العنوان جلسة مع ابن قيم الجوزية
الكاتب أبو عبدالله
تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1976
مشاهدات 67
نشر في العدد 288
نشر في الصفحة 17
الثلاثاء 24-فبراير-1976
الصبر
أخي الداعية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
من منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الصبر وهو واجب بإجماع الأمة وهو نصف الإيمان، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر.
والصبر مذكور في القرآن على أنواع عدة، فالله- سبحانه وتعالى- أثنى على أهله بقوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾
وكإيجابه- سبحانه- محبته لهم كقوله ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ وكإخباره بأن الصبر خير لأصحابه كقوله: ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ﴾ وكاطلاق البشرى لأهل الصبر في قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة البقرة: 155) وكضمان النصر والمدد لهم كقوله تعالى:﴿بَلَىٰ ۚ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (سورة آل عمران: 125). ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم «واعلم أن النصر مع الصبر»
أخي يا من أسال الله له الجنة:
إن الصبر مقترن بمقامات الإسلام والإيمان، كما قرنه- سبحانه وتعالى- باليقين والإيمان وبالتقوى والتوكل وبالشكر والعمل الصالح والرحمة، ولهذا كان الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا إيمان لمن لا صبر له كما أنه لا جسد لمن لا رأس له وقال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-: «خير عيش أدركناه الصبر» وأخبر النبي- صلى الله عليه وسلم-: في الحديث الصحيح «أنه ضياء» وقال: «من يصبر يصبره الله».
وأمر الأنصار- رضى الله عنهم- جميعًا بأن يصبروا على الأثرة التي يلقونها بعده حتى يلقوه على الحوض. كما أخبر صلى الله عليه وسلم أن الصبر كله خير فقال «ما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر».
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية- أخي الحبيب- يقول: كان صبر يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنها، أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجب وبيعه وتفريقهم بينه وبين أبيه، فإن هذه أمور جرت عليه بغير اختياره لا كسب له فيها ليس للصبر فيها حيلة غير الصبر، وأما صبره عن المعصية فصبر اختيار ورضى ومحاربة للنفس، ولاسيما مع الأسباب التي تقوى معها دواعي الموافقة، فإنه كان شابًا وداعية الشباب إليها قوية وعزبًا ليس له ما يعوضه ويرد شهوته وغريبًا، والغريب لا يستحي في بلد غربته مما يستحى منه من بين أصحابه ومعارفه وأهله، ومملوكـًا والمملوك ليس له وازعه كوازع الحر، والمرأة جميلة وذات منصب وهي سيدته وقد غاب الرقيب، وهي الداعية له إلى نفسها والحريصة على ذلك أشد الحرص ومع ذلك توعدته- إن لم يفعل- بالسجن والصغار ومع هذه الدواعي كلها، صبر اختيارًا، وإيثارًا لما عند الله، وأين هذا من صبره في الجب على ما ليس من كسبه؟
أخي الصابر...
إن ملاحظة حسن العاقبة تعين على الصبر فيما تتأمله باختيارك وغير اختيارك وانتظار الفرج ومطالعته وترقبه يخفف حمل المشقة ولا سيما عند قوة الرجاء أو القطع بالفرج فإنه يجد في حشو البلاء من روح الفرج ونسيمه وراحته، ما هو من خفي الألطاف، وما هو فرج معجل وبه وبغيره يفهم معنى اسمه «اللطيف» وأجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن من رافق الراحة فارق الراحة وحصل على المشقة وقت الراحة في دار الراحة، فإن قدر التعب تكون الراحة.
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكريم الكرائم
ويكبر في عين الصغير صغيرها
وتصغر في عين العظيم العظائم
أخي المحتسب...
للصبر على المعصية سببان وفائدتان:
أما السببان: فالخوف من لحوق الوعيد المترتب عليها، والثاني الحياء من الرب- تعالى- أن يستعان على معاصيه بنعمة وأن يبارز بالعظائم.
وأما الفائدة الثانية، الحذر من الحرام:
فإنه يبعث على ترك المعصية؛ لأنه لا بد أن تنقصه أو تذهب به أو تطفئ نوره أو تضعف قوته أو تنقص ثمرته.
وأما الفائدة الثانية، الحذر من الحرام:
فهو الصبر عن كثير من المباح، حذرًا من أن يسوقه إلى الحرام.
وختامًا أتضرع إلى المولى جل جلاله بأن يحشرني وإياك في زمرة المتقين الصابرين، ونسأل الله بنور وجهه الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يصلح أمورنا ويجعل لنا من كل هم فرجًا ومن كل ضيق مخرجًا ومن كل بلاء عافية.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم في الله/
ابن قيم الجوزية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل