العنوان تفسيرات التراث الإسلامي بين المذاهب الغربية والماركسية
الكاتب انور الجندى
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-1975
مشاهدات 8
نشر في العدد 256
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 01-يوليو-1975
إن الحملة المثارة حول التراث الإسلامي اليوم
تستهدف غرضًا واضحًا مبينًا، هو إخضاع التراث لمنهج غير منهجه الأصيل، في سبيل
استخلاص نتائج يراد بها إثارة روح الكراهية والانتقاص بين أهله والغض من مكانته
وقدره، وذلك حتى لا يكون عامل قوة للمسلمين أو دافعًا لهم لاستعادة مجدهم ومكانتهم
أو تحرير موقفهم الصحيح ودورهم المرموق الذي قاموا به والذي يوحي بأنهم مؤهلون
لإعادته كرة أخرى، حيث لا تنقصهم الإعادة وقد كانوا رائدين مبدعين.
ولقد كانت المرحلة الأولى في الغض من التراث
ومهاجمته قاصرة على عبارات التشويه والانتقاص، غير أن بعث التراث ونشره واستجاشته
القوية في السنوات الثلاثين الأخيرة قد أذهل خصوم الإسلام وأعجلهم إلى الدخول في
مرحلة جديدة يرون أنها أشد تأثيرًا في النفوس، ومن هنا كانت تلك المحاولات التي
تجرى لتفسير التراث ولاقتناص شذرات منه من هنا وهناك في سبيل التدليل على غايات
مسبقة وشبهات واضحة ومحاولات ماكرة تحاول أن تضع بين يدي القارئ الذي لا إلمام له
بجوانب التراث المتعددة صورًا زئبقية لتتخذ مصدرًا للحكم الجائر الذي يحاولون
إصداره.
ومن العجب أن التراث الآن، أو هذه الشطائر
والشذرات التي تلتقط من هنا وهناك، يجري إخضاعه لمنهج الفكر الغربي تارة ولـ منهج
الفكر الماركسي تارة وكلا المنهجين ظالم وجائر بطبيعة تركيبه المادي الأساسي، وهو
أداة غير صالحة أصلًا لمحاكمة تراث أمة غير الأمة التي صنعت تلك المناهج، وكيف
يمكن محاكمة تراث الإسلام القائم على التوحيد والإيمان بالغيب والرحمة والإخاء
البشري وفق مناهج تنكر هذا كله وتزدريه ولا تعترف به وتقوم على أساس الانشطارية
والاستعلاء العنصري وإنكار ما وراء المادة وتؤمن بالقوة والجنس الأبيض صانع
الحضارة والذي تخضع له كل الأجناس والألوان والأمم؟
أما المذهب الماركسي فإنه يقوم على التفسير
المادي للتاريخ ويجعل من الاقتصاد عاملًا وحيدًا أو أساسيًا لكل حركات التاريخ
وينكر الجوانب العقائدية والروحية والمعنوية.
ولقد نرى هؤلاء الذين يتصدرون الآن لتفسير
التراث الإسلامي وهم لا يرون في هذا التراث شيئًا إلا ما كان متصلًا باليونان أو
أرسطو، فهم إذا أعجبهم مذهب المعتزلة فلأنهم تلاميذ المنطق اليوناني، وإذا أعجبتهم
الفلسفة المشائية فإن دعاتها كانوا من تلاميذ أرسطو وأفلاطون، وإذا أحبوا مذهب
الحلول والاتحاد ووحدة الوجود وكلها مما ينكرها الإسلام الصحيح فلأنها من مذاهب
الأفلاطونية المحدثة، وهكذا تراهم يساقون إلى تصعيد شذرات وشطائر من تراث ضخم عريض
ليصلوا منه إلى غاية مسبقة يريدون تأكيدها في عقول الناس وهي أن الفكر الإسلامي
وليد الفكر اليوناني، وتلك قضية صدر فيها منذ وقت طويل بما يرد للفكر الإسلامي
اعتباره وذاتيته وشخصيته الخاصة التي لا تخضع لأي فكر سواء أكان يونانيًا أم
إشراقيًا أم مجوسيًا..
لقد كان الفكر الإسلامي قادرًا في ضوء طابعه
القائم على التوحيد أن يستوعب من الفكر البشري خير ما فيه، وأن يحول هذه العصارة
إلى كيانه الخاص دون أن يغير من أصوله أو قيمه الأساسية، ولكن دعاة التغريب لا
يزالون يجددون هذه القضية، محاولين أن يجعلوا من فكر إخوان الصفا وابن المقفع
والحلاج وابن الراوندي فكرًا إسلاميًا، ثم هم يقولون عن هذه النظريات الزائفة التي
يرفضها الإسلام أصلًا: إنها خير ما وجدوه في التراث.
وهم حين يذكرون هؤلاء يغضون الطرف عن ذلك
النتاج الباذخ الذي قدمه: ابن تيمية، وابن حزم والإمام الشافعي والإمام ابن حنبل
ليس في مجالات الفقه ولكن في مجالات «تأصيل» الفكر الإسلامي وتحريره من كل
المداخلات والزيوف، فهم لا يذكرون رد ابن حزم على ابن النغريلة اليهودي ولا يقفون
من كتابه «الفصل» موقفًا واضحًا، بينما يعده الغربيون من أعظم علماء المسلمين
الذين درسوا مقارنات الأديان، وهم لا يقفون عند ابن حنبل ومقاومته الضخمة الحاسمة
للفتنة التي أثارها المعتزلة باسم خلق القرآن، ولا يتحدثون مطلقًا عن الإمام
الأشعري وخروجه على الاعتزال ودعوته إلى مذهب أهل السنة والجماعة، ولا يتحدثون عن
الإمام الشافعي وموقفه من اللغة العربية ومنهجها المختلف عن منهج لغة اليونان.
كل هذا وغير ذلك يتجاهله هؤلاء التغريبيون،
أتباع المذاهب المادية الفلسفية، لأنهم لا يريدون الحق، فلو كانوا قد ألموا
بالتراث الإسلامي حقيقة وخاضوا في بحره لصكتهم تلك الصيحات الأصيلة القويمة،
ولكنهم لأهوائهم ولأغراضهم، وللأهداف التي يدعون إليها والغايات التي يستهدفونها
هم ومن والاهم يتجاهلون تلك الجوانب الناصعة من التراث فلا يرون في تراث الإسلام
إلا الوثنية في ابن المقفع، والإلحاد في ابن الراوندي، والباطنية في إخوان الصفا.
وهذا الموقف نفسه شبيه بالموقف الذي وقفه
مجددو الأدب العربي من قبل حين وقفوا عند تكريم بشار وأبي نواس والضحاك من شعراء
المجون والغواية، وبديع الزمان والحريري وابن العميد والصاحب بن عباد أولئك الذين
جنوا على الأسلوب العربي القرآني حين نقلوه إلى زيوف الفارسية القديمة والصناعة
والتكلف.
ومن وراء ذلك نجد أولئك الذين يتخذون منهج
الاستشراق اليهودي في محاكمة التراث الإسلامي وهو مذهب يحاول تفسير السنة وتفسير
القرآن بالإسرائيليات وبإثارة قضايا تنكر الحقائق التاريخية وتزيف الوجه الأصيل
للعروبة والإسلام ومن ذلك ما أثير حول إنكار إبراهيم وإسماعيل ووصف القرن الثاني
الهجري بأنه عصر شك ومجون، والانتقاص من قدر القرآن كمصدر مؤصل، والدعوة إلى
الجرأة على نقده نقدًا أدبيًا.
ولقد ذهب «دعاة التغريب في إحياء التراث» إلى
تزييف كثير من الحقائق حين حاولوا دراسة أجزاء من حركة الفكر الإسلامي المتصلة في
مواجهة ترجمة الفكر اليوناني وعزلها كأنها قضايا قائمة بنفسها وذلك رغبة في إشاعة
روح التشكيك في سلامة الاتجاه الأصيل حين استقرت قواعد هذا الفكر في دائرة «مذهب
السنة والجماعة» ومن ذلك «قضية الاعتزال» أو «قضية التصوف الفلسفي»، وكان الهدف هو
محاولة القول بأن الاعتزال هو الفكر الإسلامي أو أن التصوف الفلسفي هو الفكر
الإسلامي، والواقع أن هذه مدارس تعددت وتصارعت ولم تستطع واحدة منها أن تدعي أنها
تمثل الفكر الإسلامي الذي كان في الأصل قرآنيًا جامعًا، يربط بين العقل والروح،
والنفس والجسد، والدنيا والآخرة، ولم يكن بحيث يمكن أن يخضع لطابع عقلاني أو طابع
حدسي أو إشراقي أو فلسفي من الطوابع والمذاهب التي ظهرت وسقطت وتلاشت واستطاع
الفكر الإسلامي بوسطيته وتكامله ونظرته الجامعة أن يستوعب خير ما حملته هذه
الدعوات الجزئية الانشطارية، ثم لم تلبث هذه النظرات الجزئية أن تساقطت حين برز
الفكر الإسلامي في طابعه الجامع الأصيل.
فلماذا يجيء اليوم من يقول: إن الفكر الإسلامي
كان عقلانيًا وإن سقوط المعتزلة كان سقوطًا له وانحدارًا، أو أن يقول: إن مذهب
الإشراق أو الحدس أو المذهب الروحي كان هو مذهب الإسلام؟ تلك قضية متكاملة بدأت
عندما ترجمت الفلسفة اليونانية وانتهت عندما غلب الفكر الإسلامي بأصالته على كل
هذه التشعبات والتشققات، وسيطر واستعلنت طبيعته الجامعة الوسيطة الكاملة التي عرفت
بمفهوم أهل السنة والجماعة، ومن ثم فإن كل إثارة لهذه القضايا والخوض فيها على ذلك
النحو البعيد عن النظرة العلمية الأصيلة والأساس التاريخي الواضح، إنما هو من عمل
التغريب الذي يستهدف تسميم الآبار، وإثارة الشكوك، والتآمر على وحدة الفكر
الإسلامي وتكامله.
ولقد كان المسلمون على مدى التاريخ الطويل
يفهمون الأمور على هذا النحو، ولم يكن موقفهم من التراث على أنه سلاح ضد التقدم
والتغيير ولم تكن دعوتهم إلى استلهامه أو التماسه توحي بأنهم يدعون إلى العودة
إليه كاملًا، ولكنهم كانوا يفرقون بين الأصول الأصيلة للفكر الإسلامي المستمدة من
القرآن والسنة وبين التفسيرات التي جاءت بعد ذلك في ضوء القرآن والسنة، ولم تكن
محاولة التحصن بالتراث في فترات الغزو الصليبي والمغولي إلا محاولة الحفاظ على
الأمانة، والخوف من تبديدها أو ضياعها بعد أن حُرقت آثار المسلمين في الميادين
العامة في إسبانيا أو أُغرقت في نهر دجلة، ومن الخطأ أن يدعو داعٍ إلى أن يترك
المسلمون من تراثهم ما ليس يرضيه هو شخصيًا، لأن الأذواق والعقول تختلف، فإذا كان
هو ممن يعلون شأن العقل وينكرون ما سواه فإن داعيًا آخر يستطيع أن يطالب بإحياء
تراث الفلسفة، أو التصوف وغير ذلك، من جوانب، والواقع أن تراث الإسلام تراث واحد
جامع فيه عناصر القوة وعناصر الضعف، فهو تاج عصور قوة وضعف، ونحن الآن حين نبتعث
التراث إنما نبتعث جوانب القوة فيه وصفحات المجد والبطولة والقيم الباقية الخالدة
المتصلة بالمنابع الأصيلة، أما صفحات الضعف والتخلف والقصور فإننا مطالبون
بدراستها ومراجعتها والانتفاع بما فيها تحقيقًا لفهم «التجربة والخطأ» وفي تراث كل
الأمم صفحات القوة والضعف.
أما الفكر، فنحن ننظر إلى التراث في ضوء
المنابع الأصيلة: القرآن والسنة أما في التاريخ فإننا نتخذ من جوانب النصر والقوة،
حافزًا يدفعنا، ومن جوانب الضعف والقصور عبرة تحول بيننا وبين الوقوع في براثن
الخطأ مرة أخرى.
ولقد كان التراث لكل الأمم ضوءًا كاشفًا
وميراثًا هاديًا، ولن تستطيع أمة ذات أصالة أن تنتزع نفسها من تراثها لأنه هو ثمرة
وجودها وشخصيتها، وعندما حاول العرب «رفض التراث» والتماس فكر غيرهم سقطوا في هوة
الهزيمة والنكسة لأنهم أخذوا يقيسون الأمور بغير مقاييسهم، وينظرون إلى القضايا
بمنظار ليس على مقياس أعينهم، فهي إما كبيرة جدًا أو صغيرة جدًا.
ولقد حاول الاستعمار والتغريب انتقاص التراث الإسلامي «والتاريخ جزء منه» حتى يدفع العرب والمسلمين إلى الخروج من دائرة ذاتيتهم والانصهار في بوتقة العالمية والأممية ولو حدث هذا لذابت شخصيتهم وانتهى وجودهم، ولكن الأحداث علمتهم خطأ الطريق الذي يسيرون فيه وزيف الوجهة التي يتجهون إليها وخداع الرائد الذي لا يضمر لهم إلا الشر والهوان ولذلك فهم قد رجعوا بعد أن توالت على رؤوسهم الضربات يلتمسون تراثهم، ولو أنهم عرفوا كيف ينظر الناس إلى تراثهم سواء منهم الذين يدرسون القانون ويرون الشريعة الإسلامية تراثًا ماجدًا، أو الذين يدرسون الحضارات ويرون في حضارة الإسلام عطاءً متجددًا، أو الذين يدرسون التاريخ ويرون في صفحات التاريخ الإسلامي آيات القوة والمجد، لو أنهم راجعوا هذه الصفحات لترددوا مرات ومرات في الاستماع إلى تلك الصيحات المسمومة أو التفسيرات الزائفة.