير الإمبراطور الإثيوبي الأسبق منليك!!!..
ولا يخفى على أحد القلق الإثيوبي من مد الإسلام والعروبة نحو عمق القارة السمراء إذ تعتبر إثيوبيا ذلك تهديدًا لها، والحكومة الصومالية رمز للإسلام والعروبة.. وفي هذا الصدد ذكر تقرير صدر من المجموعة الدولية للأزمات International Crisis Group في شهر مايو الماضي أن حكومة إثيوبيا تعتبر الحكومة الصومالية مجرد قناع للهيمنة العربية والإسلامية على منطقة القرن الأفريقي، متهمة إياها بأنها القاعدة الأمامية لتنظيم القاعدة، وقال أيضًا: «حقًا إن إثيوبيا تحتفظ لنفسها بحق التدخل عسكريًا في الصومال بموافقة الولايات المتحدة أو بدونها».
وهذا السيناريو يثير هواجس الدول الأوروبية، والكيان الصهيوني وأمريكا فيدخل الأخيران في حلف استراتيجي مع إثيوبيا لإضعاف الصومال بكل الوسائل... والتاريخ القديم والحديث خير دليل على ذلك. ولسنا الآن بصدد تفصيلها.. والحقيقة المرة هي أن العدوان الإثيوبي استغل التخاذل الغربي والتفرج العربي - أو بالأحرى الضعف العربي -والإسلامي!!
دور الجبهات من جديد
عقب أحداث 11 سبتمبر أصبح جل الفصائل وطبعًا ليس كلها- بوقًا للادعاءات الإثيوبية..
وأورد بعض الصحف الصومالية التقارير التي قدمها بعض زعماء الفصائل الصومالية الموالين لإثيوبيا مثل حسين عيديد الابن إلى الرئيس الأمريكي بوش الابن. كما ذكرت صحيفة الوطن في عددها ١٤٨ في 24/11/2001م.
وصرح أحدهم مرارًا بوجود معسكرات تدريب تابعة لتنظيم القاعدة في مناطق عديدة من الصومال مثل: مدينة بوصاصو في الشمال الشرقي أو شواطئ رأس كامبوني في أقصى الجنوب وغيرها بل ذهب أبعد من ذلك وأعتقل بعض الشباب وحلق رؤوسهم وسجل لهم أشرطة فيديو تتضمن اعترافات لهم بأنهم تدربوا في معسكرات في جنوب الصومال، وكانوا في طريقهم إلى أفغانستان أيام الغارة عليها.
وخلاصة القول فإن هذه الزعامات الجبهوية التي احتضنتها إثيوبيا انتفخت عقب أحداث ۱۱ سبتمبر وقامت بعمليات عسكرية في مناطق عديدة من الصومال بعد أن حصلوا دعمًا عسكريًا من إثيوبيا.
وقد أدى ذلك إلى زعزعة الاستقرار الهش في البلاد، وإلى مواجهات دامية في مناطق عديدة من الصومال مثل: ولاية بونت لاند في شمال شرق البلد، ومقديشو العاصمة، وبيدوة، وجوهر، وبارطيري، وبلد حواء وغيرها، وراح ضحية لذلك مئات القتلى ونزحت آلاف الأسر إلى داخل البلاد وخارجها وخاصة كينيا المجاورة.
ضربات على التجارة والاقتصاد
في اليوم السابع من شهر نوفمبر عام ٢٠٠١م، أعلنت الإدارة الأمريكية تجميد أرصدة ٦٢ جهة من أشخاص ومؤسسات تجارية، وجلها كان مرتبطًا بمؤسستين تجاريتين هي البركات والتقوى.
ما بين هذا العدد كانت شركات وشخصيات صومالية، أبرزها مجموعة شركات البركات التجارية.. وهي شركات من أبرز الشركات التجارية في البلاد، ولها (٦٠) مكتبًا داخل الصومال و(۱۲۷) فرعًا في الخارج، وأبرز الخدمات التي توفرها هذه الشركات هي «الحوالة المالية» من وإلى الصومال.
ونجم عن هذا القرار الأمريكي شلل وخلل في عدد من الخدمات الأساسية التي كانت توفرها الشركات التجارية، أبرزها نظام الحوالة المالية والاتصالات الهاتفية وخدمات إنترنت، ولذا فإن ضربها أحدث خللًا كبيرًا في نظام الحوالة المالية كما أحدث شللًا كبيرًا في الاتصالات الهاتفية، وتوقفت خدمات الإنترنت.
ويمكن أن نلخص أبرز التأثيرات التي نجمت عن هذا القرار الأمريكي في البنود التالية:
الخسائر المالية التي تكبدتها الأشخاص والهيئات التي كانت تمتلك الودائع والأسهم في الشركات التي تم تجميد أرصدتها.
قد تكون الوديعة خمسين دولارًا مثلًا أرسلها فرد في الغرب أو الخليج إلى أسرته في الصومال كإعانة مالية، أو مئات الآلاف من الدولارات لرجل أعمال يملك أسهمًا في الشركة، أو عشرات الآلاف من الدولارات أودعتها المنظمات الإغاثية لحفظها...
فقدان فرص العمل عقب إغلاق شركات عديدة في بلد كان أصلًا تقل فيه فرص العمل، وهذا يؤثر مباشرة على أسر الأفراد الذين فقدوا وظائفهم.
انخفاض المبالغ المالية التي كانت تحولها الجاليات الصومالية في المهجر إلى أسرهم وأقاربهم في البلد، مما كان له تأثيره المباشر على الحياة المعيشية لعدد هائل من الأسر التي كانت تعتمد على المعونات المالية التي كانوا يحصلون عليها من أقاربهم في الخارج.
توقف أو انخفاض بعض الخدمات مثل: الحوالة المالية، والاتصالات الهاتفية، وخدمات إنترنت، وقد أثر ذلك على أعمال القطاع التجاري والمنظمات الطوعية وغيرها فمن كانوا يستخدمون هذه الخدمات في نقل الأموال والمعلومات من مكان إلى آخر..
التأثيرات النفسية التي خلفتها تلك القرارات على نفوس الناس، فمثلًا نظام الحوالة المالية يعتمد على الثقة المتبادلة. ولكن هذه التطورات قوضت الثقة وهزت الأجواء العامة بالشكوك وعدم الثقة بالآخر.
حشود عسكرية
على الصعيد العسكري توافدت فرق عسكرية وعتاد عسكري متطور من الدول الغربية إلى المياه التي تحيط الصومال من البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي منذ الربع الأخير من عام ٢٠٠١م. جاءت هذه الحشود العسكرية من دول غربية منها الولايات المتحدة الأمريكية، ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، بريطانيا وغيرهم.
وتتمركز هذه الحشود في الأراضي الجيبوتية بحرًا وبرًا وجوًا بزعم التصدي لعناصر من تنظيم القاعدة قد تهرب إلى الصومال والحيلولة دون إيجاد مراكز لها في المنطقة.!!
ويعتقد البعض أن حجم القوة المرابطة الآن في المنطقة أكبر بكثير من أداء هذه المهمة الاحتياطية.
وهذه الجيوش التي ترابط في المنطقة لها تأثيرات غير عسكرية على الأصعدة الاجتماعية والثقافية والأخلاقية في المنطقة وخاصة في جمهورية جيبوتي.
مخاوف على التعليم وعروبة الصومال
عقب انهيار الحكومة المركزية في الصومال مطلع عام ۱۹۹۱م حاول عقلاء المجتمع الصومالي إنقاذ الجيل الحالي من براثن الجهل، فكونوا مدارس أهلية بمراحلها المختلفة... ويدرس جل هذه المدارس باللغة العربية، وهي لغة رسمية في الصومال، ويستفيد أقل من ١٠% من البالغين في سن التعليم من هذه المدارس.
وعقب أحداث ۱۱ سبتمبر أصبحت المدارس الأهلية في الصومال محل خوف من الولايات المتحدة... وتناولت الأقلام تلك المدارس العربية ووصفتها بأنها حقول لتفريخ العناصر الأصولية المتطرفة أو معامل لإنتاج الاستشهاديين «الانتحاريين» أو المدارس التي تمهد لبروز مجتمع عربي في القرن الإفريقي... إلخ.
ويؤكد بعض المصادر العلمية أن وزارة الدفاع الأمريكية بعد أن قامت بمسح شامل للصومال شمل الأجواء والبحار، والغابات والجبال، وكل ركن وزاوية فيه لم تعثر على معسكرات تدريب لتنظيم الاتحاد الإسلامي أو لغيره من المنظمات الإرهابية، إلا أنها أكدت توجسها وقلقها من المدارس العربية التي قد تنتج يومًا عناصر دينية.
