العنوان حتى تنقطع التوبة
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 22-ديسمبر-2012
مشاهدات 60
نشر في العدد 2032
نشر في الصفحة 52
السبت 22-ديسمبر-2012
- كانت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة فتحًا ونصرًا للإسلام والمسلمين إذ صارت لهم دولة وأصبحت لهم قوة.
- قد تكون الهجرة بدنية بالانتقال من مكان إلى آخر وقد تكون قلبية بهجرة ما يغضب الله تعالى.
- الحديث النبوي يؤكد أن الهجرة مستمرة فيقول: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها».
- لم تكن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم حدثًا مبتدعا فقد هاجر من قبله إخوانه من الأنبياء فهاجر إبراهيم وزوجه سارة وابن أخيه لوط عليهما السلام.
كانت الهجرة ومازالت من وسائل البحث عن أسباب الحياة الطيبة السعيدة التي يتمناها كل مهاجر حتى إن الطيور تنشد الهجرة هي الأخرى ولها مواسم وأوقات في حياتها البسيطة! وإن الناظر إلى تاريخ البشرية منذ القديم يجد أن الهجرة تشكل جزءًا حيويًا مهمًا من حياة البشر، وإن اختلفت أشكالها وتنوعت أسبابها، فالكل أولًا وأخيرًا غالبًا ما ينشد بها تحقيق الخير والنفع له أو لغيره.
الأنبياء والهجرة: وقد كانت الهجرة ما قبل فتح مكة مطلوبة وفريضة على كل مسلم، بعد أن هاجر النبي محمد صلى الله عليه وسلم منها إلى المدينة بأمر من الله عز وجل، ولم تكن هجرته حدثًا جديدًا أو مبتدعًا، فقد هاجر من قبله إخوانه من الأنبياء، فهاجر سيدنا إبراهيم وزوجه سارة وابن أخيه سيدنا لوط عليهما السلام.. قال الله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (العنكبوت:26). قال قتادة: الذي قال: «إني مهاجر إلى ربي هو إبراهيم عليه السلام، هاجر من كوتا وهي قرية من سواد الكوفة إلى حران، ثم إلى الشام ومعه ابن أخيه لوط بن هاران بن تارخ، وقال الكلبي هاجر من أرض حران إلى فلسطين وهو أول من هاجر من أرض الكفر. وقال مقاتل: هاجر إبراهيم وهو ابن خمس وسبعين سنة. وقيل: الذي قال: «إني مهاجر إلى ربي» لوط عليه السلام (1).
كما هاجر سيدنا موسى عليه السلام من مصر متوجهًا نحو مدين طلبًا للأمن وخوفًا من ظلم فرعون وملئه، قال تعالى: ﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ () وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (القصص:21-22)، وذلك لما أخبره ذلك الرجل المؤمن بما تمالًا عليه فرعون ودولته في أمره، خرج من مصر وحده ولم يألف ذلك قبله بل كان في رفاهية ونعمة ورياسة، «فخرج منها خائفًا يترقب» أي يتلفت «قال رب نجني من القوم الظالمين» أي من فرعون وملئه (2).
وقد هاجر النبي محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، وكانت هجرته فتحا ونصرا للإسلام والمسلمين، إذ صار لهم دولة تجمعهم بإخوانهم، وأصبح لهم قوة، ومنعوا بأهل تلك الدار الطيبة، وصدق الله تعالى وعده حين قال لنبيه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (القصص:85)، فمن الله عليه بالفتح المبين لمكة التي خرج منها مهاجرًا خائفًا متخفيًا، وها هو يرجع إليها ليدخلها فاتحًا ظافرًا، وبينما هو في الطريق يلقاه آخر المهاجرين إلى المدينة عمه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، وقد خرج بأهله وعياله مسلمًا مهاجرًا؛ لتنقطع بذلك الهجرة من مكة.
حتى تنقطع التوبة..
عن عبد الرحمن بن أبي عوف عن أبي هند عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» (رواه أبو داود)؛ لتظل الهجرة بذلك باقية إلى يوم القيامة، إذ يوجد من أسبابها ما يدفع الناس إليها مع التغيير المستمر في حياتهم جغرافيًا وثقافيًا وأمنيًا واقتصاديًا وقد روي عن عبدالله بن عمرو ابن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض الزمهم مهاجر إبراهيم» (رواه أبو داود). وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح: « لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية» (رواه البخاري)، «قال الطيبي وغيره: والمعنى أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة كالفرار من دار الكفر والخروج في طلب العلم والفرار بالدين من الفتن والنية في جميع ذلك» (3). وقال الخطابي وغيره: كانت الهجرة فرضًا في أول الإسلام على من أسلم لقلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع فلما فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجا، فسقط فرض الهجرة إلى المدينة وبقي فرض الجهاد والنية على من قام به أو نزل به عدو (4).
الهجرة بدنية وقلبية:
وقد تكون الهجرة بالانتقال بالبدن والجسد من مكان إلى مكان آخر، وهو ما يسمى بالهجرة البدنية، كما حدث في الهجرة من مكة إلى المدينة، وهجرة الدعاة والعلماء لنشر الدين والدعوة إليه، كما كان من مصعب بن عمير ومعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري، وما يحدث من هجرة الدعاة من علمائنا في هذه الأيام للتعريف بالإسلام أو الهجرة لطلب العلم، ومن الهجرة البدنية أيضًا الهجرة لطلب الرزق كهجرة المسلمين قديما للتجارة في البلاد الأخرى التي كانوا سببًا في انتشار الإسلام بها كإندونيسيا وغيرها، وهجرة بعضهم حديثًا أيضًا بسبب ذلك.
وقد تكون الهجرة قلبية وفعلية، كما جاء عن عبدالله بن عمرو أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الهجرة أفضل؟ قال صلى الله عليه وسلم: «أن تهجر ما كره ربك» (رواه أحمد)، ومنها إنكار المنكر بالقلب، أو تغيير المرء من حاله وتصحيحه كالهجرة من الشرك إلى الإيمان ومن المعصية إلى الطاعة، ومن البدعة إلى السنة، ومن الجهل إلى العلم، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الاستضعاف إلى التمكين، ومن العزلة إلى الانفتاح.
وقد تجتمع هجرة البدن مع هجرة القلب كما كان من سيدنا إبراهيم عليه السلام حين قال لقومه: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ (مريم:48)، وقد هاجر وذهب إلى الأرض المقدسة، وكهجرة أهل الكهف كما جاء في القرآن الكريم: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا﴾ (الكهف:16). قال ابن كثير في تفسيره: أي وإذا فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم في عبادتهم غير الله ففارقوهم أيضًا بأبدانكم، فأووا إلى الكهف يبسط عليكم رحمة يستركم بها من قومكم، ويهيئ لكم من أمركم الذي أنتم فيه أمرًا ترتفقون به فعند ذلك خرجوا هربًا إلى الكهف فأووا إليه.
فلنهاجر إلى الله دائمًا..
ألا يجدر بنا الآن أن نعيش حياتنا مع هذه الهجرة الحقيقية، التي لم ولن تنقطع إلى يوم القيامة، وهي واجبة على كل مسلم ومسلمة؟ إن بإمكاننا أن نعيشها ونحن في بيوتنا وبين أهلينا وإخواننا ففي واقعنا أعمال غير صالحة يجب أن تهجر، ومفاهيم مغلوطة تحتاج أن تصحح، وقيم ضائعة في حاجة أن تعود، فهل نرقى بأنفسنا ونضن بها على أن تعصي خالقها وواهبها الحياة والرزق؟!
إن من الهجرة الواجبة علينا هجر المنكرات وكراهيتها واجتنابها وإنكارها وتغييرها بالطرق المشروعة، وإصلاح النفس وهجر لذاتها المحرمة إلى المباحة وهجر السيئات والسوء والذنوب والمعاصي وكل ما حرم الله، فيكون هجر عام وخاص منا لكل ما هو سيئ فيحصل التحول من اتباع الأهواء إلى اتباع السنة، ومن الشك إلى اليقين، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن التذبذب إلى الثبات، ومن التبرج والسفور إلى الحشمة والحجاب، ومن قطيعة الأرحام إلى صلتها، ومن الفرقة والتنازع إلى الوحدة والائتلاف، ومن التخريب والإفساد إلى العمل والإصلاح، ومن الكذب والخيانة إلى الصدق والأمانة، ومن الأثرة والبخل إلى الإيثار والجود ومن الغلو والتطرف إلى الوسطية والاعتدال، ومن الانتقام والتشفي إلى العفو والتسامح، ومن التواكل إلى التوكل، ومن أكل الحرام إلى أكل الحلال، ومن الإصرار على الذنب إلى التوبة والندم، ومن الاعوجاج عن الصراط إلى الاستقامة عليه، ومن التعاون على الإثم والعدوان إلى التعاون على البر والتقوى، ومن الذل إلى العزة، ومن الظلم إلى العدل، ومن الغلظة إلى اللين، ومن الكبر إلى التواضع، ومن العقوق إلى البر، وبالجملة هجر ما نهى الله عنه إلى ما يحبه ويرضاه من الأقوال والأفعال والاعتقادات الظاهرة منها والباطنة، وهذه هي هجرتنا الحقيقية التي تصلح بها مجتمعاتنا، ونصير بها مع المهاجرين الصادقين.
الهوامش:
(1) تفسير القرطبي.
(2) مختصر ابن كثير للصابوني، الشيخ محمد علي الصابوني، ج ۳، الطبعة السابعة، دار القرآن الكريم، بيروت ص ۹.
(3) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي.
(4) فتح الباري شرح صحيح البخاري.
(*)إجازة في الشريعة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل