; المجتمع التربوي: 1134. | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي: 1134.

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يناير-1995

مشاهدات 167

نشر في العدد 1134

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 17-يناير-1995

تربية النفس اللوامة

صباح عبود أبو الحسن

الإيمان الحقيقي بالله تعالى واليوم الآخر يدفع المسلم إلى طاعة الله ورضوانه وجنات فيها نعيم مقيم.. لأن هذا الإيمان يعصم العبد من الانحراف أو الميل إلى الشهوات.. فهو في خوف من الله يحس بأنه يراه، وله واعظ من نفسه يقول: «يا باغي الشر أقصر».

فإذا عمل سيئة بادر إلى التضرع والتوبة والاستغفار، هذا الندم ناتج عما يسمى بالنفس اللوامة التي أكرمها الله فأقسم بها في كتابه فقال:

﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (القيامة: 1-2).

واللوامة من التلوم أي التلون والتردد، أو من اللوم: وهى التي تندم على ما فات وتلوم عليه.

قال "ابن عباس"- رضي الله عنه- «كل نفس تلوم يوم القيامة.. تلوم المحسن ألا يكون قد ازداد إحسانًا .. وتلوم المسيء ألا يكون رجع عن إساءته».

إذًا فهي تعاتب صاحبها على كل حال فإن كان خيرًا حمد الله وإن كان شرًا استغفر الله وتاب نادمًا على ما جرى منه اتباعًا للهوى، يقول "لحسن البصري"- رضي الله عنه- «إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته.. يستقصرها في كل ما يفعل.. فيندم ويلوم نفسه، وإن الفاجر يمضي قدمًا لا يعاتب نفسه».

ضرورة المحاسبة للنفس واتهامها بالتقصير

لذلك وجَّه الله النداء للمؤمنين الصادقين حتى يعاتبوا أنفسهم وينظروا في أعمالهم أهي من الصالحات تنجيهم أم من السيئات التي توبقهم؟ قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ (الحشر: 18)

فلا بد من عتاب النفوس، من أهمل حساب نفسه اليوم اشتد حسابه غدًا ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا (آل عمران: 30)

فهي تحتاج إلى اللوم وأن تتهمها في جميع الأوقات، وتجرها إلى المكاره جرًا فالجنة حُفَّت بالمكاره، ومن نظر إلى شيء منها باستحسان كان مغرورًا.. لأن النفس داعية إلى كل قبيح متبعة للهوى، وكان دأب الصالحين محاسبة أنفسهم، وتربية اللوم فيها "فالأحنف بن قيس" يجيء إلى المصباح فيضع إصبعه فيه ويقول: «حس يا حنيف ما حملك على ما صنعت يوم كذا».

لماذا يفعل ذلك؟ لأن النفس اللوامة تجلب الخير لصاحبها، يقول "الحسن البصري"- رضي الله عنه-: «إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه وكانت المحاسبة من همته». 

إن لوم النفس ومقتها في ذات الله من صفات الصدِّيقين ويقرب العبد من ربه ما لا يقربه عمله، يقول مالك بن دينار: «إن قومًا من بني إسرائيل كانوا في مسجد لهم في يوم عيد فجاء شاب حتى قام على باب المسجد فقال: «ليس مثلي يدخل معكم.. أنا صاحب كذا أنا صاحب كذا .. يذري على نفسه «فأوحى الله إلى نبيهم أن فلانًا صِدِّيق».

ويقول "وهب بن منبه": إن رجلًا سائحًا عبد الله- عز وجل- سبعين سنة ثم خرج يومًا فقلل عمله وشكا إلى الله تعالى منه واعترف بذنبه فأتاه آتٍ من الله فقال: «هذا أحب إليّ من عملك فيما مضى من عمرك». 

طرق وأساليب تربوية

فما الطرق والأساليب التي ربى بها الإسلام النفوس حتى وصلت إلى هذه الدرجات؟

١- الخوف من الله والشعور بعظمته واطلاعه على العبد

فما من صغيرة أو كبيرة من خير أو شر إلا وقد أحصاه الله- عز وجل- ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (لقمان: 16) 

وقد كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل إذا أعطوه فيجيء المسكين إلى أبوابهم فيستقلون أن يعطوه التمرة فيردونه ويقولون «إنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه» وكان آخرون يرون أنهم لا يلامون على الذنب اليسير كالكذبة والنظرة ويقولون «إنما وعد الله النار على الكبائر»، فنزلت هذه الآية: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (الزلزلة: 7-8)

وحتى تبقى النفوس في لوم دائم وحذر، وجَّه الإسلام نداءه إلى عدم احتقار الأعمال.. إن احتقر الحسنات ذكرته نفسه بقول "رسول الله" - صلى الله عليه وسلم - :«لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء أخيك.. ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط».

وإن احتقر السيئات ذكرته نفسه بقول "رسول الله"- صلى الله عليه وسلم-: إن الصغائر تجتمع على المؤمن حتى تهلكه» «ولا تحقرن صغيرة.. إن الجبال من الحصى».

۲- الشعور بمراقبة الله تعالى:

ومما يربي النفس اللوامة أن يعلم أن الله يراه في كل حال: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (غافر: 19)، فإذا علمت هذه الحقيقة فاحذر أن يزيغ البصر إلى ما حرَّم الله من امرأة حسناء أو شهوة خفية وردِّد هذا النداء: يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وقد وعظ الإسلام هذه النفوس الضعيفة بقوله- صلى الله عليه وسلم-: «من غض بصره عن محارم الله أبدله الله حلاوة يجدها في قلبه». ويقوله - صلى الله عليه وسلم-: «ثلاث أعين لا تمسها النار، عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله وعين غضت عن محارم الله». 

وحتى تستبين عظمة الله وعلمه بالعباد تعالَ معي إلى قصة "المجادلة" التي جاءت تشتكي من زوجها فيما بينها وبين "الرسول" - صلى الله عليه وسلم - سرًا تناجيه، تقول "عائشة" وكانت قريبة منها: 

«الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت "المجادلة" إلى "النبي" - صلى الله عليه وسلم - تكلمه، وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله من فوق سبع سماوات ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (المجادلة: 1).

وعندما استقرت هذه الحقيقة في النفوس المؤمنة استشعروا عظمته سبحانه فلانت جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله. 

وقد رأى "عمر بن الخطاب" راعي غنم فقال له أعطنا منها فقال الراعي إنها لسيدي وليست ملكًا لي، فقال له "عمر" يختبره: «قل لسيدك أكلها الذئب»، فقال الراعي «فأين الله؟». هذه الكلمة هزت كيان "عمر" فارتجف خاشعًا باكيًا، ذلك الجبل الذي قال الله فيه ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (الأنفال: 2).

ومما يربي النفس اللوامة المُراقَبة، فالله يراقب العبد، ثم الملائكة عن الشمال واليمين، وسوف تشهد عليهم الأرض وحتى الجوارح التي بين جوانحهم، ﴿أيْنَ الْمَفَرُّ، كَلَّا لَا وَزَرَ، إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرّ﴾ (القيامة: 10-12) وكيف يستتر العبد من الله وهو معه؟ وكيف يستتر من الأرض وهو يعيش فوقها؟ وكيف يستتر من جوارحه وهي بعض منه؟ ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (فصلت: 21).

إن الشعور بعظمة الله تعالى والمراقبة له حال دون المعاصي وأحرق الشهوات فمن عظّم ربه عظّم معصيته وهانت عليه طاعته ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ (نوح: 13)

الشمس والبدر من أنوار حكمته 

والبر والبحر فيض من عطاياه

الوحش قدسه والحوت ناجاه 

والنمل تحت الصخور الصم مجده

والناس يعصونه جهرًا فيسترهم 

والعبد ينسى وربي ليس ينساه

٣ـ معرفة الجنة والنار

لا معرفة الفكر وإنما معرفة الوجدان والمشاعر ونوجز ذلك بقول "الرسول" - صلى الله عليه وسلم - واصفًا حال أهل النار:

«يلقى على أهل النار الجوع، فيعدل ما هم فيه من العذاب!! فيستغيثون، فيغاثون بطعام من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع.. فيستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة فيتذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب.. فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد، فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم». 

قال تعالى: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (الكهف: 29)

فإذا دخلت بطونهم قطعت ما في بطونهم قال سبحانه ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ (محمد: 15) فيقولون ادعوا خزنة جهنم فيقولون ألم تكن تأتيكم رسلكم بالبينات؟ قالوا بلى.. قالوا: فادعوا وما دعاء الكافرين إلا فى ضلال، فيقولون ادعوا مالكًا فيقولون: «يا مالك ليقض علينا ربك».. يقول "ابن عباس"- رضي الله عنه-: «ينادونه ألف عام لا يجيبهم»، قال فيجيبهم إنكم ماكثون.. فيقولون: ادعوا ربكم فلا أحد خير من ربكم فيقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّيْنَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ (المؤمنون: 106) قال فيجيبهم ﴿اخسَئُوا فِيْهَا وَلَا تُكَلِّمُونَ﴾ (المؤمنون: 108) فعند ذلك يئسوا من كل خير وعند ذلك يأخذون بالزفير والحسرة والويل». 

وأخيرًا أحباب "رسول الله" ذكِّروا أنفسكم بقول "عمر" - رضي الله عنه- إذ يقول: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا وتزينوا للعرض الأكبر» ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ (الحاقة: 18).

نسأل الله أن يكون ذلك حجة لنا لا علينا.

لازم الدمع تكن أعبد الناس 

الدعاء لذة. والدعاء وصال، لصاحب الدمع لا غير.. 

وما الإيمان في حقيقته إلا دعاء، ولا إيمان حق بدون دموع.. كانت حياة "النبي"- صلى الله عليه وسلم - كلها دمع.. إذا صلى دمع.. وإذا خطب دمع.. وإذا رأى مسكينًا دمع.. وإن أصاب حسرة دمع.. وفي الجهاد داعٍ دامع.. وفي الفتح شاكر دامع.. وكذا الخلفاء والصالحون من بعده. 

الدمع طهارة من الذنب.. تفريج من الهم.. تفريغ للنفس.. تسلية وتسرية للضمير.. الدمع ثقة بين المؤمن وربه.. أو شهادة قبول له.. أو إيذان للأسرار معه.. فإذا كان الكرب دعا المؤمن بهذه الأسرار فانفرجت عنه لتكون بشرى قبول.

الدموع سر توفيق الداعي في دعوته وحب الناس له.. وسر نفاذه بسماحته ووقاره إلى قلوب الخلق.. «فالعيون التي تدمع هي العيون التي تجمع»، كما قال الأستاذ "عباس السيسي" في كتابه «الدعوة إلى الله حب». 

فما بال جمع من العاملين لا تدمع أعينهم إلا قليلًا .. ولا تدعوا الله قلوبهم إلا يسيرًا .. ولا يتصلون بالآخرة إلا ذكرًا عابرًا، أو تعليقًا خاويًا .. وليس لهم مع الله أسرار تنجيهم.. أو وصال يعز ضمائرهم.. ما بال أمثال هؤلاء لا يعرفون من الدعوة إلا تطبيق برامج أو تنفيذ إجراءات.. أو سلوك الإدارات. 

أيها الأعزاء: إن البرامج لن تنجي.. وإن الانتساب لا يشفع.. وإن عبادة الإداري الإسلامي البحتة باطلة في محاريب العابدين.. إنها الركون إلى الدنيا حقيقة وإن تستر ظاهرًا.. إنها الجفوة والران.. فليحزم الجميع الأمتعة وليستعد للسفر وليلازم الدمع فإننا والله مسافرون مسافرون.. أيها الأخ العامل لازم الدمع تكن أعبد الناس.

 سامي محمد

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 285

114

الأربعاء 04-فبراير-1976

تقوى الله

نشر في العدد 435

72

الثلاثاء 06-مارس-1979

نقاط.. في البال