; تركيا والأكراد…. لحظة تاريخية | مجلة المجتمع

العنوان تركيا والأكراد…. لحظة تاريخية

الكاتب عدنان بو مطيع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أغسطس-1999

مشاهدات 66

نشر في العدد 1361

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 03-أغسطس-1999

]أن تصدر تركيا حكم الإعدام على عبد الله أوجلان فقد كان ذلك أمرًا متوقعًا، سيما أن الرجل ليس متهمًا في قتل تركي أو اثنين، بل متهم في إنشاء منظمة انفصالية قتلت ٢٩ ألف تركي خلال كفاح مسلح امتد لأكثر من ١٥ عامًا.

تقع الحكومة التركية تحت ضغط شديد من جهتين: العسكر الذين تلقوا ضربات حزب العمال الذي كان يقوده أوجلان والجهة الثانية الشعب التركي الذي يرى في أوجلان عدو الدولة الأول ومهدد مستقبلها وقاتل شبابها من الجنود الأتراك.

صورة أوجلان – الإرهابي لا المناضل – الصورة التي رسمها الإعلام التركي طيلة سنوات الصراع المرير، وليس من المعقول بعد كل هذه المعاناة والمآسي أن يكمل أوجلان حياته سجينًا محاطًا بحراسة مشددة، بل لابد من الانتقام بالقتل، وهذا ما كانت تكرره الصحافة التركية قبل وبعد اعتقال أوجلان ومحاكمته، إذن فالحكومة التركية في وضع لا تحسد عليه سيما أن المطالبات الإقليمية والدولية وخاصة الغربية تدعو أنقرة إلى تخفيف الحكم إلى المؤبد حتى لا يثير الإعدام الأكراد الموالين لأوجلان على أراضيها.

 كان يمكن لتركيا استيعاب حركة التمرد الكردي ثم احتواؤه فإنهاؤه، لكن التدخل العسكري الذي فرضه الجيش التركي في القضية جعل من أوجلان وحزبه رموزًا تاريخية للشعب الكردي، كان يمكن إقناع الأكراد بالتخلي عن حزب العمال وقائده أوجلان فطروحات الحزب الماركسية كانت في سبيلها إلى الانقراض الطبيعي كما انقرضت الاشتراكيات القائمة في أوروبا الشرقية، وكذلك في الوطن الأم الاتحاد السوفييتي السابق.

كما أن السلوك الفظ والوحشي لأوجلان ضد مواطنيه من الأكراد (أكرر الأكراد) جعله شخصية ممقوتة، فقد كان يجبر شباب القرى الكردية في جنوب شرق تركيا على الانضمام لحزبه تحت تهديد السلاح، وبدعوى السعي لإقامة دولة كردستان الكبرى، وهذا ولد الكراهية بين الأكراد لحزب العمال في تلك المناطق وجعلهم ينضمون طواعية لقوات الدفاع الذاتي التي مولها الجيش التركي.

إذن كان حزب العمال حزبًا فاشلًا وفي سبيله إلى الانحسار لولا التعامل التركي مع ملف القضية الكردية، وتحديدًا استلام الجيش لهذا الملف وسلطته المطلقة لعلاج الموضوع.

لقد تضمن علاج العسكر التركي للتمرد الكردي سلسلة من الإجراءات بعثت الحياة في نشاط حزب العمال وأرغمت الأكراد العاديين على التعاطف وربما الانضمام الفعلي إلى صفوف حركة التمرد، وساهم الإعلام التركي الموجه من قِبل المؤسسة العلمانية من صحافة ومؤسسات وأقنية في جعل حركة أوجلان حركة شعبية كردية لها مؤيدوها داخل تركيا وخارجها، فمن أجل القضاء على أنصار أوجلان دمر الجيش التركي العشرات من القرى الكردية بل اتبع سياسة الأرض المحروقة تجاهها بتهمة إيوائها لعناصر حزب العمال.

وكانت الحشود العسكرية التركية التي كانت تمر بالقرى الكردية سواء داخل تركيا أو في شمالي العراق مصدر أذى للسكان المدنيين من الأكراد، فحرق البيوت وضربها بالطيران والمدفعية، وتدمير المحاصيل الزراعية، وقتل الماشية كلها إجراءات كانت تضر بسمعة الجيش وتؤلب العواطف الكردية ضده حتى لو كان هؤلاء الأكراد على نقيض من حركة التمرد.

ثم إن ما قامت به الحكومات التركية المتتالية من حرمان الأكراد من التحدث بلغتهم وتعليمها لأبنائهم، وإطلاق تسمية أتراك الجبل عليهم بما يتضمنه من مسخ واضح للهوية الكردية، كل ذلك جعل أسباب الكراهية متأصلة في نفوس الأكراد تجاه الأتراك.

 هذه الاعتبارات السياسية والتاريخية جميعها استفاد منها حزب العمال في دعم صراعه مع الدولة التركية، واستطاع أن يكون الحزب الأول والناطق باسم خمسة وعشرين مليون كردي يعيش منهم ثمانية ملايين في تركيا، والبقية موزعة في إيران والعراق وسورية، وفي شتات العالم الواسع.

 ولذا فإن إعدام أوجلان سيكون بداية المرحلة خطيرة ودموية من الصراع بين الأكراد والدولة التركية، وليس كما تعتقد الأوساط الرسمية داخل تركيا من أن إعدام أوجلان هو إعدام للقضية الكردية، وإنهاء لحركة التمرد.

فالدم لا يورث إلا الدم، بل سيصبح أوجلان حيًّا في وجدان شعبه ورمزًا قوميًّا بعد إعدامه، ومن هنا تأتي اللحظة التاريخية التي يجب أن تقتنصها أنقرة لعلاج أزمتها الطويلة مع الأكراد من خلال تخفيف الحكم، وإعادة النظر في السياسة العامة تجاه الأكراد، وفتح المجال أمام ممارسة حقوقهم ضمن القانون، حقوقهم في العيش الكريم ومزاولة النشاطات التي تضمن لهم نقاء هويتهم، وليس هذا من باب التنازل الذي قد يتصوره بعض علاق الكماليين الأتراك، بل هو تصحيح لمسار بدأ خاطئًا منذ قيام الجمهورية التركية في العشرينيات في التعامل مع شعب له تاريخه وثقافته التي يجب أن تنال حقها الطبيعي في العيش والنماء.

بعض الكتابات في الصحف التركية بدأت تردد أن إبقاء أوجلان على قيد الحياة فيه السلامة للمصالح التركية.. ولعل ذلك بداية صحوة نرجوها لسلامة تركيا واستقرارها.

الرابط المختصر :