; ثورات للإفقار من خارج المنطقة! | مجلة المجتمع

العنوان ثورات للإفقار من خارج المنطقة!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-نوفمبر-1987

مشاهدات 65

نشر في العدد 841

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 03-نوفمبر-1987

قامت في العالم الثالث ثورات، وعندما يستولي الثوار على الحكم يقولون: إنهم إنما قاموا من أجل إنقاذ الشعب من الظلم والعسف والفساد والاستغلال ومن أجل إشاعة العدل والرفاهية بين أفراده بحيث لن تجد فقيرًا معدمًا وآخر غنيًّا متخمًا يستغل عرق الفقير وكده وكدحه.. ولذلك قاموا بتأميمات الأموال الخاصة والشركات والعقارات التي يملكها الأفراد ومنعوا التجار من الاستيراد والتصدير وجعلوا التجارة كلها بيد الدولة.. فكانت النتيجة في كل هذه البلدان التي قامت بها الثورات أن تردت فيها الأوضاع الاقتصادية وهربت منها رؤوس الأموال إلى الخارج وتوقفت فيها مشاريع الاستثمار والتنمية وهيمن على الحكم أغرار يتصارعون فيما بينهم على السلطة وراجت سوق النفاق والنصب والاحتيال والانتهازية وأثقل الشعب بالضرائب وظهرت طبقات طفيلية تكسب من غير عمل وتأكل من غير كد وملئت الشوارع بالعاطلين والسجون بالمعتقلين والمكاتب بالمراجعين هذا يريد أن يسافر وهذا يريد أن يزور قريبه المعتقل وهذا يسأل عن ابنه المفقود وهذا يشكو من طرده من مسكنه والمسؤولون في مكاتبهم يتلذذون بعذاب الناس وإجهادهم ولا ينجزون لهم عملًا ولا يحلون مشكلة والناس يعيشون على أعصابهم في دوامة من التعب الجسمي والنفسي.

وإذا فكرت وأمعنت النظر في دوافع هذه الثورات ستجد أنها كلها لم تقم إلا بتخطيط من خارج المنطقة وستجد أن المستفيد الوحيد من تخلف هذه الشعوب وإبقاء هذه المناطق في حالة متردية من الفقر والتوتر والصراع هو الغرب بشقيه: الشيوعي، والرأسمالي؛ لأنها مادامت على هذه الحال ستبقى سوقًا لأسلحتهم ومنتوجاتهم وسيضمنون عدم نهوض هذه الشعوب لأن في نهضة هذه الشعوب تهديدًا لهيمنتهم وسيطرتهم على العالم، فهم يعرفون أن هذه الشعوب عندها إمكانات طبيعية كبيرة وفيها ثروات مخزونة هائلة وتملك تراثًا حضاريًّا ضخمًا وأعظم من كل ذلك دينها الإسلامي الذي يخشى الغرب قوته وامتداده.. فأرادوا أن يحجموه بالتشويه والإساءة إليه ولو على يد أبنائه كما هو واقع وهم يعرفون أن هذه الشعوب إذا اتجهت الاتجاه الصحيح واستغلت ثرواتها وإمكاناتها الاستغلال الصحيح ستنهض بكل قوة وفي أسرع وقت، لذلك خططوا ما خططوا وعملوا ما عملوا وكل أحد يعرف أنه عندما بدأت الثروة البترولية في هذه المنطقة على وجه الخصوص كان من الطبيعي أن تستثمر أموال هذه البلاد في العالم الثالث وفي العالم الإسلامي بصورة خاصة، فتعكس نهضة اقتصادية وثقافية واجتماعية هائلة، فهناك وادي النيل مثلًا الغني بالقوة البشرية والأرض الزراعية التي ستغني العالم الإسلامي بالمنتوجات الغذائية، وكذلك باكستان الشرقية والغربية واليمن والشام، ففكروا أن الذي سيحول أموال المنطقة إلى بنوك أوروبا وأميركا والاستثمار فيها هو مزيد من الثورية في العالم الثالث ومزيد من التأميمات والمصادرات لتهرب رؤوس الأموال كلها وستستقر في بنوك الغرب وامتصاص الباقي في تصدير الأسلحة والبضائع الاستهلاكية وتبقى مناطق العالم الثالث بلا صناعة ولا تجارة ولا نشاط اقتصادي بل يبقى دائمًا عالة على الغرب.

وهذه الخلافات والصراعات بين الدول إذا فكرت فيها وتأملت في أسبابها ستجد أنها لا أسباب لها غير رغبة الغرب في إبقاء المنطقة في حالة توتر دائم ولتستثمر مصانع السلاح في الإنتاج وتنهب أموال الشعوب.

سيأخذك العجب عندما ترى دولة من الدول في المنطقة تقترب من الدول التي تختلف معها في الشعار التي ترفعه ويكون هناك تحالف واتفاق بين الدول المتضادة في النهج والتوجه بينما تجد هذه الدولة تبتعد عن الدول الأخرى التي لا تعاديها في نهجها وشعارها.. والمفروض أن تتقارب الدول بمقدار ما تتفق على المبدأ والنهج لا أن تعادي من لا يعاديها في المنهج وتناصبه العداء بينما تتحالف مع عدو منهجها وأيديولوجيتها فهذا الأمر غير منطقي ويشكك في مصداقية تلك الدول وإخلاصها للشعارات التي ترفعها كيف أسكت عمن ينادي المنهج الذي أسير عليه ويناصبه العداء ويتربص به الدوائر وأظهر العداوة والبغضاء للشعار الذي أرفعه أليس في هذا من الغرابة ما يقتضي الشك في النوايا؟ وبماذا نفسر التهديدات بالويل والتبور وعظائم الأمور؟

ألا تسألان المرء ماذا يحاول؟     

أنحب فيقضي أم ضلال وباطل؟

والأعجب من ذلك أن دولًا في المنطقة الإسلامية ترفع شعارًا واحدًا وتسلك نهجًا واحدًا وتعتنق أيديولوجية واحدة وبينها من العداء ما لم يكن بين روسيا وأميركا أو بين كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية.

لقد قامت أنظمة ظاهرها الرحمة وباطنها من قبلها العذاب قالوا إنهم يحاربون الصهيونية والاستعمار وهم يمكنون لهما في ديار الإسلام ويهددون الأمن والاستقرار في أوطان المسلمين. شكلوا منظمات تحت ستار النضال والكفاح والجهاد من أجل تحرير المقدسات وطرد الاستعمار والصهاينة من المنطقة، فإذا هي صارت لترويع الآمنين من أهل البلاد ومن أجل الصراع والاقتتال بين الطوائف وأصبحت مهمتها الخطب والاغتيال المتبادل بين الأحزاب والطوائف المتصارعة ومن أجل الابتزاز والنهب والسرقة والإرهاب، فأساءوا إلى قضايا أمتهم وإلى قيمها ومبادئها.

والصحوة الإسلامية التي علق عليها المسلمون الآمال شوهت وطمست إيجابياتها فلم تعد تظهر إلا السلبيات على يد دعاة الفتنة والفرقة وعلى يد الطائشين والمغرورين فتألب عليها دعاة الشر وأعداء الإسلام والتقوا مع الجهلة الذين لا يملكون إلا الحماس الطائش ولا يفكرون في العواقب. وقد استغل الإعلام الغربي أحداثًا هي في الواقع من تدبير الغرب وتشجيعه وأخذ يدق على وتر الأصولية الإسلامية والتطرف الديني وكأنه يريد أن يوهم الناس أن الإسلام هو سبب كل هذه السلبيات وأنه كلما تمسك المسلمون بإسلامهم كلما زادت نكباتهم ومصائبهم وأن الحروب والإرهاب والتوتر سببه الإسلام.

يالله العجب! كيف يقال ذلك والإسلام يقول في قرآنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (البقرة: 208) ويقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10) ويقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه»؟

كيف يقال ذلك والإسلام هو الذي حرم الاعتداء على الآخرين فقال في قرآنه: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: 190)؟ كيف ينسب إلى الإسلام بعد ذلك من يضع المتفجرات والألغام والقنابل ليقتل الأبرياء والنساء والأطفال؟ كيف نقول: إن الإسلام هو السبب في كل ذلك وهذه أوامره ونواهيه نقرؤها صباحًا ومساءً؟

أليس من آيات القرآن ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (فصلت:34-35)؟

فكيف نقول: إن الإسلام هو السبب في الإرهاب وإن المعتدين الذين يقابلون الحسنة بالسيئة أو إن الذي يقابل العصا بالمدفع إنه مسلم والله يقول في محكم تنزيله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ )البقرة: 194)، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (الشورى: 40)؟

يا قوم، فكروا بتأمل وروية قبل أن تطلقوا الاتهامات وفرقوا بين الذي تخلى عن أوامر الإسلام واتبع أوامر الشيطان وبين الذي التزم بالإسلام قولًا وعملًا، لقد قدم القرآن الكريم في أحد المواطن القول الحسن للناس على الصلاة والزكاة: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاة﴾ (البقرة: 83) فالإسلام لا يؤخذ إلا من مصادره لا من أفعال السفهاء الذين يزعمون أنهم مسلمون وهم لأمر الله مخالفون: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ )النور:63).

الرابط المختصر :