; من الحياة.. تسرية المصابين | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة.. تسرية المصابين

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 04-يوليو-2009

مشاهدات 62

نشر في العدد 1859

نشر في الصفحة 56

السبت 04-يوليو-2009

يقول يحيى بن معاذ بن آدم، مالك تأسف على مفقود لا يرده عليك الفوت؟ ومالك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت؟ فإذا علم الجازع على المصيبة أن الجزع لا يرد ما فات، وأنه يسر الشامت، فأي عقل لمن لم يتفكر في العاقبة، ويذكر مآله إلى مصيبة أصابت غيره أنها تصيبه في نفسه، وأنه أمر لا بد منه فليستعد له؟!!

إن امرأة من العابدات بالبصرة كانت قد اشتدت عليها المصائب، فلما سمعت قول يحيى بن معاذ هذا قالت: ما أصاب بمصيبة فأذكر معها النار إلا صارت في عيني أصغر من الذباب.

إن تعامل هذه المرأة مع المصيبة لتعامل يفيض إيمانًا وحكمة، وهو تسرية لها وتسلية عن البلوى والشدة، وللتسرية عن المصابين طرق ووسائل متعددة متنوعة، سأحاول من خلال هذه السطور أن أعرض بعضها:

أولا: أن يعلم المصاب أن حظه من المصيبة ما يحدثه هو كرد فعل على ما أصابه، فإن رضي بالمصيبة كان نصيبه أن يرضى الله عنه، وإن سخط منها كان نصيبه - والعياذ بالله - سخط الله تعالى.

وفي هذا السياق يقول أبو الدرداء رضي الله: «إن الله إذا قضى قضاء أحب أن يرضى به».

وكان عمران بن الحصين رضي الله عنه يقول في مرضه: أحبه إليّ أحبه إليه.. وقال – بعده - أبو العالية: «وهذا دواء المحبين وعلاجهم لأنفسهم، ولا يمكن كل أحد أن يتعالج به».

ثانيًا: إحسان تعزية النفس: روى ابن أبي حاتم بإسناده في تفسيره عن خالد بن يزيد بن عياض عن عقبة أنه مات له ابن يقال له يحيى، فلما نزل في قبره قال له رجل: والله إن كان لسيّد الجيش فاحتسبه فقال والده وما يمنعني أن أحتسبه وكان من زينة الحياة الدنيا، وهو اليوم من الباقيات الصالحات؟

فما أحسن تعزية هذا الرجل لنفسه، وما أحسن فهمه، وما أحسن ثقته بما وَعَدَه ربه من ثواب المحتسبين.

ثالثًا: أن يتذكر المصاب عظمة الله الذي بيده أقدار العباد: فلقد أنشدت والدة عمرو بن ود -الذي قتله علي بن أبي طالب في غزوة الأحزاب- في رثاء ابنها:

لو كان قاتل عمرو غير قاتله                ما زلت أبكي عليه دائم الأبد 

لكن قاتله من لا يُقاد له                     من كان يُدعى أبوه بيضة البلد 

فالذي سرى عنها وسلاها عن قتل ابنها عظمة القاتل وجلاله، فإذا علمنا أن علي بن أبي طالب مخلوق من مخلوقات الله، وهو بشر، فكيف بجلال الله وعظمته، وهو الذي يتوفى الناس جميعًا، وهو الذي بيده الأمر كله ويقدر أقدار العباد؟!!

رابعًا: التأسي ببعض ما كان يفعله السلف إذا نزلت بهم المصائب: ومن ذلك مثلا: موقف فاطمة الزهراء رضي الله عنها فإنها لما أصيبت بمصيبة موت أبيها رسول الله ﷺ قالت: يا أبتاه، من ربه ما أدناه، يا أبتاه إلى جبريل أنعاه، يا أبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه.

خامسًا: مجالسة العلماء والناصحين فقد توفي لرجل من السلف ولد، فعزاه سفيان بن عيينة ومسلم بن خالد وآخرون وهو في حزن شديد - حتى جاءه الفضيل بن عياض، فقال: يا هذا، أرأيت لو كنت في سجن وابنك، فأفرج عن ابنك قبلك أما كنت تفرح؟ قال: بلى، قال: فإن ابنك خرج من سجن الدنيا قبلك.

قال: فسري عن الرجل، وقال: تعزيت.

وعن القاسم بن محمد قال: هلكت امرأة لي فأتاني محمد بن كعب القرظي يعزيني بها، فقال: إنه كان في بني إسرائيل رجل فقيه عالم عابد مجتهد، وكانت له امرأة كان بها معجبًا فماتت فوجد عليها - أي حزن عليها - وجدًا شديدًا، حتى دخل في بيت، وأغلق على نفسه، واحتجب. فلم يكن يدخل عليه أحد، فسمعت به امرأة من بني إسرائيل، فجاءته فقالت: أستفتيك في أمر. قال: وما هو ؟ قالت: إني استعرت من جارة لي حليا، فكنت ألبسه زمانا، ثم إنها أرسلت تطلبه، أفأرده إليها؟ قال: نعم والله!! قالت: إنه قد مكث عندي زمانًا!! فقال: ذاك أحق لردك إياه!! فقالت له: يرحمك الله أفتأسف على ما أعارك الله ثم أخذه منك وهو أحق به منك؟!! فأبَصَرَ ما كان فيه ونفعه الله بقولها. رواه مالك.

وينبغي لنا أن نتعلم من هذا الموقف أن كل شيء نرتبط به ونزعم لأنفسنا حقًّا فيه.. فإن رباط الله به أوثق، وحق الله فيه أسبق؛ فالزوجة والولد والوالد، والصديق والحبيب... هؤلاء جميعا قريبون من الإنسان، إلا أن صلة الله بهم أقوى، وحقه سبحانه عليهم أوجب، فإذا فقد المصاب زوجته أو ولده أو والده أو صديقه أو حبيبه ينبغي أن ينطق بلسان الحال والمقال قائلا: لقد استرد الله الملك عبده!!

سادسًا: أن يقارن المصاب بين بلاء الدنيا والآخرة، ليهون على نفسه بلاء الدنيا مهما كان شديدًا فإنه لما حضرت معاوية رضي الله عنه الوفاة.. قال: أقعدوني، فأقعدوه، فجعل يذكر الله ويسبّحه، ثم قال: الآن تذكر ربك يا معاوية بعد الانحطام والانهزام!! ألا كان ذلك وغصن الشباب ريان؟! ثم بكى حتى علا بكاؤه، وأنشد:

هو الموت لا منجا من الموت والذي                 أحاذر بعد الموت أدهى وأفظع

ثم دعا وتضرع إلى ربه قائلا: اللهم يا رب ارحم الشيخ العاصي والقلب القاسي، اللهم أقل العثرة، واغفر الزلة، وجد بحلمك على مَنْ لا يرجو غيرك، ولا يثق بأحد.

سابعًا: مجاهدة النفس بمداومة طاعة الله؛ وذلك بتأدية الواجبات رغم المكاره ووقاية النفس من الشهوات والنأي عن المعاصي، والاتجاه الحازم إلى ما يرضي الله فتلك هي روح العفاف الذي يدفع المؤمنين دائما إلى أن يتضرعوا إلى ربهم قائلين: (رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَتَوَفَّنَا مُسۡلِمِينَ) (الأعراف: 126).

فالصبر على أوامر الله بتنفيذها، وعلى نواهيه سبحانه باجتنابها، يحتاج إلى مقاومة شديدة للمغريات التي يبثها شياطين الإنس والجن صباح مساء في طريق الناس وحياتهم، وذلك من أقوى الوسائل والطرق التي تسري عن النفس، وتثبتها عند التعرض للشهوات والمغريات.

ثامنًا: أن يدرك المصاب أن ثمرة الأجر لا تنضج ولا تجنى إلا بعد طول صبر: يقول فضيلة الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله: «والتريث والمصابرة والانتظار خصال تتسق مع سنن الكون القائمة ونظمه الدائمة فالزرع لا ينبت ساعة البذر، ولا ينضج ساعة النبت، بل لا بد من المكث شهورًا حتى يجتني الحصاد المنشود.. والجنين يظل في بطن الحامل شهورًا حتى يستوي خلقه، وقد أعلمنا الله عز وجل أنه خلق العالم في ستة أيام، وما كان ليعجز الله أن يقيم دعائمه في طرفة عين أو أقل، وتراخي الأيام والليالي على الناس هو المدى الذي تقتطع منه أعمارهم، وتستبين فيه أحوالهم، وتنضج على لهبه الهادئ طباعهم، ثم ينقلبون بعد إلى بارئهم.. فالزمن ملابس لكل حركة وسكون في الوجود، فإذا لم نصابره اكتوينا بنار الجزع، ثم لم تغير شيئا من طبيعة الأشياء التي تسير حتما على قدر».

تاسعًا: إدراك حقيقة الابتلاء وضرورته: وخاصة إذا ابتلي المسلم في دعوته إلى الله؛ لأن استمرار الدعاة على جادة الحق وأخذهم أنفسهم بالصبر من أقوى الوسائل والأسباب لنشر دين الله تعالى، وأيضا من طرق نجاة الداعية في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ) (البقرة: 214).

إنها سنة الله الدائمة الباقية المستمرة في تمحيص المؤمنين وإعدادهم ليدخلوا الجنة، وحتى يكونوا أهلاً لها: أن يدافعوا عن الدين والعقيدة، وأن يتحملوا في سبيلها الضر والبأس، والشدة والألم، وألا يضعفوا ولا يهنوا تحت مطارق المحن والفتن، فإن هم ساروا على هذا الطريق استحقوا نصر الله؛ لأنهم بذلك أمناء على دينه، يبذلون في سبيله النفس والمال، ويثبتون فلم يغيروا ولم يبدلوا، بل تثبت قلوبهم حتى إن كانت المحن زلازل، وعندها يأتي نصر الله!!

فالصبر وإن كان ثمرة يخضع من أجلها المؤمنون لبرامج تربوية سامية، إلا أنه يهب النفوس قوة إلى قوتها، ويرفع الأشخاص ويرتقي بهم على ذواتهم، ويطهرهم من بوتقة المحن، فيصفوا العنصر البشري ويضيء ويحلق في آفاق العلا، يسمو على الطين الذي هو أصله ومنه خلق، ويزيد إيمان العبد عمقاً وقوة.

وقد بيّن رب العزة سبحانه في موضع آخر أن الابتلاء اختبار لجهاد الإنسان وصبره، قال سبحانه: ﴿أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ) (آل عمران: 142).

تصحيح مفهوم

يظن بعض الناس أن الإسلام يمجد الآلام لذاتها، ومن ثم تجدهم يتمنون الابتلاء والمصائب!! وهذا فهم خاطئ ينبغي أن يصحح، وحسبنا في ذلك قول الله سبحانه : (مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمٗا) (النساء: 147).

ومن الأدلة على ذلك أيضاً ما رواه أنس بن مالك من أن رسول الله ﷺ رأى شيخًا يهادي بين ابنيه، فقال: «ما بال هذا؟»، قالوا: نَذَرَ أن يمشي!! فقال رسول الله ﷺ: «إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني»، وأمره أن يركب (رواه البخاري).

الإسلام إذن لا يدعو أتباعه للبحث عن البلاء والابتلاء والمصائب والشدائد والاصطدام بها، ولكنه يحمد لأهل البلوى صبرهم ورضاءهم وثباتهم، وحسن يقينهم وهي مؤهلات إن أخلصوا فيها النية لله تعالى فإنها -بمشيئة الله سبحانه- ستوصلهم إلى موارد الخير في الدنيا والآخرة.

الرابط المختصر :