; تشاد ومسلسل الانقلابات الدولية | مجلة المجتمع

العنوان تشاد ومسلسل الانقلابات الدولية

الكاتب عمر ديوب

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أغسطس-1992

مشاهدات 71

نشر في العدد 1010

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 04-أغسطس-1992

إن الحديث عن جمهورية تشاد الواقعة في وسط القارة الإفريقية يقودنا إلى الحديث عن ذلك البلد الذي كان قريبًا بالأمس وبعيدًا اليوم.. ذلك البلد الذي نبا به الدهر وأضنته الفتن فتحول إلى بيدق في يد الطامعين.. نعم، تشاد المسلمة التي كانت في يوم من الأيام حلقة وسطى بين الحضارتين العربية والإفريقية، وعقبة كؤودًا أمام أنكى الحملات التبشيرية التي لم تفلح إلا بنسبة أقل من 1% من مجموع عدد السكان.

بيد أن المتأمل في شؤون هذه الدولة التي نالت استقلالها من الاستعمار الفرنسي عام ١٩٦٠ يجد أنها كانت ولا تزال مسرحًا لاضطرابات مزمنة وانقلابات متعاقبة وصراعات قبلية لها بصماتها في سياسة الدولة.

إن هذا القطر الشاسع بمساحته (1.3) مليون كلم2 والفقير بموارده (150 دولارًا الدخل السنوي للفرد) والصغير بكثافته السكانية (5.3) مليون نسمة بالمقارنة إلى مساحتها أكبر من أن يحكم وأفقر من أن يلبي الاحتياجات الأساسية لسكانه، فضلًا عن أن هذا البلد الصحراوي محشور بين ست دول وهي: ليبيا والسودان وإفريقيا الوسطى والكاميرون والنيجر ونيجيريا، ويقطنها قبائل متعددة أهمها «الفولان والوداد والماسا» إلى جانب قبائل «الهاكا والماندع».

ولم تذق تشاد حلاوة الاستقلال والاستقرار السياسي والاجتماعي بدءًا من اغتيال أول رئيس لها وهو «فرانسوا تومبالباي» في عام ١٩٧٥ إثر انقلاب دموي ومرور فترات تعاقب كل من (فيليكس مالوم، وحسين حبري وجوكوني عويدي) على السلطة إلى مجيء الرئيس الحالي «إدريس ديبي» الذي أسقط حبري بعد هجوم صاعق بدعم ليبي في ديسمبر ۱۹۹۰.

وقد دأبت ليبيا على زرع بذور التمرد عبر المنطقة سواء في تشاد أو ليبيريا أو في أوساط الطوارق في (مالي والنيجر)، غير أن المنافسات العرقية ساعدت على تسهيل مهمة ليبيا في عام ١٩٦٧ عندما قدمت دعمًا لجبهة فرولينا الثورية التي تشمل أساسًا الشماليين الساخطين على حكومة يسيطر عليها الجنوبيون ناهيك عن إقدامها في عام (۱۹۷۳) على ضم «جيب أوزو» الغني بالمعادن بدون أن تحرك الدول الأخرى في العقيدة ساكنًا.

وإلى جانب الدور الليبي فإن المتابع للشؤون التشادية يجد نفسه حائرًا لإيجاد تفسير للتدخلات العسكرية الفرنسية المتكررة لمجرد حدوث أدنى تطور في البلاد.

إن قصة باريس مع «نجامينا» قصة طويلة عمرها أكثر من ثلاثين عامًا، وما إن خرجت فرنسا من «باب الاستقلال التشادي» إلا ودخلت من جديد من نافذة الصراعات العرقية للاستيلاء على الحكم والتدخلات الخارجية التي عرفتها تشاد على مدى الأعوام الأخيرة، ويبدو أن حالة الاضطراب المزمنة جعلت الحكام المتعاقبين على السلطة يتوجهون دائمًا نحو الفرنسيين طالبين الدعم العسكري والمساعدة الاقتصادية الضرورية ليس فقط لتأمين الحد الأدنى من الأمن النسبي بل أيضًا لتسيير أجهزة الدولة. 

ومن البديهي أن اندفاع فرنسا لإرسال قواتها في المرات الماضية لم يكن إلا للدفاع عمن تنصبه هناك تحت غطاء حماية أفراد الجالية الفرنسية الذين يتجاوز عددهم الثلاثة آلاف شخص وأحيانًا من أجل دعم المسار الديموقراطي، ولا ندري مضمون البروتوكول العسكري الذي تم توقيعه بين البلدين في مارس (١٩٧٦) كما نجهل مضمون بقية الاتفاقات السرية المبرمة بين البلدين وكل ما نعرفه هو أنه ليس هناك أي اتفاق للدفاع المشترك- بمعناه الحقيقي- بين البلدين، غير أن الحامية الفرنسية الحالية في تشاد والمسماة بـ«إيبيرفييه» فهي تضم 1150 فردًا مدعومين بـسبع طائرات ميراج فـ1 وأربع طائرات نقل ترانسفال، وست طائرات هيلكوبتر، كما أنها تحظى بدعم القوات الفرنسية المتمركزة في جمهورية إفريقيا الوسطى المجاورة.

ويبقى القول: إن السيل قد بلغ الزبى وقد طالت معاناة الشعب التشادي من ويلات كل الحكومات المتعاقبة والتي اتسمت جميعها بالتخبط وعدم النضج السياسي، وإن سكوت الدول الإسلامية عما يجرى فيها بين الحين والآخر أقرب إلى التجاهل وإن تسليم الزعماء التشاديين شؤون بلادهم للقوى الخارجية جعلهم ينطبق عليهم مقولة «بكل وادٍ بنو سعد».

الرابط المختصر :