وهكذا أصبحت المدارس العربية في بلد عربي أكبر تهديد للأمن القومي الأمريكي!!
ومن الغريب أن الدول العربية والإسلامية لا تدري ولا تعير أدنى اهتمام لما يدور في الصومال من صراع حضاري، وهجمة شرسة على اللغة العربية والثقافة الإسلامية.
افتراضات خاطئة
استندت الرؤية الأمريكية حيال الصومال عقب أحداث ۱۱ سبتمبر إلى افتراضات خاطئة، ومن المؤسف والمضحك أيضًا أن القوة العظمى في العالم أخذت قرارات جسيمة جراء افتراضات خاطئة ضد مجتمع أنهكته الحرب الأهلية أكثر من عقدين.
وهذه الافتراضات الخاطئة يمكن تلخيصها في البنود التالية:
الاعتقاد بوجود علاقة بين جماعة الاتحاد الإسلامي في الصومال وتنظيم القاعدة التي يتزعمه أسامة بن لادن، وهذا وهم خاطئ روجت له إثيوبيا العدو اللدود للصومال طبعًا لتصفية حسابات سابقة.
وجود قواعد عسكرية أو مراكز تدريب تابعة لجماعة الاتحاد الإسلامي، أو تنظيم القاعدة في الصومال. وهذا الاعتقاد أوهن من الوهم السابق.
صحيح أن جماعة الاتحاد الإسلامي كانت تدير معسكرات لها في الصومال مطلع التسعينيات، ولكن انهارت تلك المعسكرات واحدًا تلو الآخر عقب المواجهات المسلحة (!!!) التي خاضتها جماعة الاتحاد الإسلامي ضد عشائر صومالية.
إضافة إلى ذلك فإن جماعة الاتحاد الإسلامي، استخدمت قوتها العسكرية في مطلع التسعينيات ضد «الإنسان الصومالي» فكانت جزءًا من الحرب الأهلية في الصومال كغيرها من الفصائل الصومالية المسلحة، وليس لها أجندة عالمية مثل تنظيم القاعدة.
كما أنها ليست جماعة فاعلة في الصومال في الوقت الراهن عقب اصطدامها مع المجتمع الصومالي فكريًا وعسكريًا.
وجود علاقة تجارية بين أسامة بن لادن وبين بعض مؤسسات تجارية صومالية مثل: البركات.
المخاوف من غياب إدارة مركزية فعالة في الصومال يجعلها ملاذًا أمنًا «مفضلًا» للجماعات الإرهابية، وهذا صحيح من الناحية النظرية، ولكنه شبه مستحيل من الناحية العملية، إذ لا يمكن أن تختفي عناصر أجنبية في مجتمع صغير تخالفه في اللون والعادات والشكل، كما أن المجتمع الصومالي لا يرحب بهم بسهولة.
أن الحكومة الوطنية الانتقالية في مقديشو هي قناع أو قاعدة خلفية للأصولية الإسلامية مثل إدارة طالبان في أفغانستان وهذا وهم روجت له إثيوبيا، طبعًا لتصفية حسابات سابقة أيضًا!!
الاتهامات بأن معدات و«أشخاصًا» استخدمت في تفجير سفارتي نيروبي ودار السلام عبرت الصومال في طريقها إلى كينيا عام ۱۹۹۸م.
الاعتقاد بأن عناصر من تنظيم القاعدة شاركت في حرب الجنرال عيديد مع القوات الدولية في الصومال عام ۱۹۹۳ م حيث قتل (۱۸) من الكوماندوز الأمريكي.
وعلى الرغم من الدعاية الإثيوبية المتكررة في ترويج وتكثيف هذه الأوهام واستخدامها عناصر صومالية بوقًا لها في هذا الهدف، إلا أن الأيام أثبتت بطلان هذه الأوهام والادعاءات كما أن العقلاء الغربيين تأكدوا من كذبها.
وعلى الرغم من توقف الإدارة الأمريكية عن الإقدام علي ضرب الصومال، إلا أن تأثيرات المواقف الأمريكية على الشعب الصومالي وعلى الحكومة الوليدة في مقديشو كانت كارثية بالمرة وما زال الشعب الصومالي يعاني منها حتى اليوم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل