العنوان ثروة العراق النفطية.. إلى أين تتجه؟!
الكاتب محمد صادق أمين
تاريخ النشر السبت 10-سبتمبر-2011
مشاهدات 63
نشر في العدد 1968
نشر في الصفحة 28
السبت 10-سبتمبر-2011
- بين السرقة والإهمال والتخريب والفساد
- في عام ٢٠٠٦م.. تم توقيع ثلاثة عقود لتطوير ثلاثة حقول نفطية إلا أنها لم تنجز وتم إهدار مخصصاتها المالية.
- ضياع ٨,٥ مليون فرصة عمل محتملة كان يمكنها رفع متوسط دخل المواطن إلى ١٨ ألف دولار سنويًا.
- ست سنوات أنفق فيها ١٨ مليار دولار لم تنجح في رفع الإنتاج إلى ثلاثة ملايين برميل يوميًا دراسة: خسائر الاقتصاد في قطاع النفط تقدر بنحو ٤٩٣ مليار دولار بين عامي ٢٠٠٣ و ٢٠١١م.
- الخسائر الناجمة عن تأخر مشاريع الإنتاج بلغت ۲۲۷ مليار دولاربين عامي ٢٠٠٦ و ٢٠١١م.
- .. والخسائر جراء تأخر مشاريع الغاز الطبيعي تقدر بنحو ٥٣ مليار دولار خلال الفترة ذاتها.
- تقارير أمريكية: تهريب النفط إلى إيران بنصف السعر المتداول عالميًا بإشراف حكومتي البلدين.
- حكومة إقليم «كردستان» تعاقدت مع شركات عالمية لاستخراج النفط دون الرجوع إلى الحكومة المركزية.
أعلنت وزارة النفط العراقية في أكتوبر الماضي أن مخزون البلاد النفطي تحت الأرض يبلغ ٥٠٥ مليارات برميل، وأن الاحتياطي الثابت القابل للاستخراج هو ١٣٤ مليار برميل، إلا أن تقارير دولية سبقت هذا الإعلان أشارت إلى أن احتياطي العراق يُقدر بما يتراوح بين ( ٢٤٠ - ٣٠٠ ) مليار برميل ؛ وهو ما يجعل العراق يقفز إلى المرتبة الأولى بمخزونه النفطي، وقد يجعله ذلك يتقدم على السعودية التي تحتل المرتبة الأولى ٢٦٤،٥ مليار برميل وفنزويلا الثانية ۱ ، ۲۱۱ مليار برميل، وإيران الثالثة ۱۳۷ مليار برميل، وفقًا لأرقام منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك».
هذه الأرقام تطرح على الطاولة تساؤلًا مهما : هل كان النفط هو الدافع وراء الاحتلال الأمريكي للعراق تحت ذرائع وعناوين مختلفة؟ وللحصول على إجابة كان لابد من البحث عن بعض المعطيات والأرقام التي أوصلتنا إلى اعتقادات لا يفندها إلا من يملك معطيات أقوى منها تكون قادرة على إثبات العكس.
تدمير متعمد
من يتابع المعطيات المتعلقة بصناعة النفط في العراق بعد عام ٢٠٠٣م؛ يجد بكل وضوح تدميرًا متعمدًا للبنية التحتية لهذه الصناعة، سببه عاملان:
أولا : الاحتلال
فوضع القطاع النفطي في جانب الاستخراج الحالي أسوأ مما كان عليه قبل الاحتلال ؛ إذ إن إنتاج النفط الخام في آخر شهرين قبل الاحتلال كان ٢,٨٥ مليون برميل يوميًا، في مقابل الإنتاج حاليًا الذي يبلغ ۲۳مليون برميل يوميًا ؛ بفارق نصف المليون برميل أقل من فترة ما قبل الاحتلال ومن ناحية المشتقات النفطية، لم يتمكن العراق من سد احتياجاته منها بكل أنواعها منذ الاحتلال، فإنتاجها لم يتجاوز ٦٠% مما كان عليه قبل الاحتلال، وينفق العراق ما بين( ٥ – ٦) مليارات دولار سنويًا على استيراد المشتقات النفطية.
السبب في هذا التدهور هو الانفلات الأمني الذي عم أرجـاء الـعـراق بعد دخول القوات الأمريكية، وهو انفلات يثير الكثير من علامات الاستفهام عن سبب وقوف هذه القوات موقف المتفرج من تدمير البنى التحتية من قبل مجاميع تخريبية يقال : إن بعضها كان منظمًا، وهاجم منشآت ومؤسسات محددة بناء على معلومات وخرائط دقيقة.. ففي الأسابيع الأولى من الاحتلال تم هدم وتخريب وحرق مئات المنشآت النفطية ومنظومات السيطرة تحت سمع وبصر الجيش الأمريكي!
وبلا أدنى شك، سيُطرح هنا تساؤل: ما مصلحة الولايات المتحدة في تدمير البنية التحتية لإنتاج النفط العراقي؟ والجواب إن ما تم تدميره اليوم لا يمكن إعادة بنائه وإعماره إلا عبر شركات نفطية كبيرة من حيث الإمكانات والآليات، ولا يملك مثل هذه الشركات غير الولايات المتحدة وحليفاتها في الحرب على العراق، لذلك لا يمكن أن يقال: إن الشركات النفطية لم تحصل على حصة الأسد في مشاريع إعادة تأهيل البنية التحتية للنفط العراقي، فقد كافأت «واشنطن» في «المرحلة الأولى» الدول المتحالفة معها – ولو سكوتًا أو تغاضيا عن حربها - من خلال إتاحة الفرصة لشركاتها للاستثمار في هذا المجال.
كما أنها ستستأثر بحصة الأسد في المرحلة الثانية التي تأتي بعد انسحاب الجيش الأمريكي المرتقب نهاية العام الجاري؛ حيث أعلن على لسان أكثر من مسؤول أمريكي أن الاحتلال سيتحول إلى تعاون مدني، وعلى رأس هذا التعاون سيكون استثمار الشركات النفطية الأمريكية العملاقة في البنى التحتية النفطية العراقية التي تم تدميرها !!
ثانيًا: الفساد والإهمال الحكومي
يحتل العراق مركزًا متقدمًا جدًا في تصنيفات تقارير الشفافية الدولية للدول الأكثر فسادا ؛ حيث لا يزال محافظًا على المرتبة الثانية منذ عام ۲۰۰۳م، بفساد ضرب أطنابه في كل أرجاء الدولة والحكومة والمجتمع رغم وصول الميزانيات التي خُصصت للأعوام الماضية إلى أرقام قياسية بسبب ارتفاع أسعار النفط .. فميزانية العام الماضي بلغت ۳۲۰ مليار دينار عراقي «نحو ۲۸۰ مليار دولار»، وتعد هذه أكبر ميزانية في تاريخ الموازنات العراقية خلال سبعين عاما مضت، فأين ذهبت؟! إذ لا تزال الخدمات فى مستوياتها الدنيا، على سبيل المثال في مجال الكهرباء، يتجاوز عدد ساعات انقطاع التيار الكهربائي في ذروة حرارة الصيف الملتهب الثماني عشرة ساعة يوميًا، فيما لا تصل خدمات المياه الصالحة للشرب إلى أكثر من ٪٢٥ من السكان، مع انقطاع مستمر في الماء، وتراجع نوعية المياه ودرجة نقاوتها !.
وفي القطاع الصحي لم تتسلم المستشفيات في عموم العراق - ماعدا إقليم كردستان - اللقاح الثلاثي منذ أكثر من ستة أشهر، والذي يُعد أهم لقاح بالنسبة للمواليد الجدد..
بالإضافة إلى الإهمال والتسيب الذي يعم مؤسسات الدولة؛ حيث لم تتمكن الحكومة من أن تنفق من ميزانية عام ۲۰۰۸م أكثر من ٪٥٠ ، وبعض الوزارات لم تنفق أكثر من ۲۰% من الميزانية المخصصة لدعم وإعمار وتشغيل البنى التحتية.
وقد شمل الفساد القطاع النفطي، وكان على الحكومات العراقية واجب إعادة بناء ما تم تدميره في هذا القطاع الحيوي؛ لأن النفط هو الشريان الوحيد الذى يعتمد عليه العراق في تغذية اقتصاده، وقد خصصت له ميزانيات بأرقام كبيرة إلا أن الفساد ابتلعها، وظل القطاع يراوح مكانه .. فقد خُصِّص للنفط على مدى ٦ سنوات مضت حوالي ٣ مليارات دولار سنويًا ؛ أي ۱۸ مليارًا للسنوات الستة، رغم أن وزارة النفط لم تنفق على مدى ثلاثة عقود السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات مثل هذا المبلغ، ومع ذلك، رفعت الطاقة الإنتاجية إلى ٤ ملايين برميل يوميًا بخبرات عراقية صرفة، وطاقة التصفية إلى ۷۰۰ ألف برميل يوميًا .
إلا أن ست سنوات أنفق فيها ١٨ مليار دولار لم تنجح في رفع الإنتاج إلى ٣ ملايين برميل يوميًا، ما دفع الحكومة إلى فتح باب الاستثمار أمام الشركات الأجنبية.. ففي عام ٢٠٠٦م ، وقع العراق ثلاثة عقود لتطوير ثلاثة حقول نفطية إلا أنها لم تُنجز (!)، وتم إهدار المبالغ بالفساد أو بشراء معدات لا أحد يعرف ماذا حصل لها .. وكان من المقرر بناء أربع مصاف عملاقة لتجاوز إهدار المال في استيراد المشتقات النفطية من دول الجوار، وقد بقيت هذه المشاريع على الأوراق فقط ولا أحد يعرف لماذا لم يتم تنفيذها ؟! الحكومة تقول: إن الأموال أنفقت في تطوير المصافي، وإنشاء مصاف صغيرة مثل مصفاة «النجف»، وفي تشييد أبنية لوزارة النفط!!
خسائر فادحة
خسائر العراق النفطية لا يتحمل وزرها الاحتلال فقط؛ بل إن أبناء البلد الذين شغلهم «الانتقام والثأر وتصفية الحسابات» عن بناء دولتهم العتيدة - التي شكوا لعقود من نهب البعثيين وأذنابهم لها يوم كانوا يملؤون مقاعد المعارضة في طهران ولندن وواشنطن - تركوها وراء ظهورهم لصالح تصفية حسابات عرقية وطائفية ملأت شوارع العراق بالدماء، وحواضره بمخيمات التهجير. وتُظهر الأرقام كمَّ المليارات التي خسرها العراق بسبب الإهمال وسوء الإدارة، كما جاء في دراسة الخبير في شؤون الطاقة «نزار حيدر» الذي يعمل في قسم البحوث بشركة«DTI» الأمريكية لشؤون الطاقة، بأن »خسائر الاقتصاد العراقي في قطاع النفط بلغت نحو ٤٩٣ مليار دولار بين عامي ۲۰۰۳ و ۲۰۱۱م، وهي خسائر ناجمة عن سوء الإدارة والتخطيط وتعطل المشاريع وتأجيلها، كما أن هذه الأسباب أدّت - في الوقت ذاته - إلى ضياع ٨,٥ مليون فرصة عمل محتملة كان من الممكن أن ترفع دخل المواطن من ٣٥٠٠ دولار إلى ١٨ ألف دولار سنويًا«.
وقالت الدراسة : إن «خمس سنوات قد أهدرت قبل أن تتوصل حكومة «المالكي» إلى الخطوة الضرورية لتحريك عجلة الإنتاج النفطي للوصول إلى معدلات إنتاج مقدارها ٣,١ مليون برميل في نهاية عام ٢٠١١م ، و ٣,٧ مليون برميل في عام ٢٠١٢م.»
وقدَّر الباحث «خسائر العراق المالية الناجمة عن تأخر المشاريع الإنتاجية للنفط بما مجموعه ۲۲۷ مليار دولار بين الأعوام(٢٠٠٦-۲۰۱۱م)، و ٥٣٨ مليار دولار بين الأعوام (۲۰۱۲ - ٢٠١٦م) في حال محافظة أسعار النفط على معدل سعر يعادل ۸۰ دولارًا للبرميل الواحد.»
وأوضح «حـيـدر» أن «خسائر العراق الاقتصادية من تأخر مشاريع الغاز الطبيعي تُقدَّر بما مجموعه ٥٢ مليار دولار بين عامي ۲۰۰٦ و ۲۰۱۱م، و ١٤٧ مليار دولار بين عامي ٢٠١٢ و ٢٠١٦م ، وستصل الخسائر الإجمالية إلى ٥٣ ترليون دولار مقتربة بذلك من خسائر العراق الاقتصادية نتيجة الحروب التي خاضتها البلاد إبان عهد صدام حسين والبالغة نحو ٧,٨ ترليون دولار».
تهريب منظم
تتحدث تقارير محلية ودولية عن تعرض النفط العراقي إلى عمليات تهريب واسعة النطاق من قبل عدة أطراف، منها عصابات منظمة استغلت الفراغ الأمني وضعف الدولة وانتشار الفساد في أرجاء مؤسسات الحكومة. أما الطرف الثاني، وهو الأهم، فهي الأحزاب النافذة في الحكومة؛ حيث أشارت تقارير أمريكية إلى قيام أحزاب كبرى مؤسسة للحكومة بتهريب النفط إلى إيران بنصف السعر المتداول عالميًا ، وتقوم «طهران» بتصديره في عملية اقتسام للأرباح تتم بإشراف حكومتي البلدين.
وفي هذا الباب، يدخل كذلك ما تقوم به حكومة إقليم كردستان»، التي تعاقدت مع شركات عالمية لاستخراج النفط دون الرجوع إلى الحكومة المركزية؛ بحسب الدستور الذي يجعل من الثروات ملكا سياديا لا يحق للمحافظات والأقاليم التصرف فيه في إطار صلاحيات اللامركزية التي تم إقرارها في إدارة العراق الجديد ما بعد الاحتلال.
ينص الدستور العراقي على أن «إبرام التعاقدات النفطية تتم حصريا عن طريق شركة تسويق النفط العراقية «سومو» فقط، وأي تعاقدات خارج هذا الإطار تعد مخالفة للقوانين».. وعلى هذا الأساس، فإن الإنتاج الذي يتم حاليًا في حقلي «طق طق» و«طواق» من قبل الشركات النرويجية والكندية بالتعاقد مع حكومة كردستان العراق غير شرعي، ولا مجال لتصريفه إلا عن طريق الشاحنات الحوضية عبر الحدود مع إيران.. لذلك تعد هذه الإجراءات عمليات تهريب غير شرعية.
وهناك تهمتان موجهتان إلى الأكراد، هما: تعطيل قانون النفط والغاز، وتهريب النفط عبر الحدود .. ورغم أن حكومة الإقليم تنفي هذه الاتهامات، إلا أن صفقتها الأخيرة مع شركة «RWA»، والتي بموجبها سيتم ضخ ٢٠ مليار متر مكعب سنويًا من الغاز الطبيعي عبر مشروع خط أنابيب «نابكو» ستفاقم الخلاف مع حكومة بغداد، وهذا الخط هدفه تقليل اعتماد أوروبا على غاز روسيا؛ من خلال تحويل إمدادات خط قزوين إلى تركيا ومنها إلى أوروبا. لذلك، عطل الأكراد إصدار «قانون النفط والغاز»؛ حيث لا مصلحة لهم في صدوره، لأنه يؤسس مجلسًا اتحاديا يقر السياسات والاستثمارات في العراق، وهم يبحثون عن الاستقلال في القرار النفطي، وأنجزوا عشرات العقود مع شركات نفط عالمية، وهو ما يجعلهم مستقلين عن العراق عمليًا !.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل