العنوان حتى لا تضيع الحقيقية
الكاتب د. محمد يوسف عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 17-أغسطس-2002
مشاهدات 63
نشر في العدد 1514
نشر في الصفحة 66
السبت 17-أغسطس-2002
لا خلاف في أن على المسلم أن يقدم الدعوة الإسلامية إلى غير المسلم بالحكمة والموعظة الحسنة، كما قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (سورة النحل: آية رقم 125).
ولا يتجادل اثنان في أن العرض الحسن والأسلوب الجميل من وسائل دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (سورة البقرة: آية رقم 83)، وقال في شأن دعوة فرعون إلى التوحيد من قبل موسى وهارون - عليهما السلام :﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشَى﴾ (سورة طه: آية رقم 44)، إلا أنه من المحظورات أن يعرض الدين الحنيف، وكأنه فقط دين من الأديان أو حضارة من الحضارات، أو فلسفة من الفلسفات، يساوى أو يقارن بغيره من الأديان والحضارات والفلسفات: :﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الشعراء: آية رقم 97:100).
كما أنه من المحظور أن تُصنف الأمة المسلمة وكأنها أمة مثل الأمم الأخرى عليها أن تتقبل ما لدى الآخرين، كما تحب أن يتقبل منها: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (سورة القلم: آية رقم 36:35)، ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ (سورة السجدة: آية رقم 18).
وهذه مواقف غاية في الخطورة، قد تعرض عقيدة المسلم وإيمانه إلى الخلل الجدي؟!.
عندما نقدم الإسلام إلى غيرنا، علينا أن نسمي الأشياء بأسمائها، وأن نضع النقاط فوق الحروف، اعتزازًا بالإسلام.
فالمسألة تنطلق من حقيقة أن الإنسان مخلوق لغاية معينة، هي إخلاص العبادة له سبحانه، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (سورة الذريات: آية رقم 56:58).
وإن مظاهر الحياة وكل النواميس الكونية مستمرة، لتحقيق هذه الغاية الكبرى.
وإن الإسلام ناسخ لكل الديانات السابقة والرسالة المحمدية خاتمة الرسالات السماوية، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (سورة الأحزاب: آية رقم 40).
ولا يمكن أن تتحقق الغاية التي خلق لها الإنسان إلا من خلال الإيمان بالإسلام، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (سورة آل عمران: آية رقم 19).
فالمسلمون هم أمة الإجابة للنبي ، وبالتالي هم أصحاب الدين الحق، أما الأديان الأخرى فهي منسوخة ولا يجوز لأحد التمسك بها، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (سورة آل عمران: آية رقم 85)، فغير المسلمين عقائدهم باطلة، وأديانهم منسوخة وعليهم يتبعوا هذا الدين هو للناس كافة ولا يسعهم غير ذلك قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (سورة سبأ: آية رقم 28).
ويجب على المسلمين أن يبذلوا كل المستطاع لتصحيح أوضاع غير المسلمين، ومحاولة إنقاذهم من الضلال بدعوتهم إلى التوحيد، وما الجهاد في سبيل الله بالنفس والمال لإزالة العقبات التي تعترض سبيل هذه الدعوة الحقة إلا حلقة من هذا الجهد المبذول في سبيل إخضاع البشرية لخالقها، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (سورة البقرة: آية رقم 193).
فالمسلم يضحي بنفسه وماله في سبيل إنقاذ أخيه الإنسان من النار، ويعتبر ذلك أسمى أمانيه «لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرُ النَّعَمِ».
وليس المقصود من هذا تغليب أمة على أمة. ولا جنس على آخر، ولا تحقيق مكاسب اقتصادية أو سياسية، أو اجتماعية، أو غيرها لقوم على آخرين كلا. بل إنه عندما يتم إنقاذ هذا الإنسان ويدخل الإسلام ويكون الأمر بين المسلمين يصبح أفضلهم وأقربهم إلى الله أكثرهم تقوى قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (سورة الحجرات: آية رقم 13).
هكذا ننظر إلى المسألة، أما النظر إليها وكأنها صراع بين أديان وحضارات، وفلسفات فهذا انحراف عقدي، وتصور خاطئ، وأقدح منه ما يحدث الآن من إقامة مؤتمرات تساوي بين الإسلام وغيره من الأديان المنسوخة، أو الباطلة بعناوين غاية في الخطورة، منها مؤتمرات الأديان، أو نحو ذلك من العناوين التي تنبئ بأننا تساوي بين الإسلام وهذه الأديان، لا سيما أنها تعقد في عواصم المسلمين وحواضرهم والمشتركون فيها أغلبهم من المسلمين، وفيهم علماء ومفكرون ومسؤولون وأحب أن أوجه إلى هؤلاء سؤالًا ما الحكم الشرعي فيمن يساوي بين الإسلام والنصرانية، أو بين الإسلام واليهودية، أو بينه وبين الهندوسية مثلًا؟
إن الأمر لا يتعلق بتنازلات سياسية، واقتصادية على خطورتها، وما فيها من محاذير شرعية، ولو بقطعة أرض، مع حرمة المساس بأي قطعة من أراضي المسلمين بسوء، سواء كان ذلك تنازلًا عنها أو أي شكل من أشكال سيطرة غير المسلمين عليها.
بل إن المسألة تتعلق بصراع بين حق خلق من أجله الوجود، وباطل ينبغي التخلص منه والسعي إلى محوه ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (سورة الاسراء: آية رقم 81)، تتعلق بالإيمان والعقيدة والدين الحنيف وبالرسالة المحمدية التي أنزلها الله للعالمين جميعًا رحمة بهم قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (سورة الانبياء: آية رقم 107).
فلا مجال هنا للتنازلات والمساومات، ولا للتلاعب بالألفاظ ولا يوجد هنا ما يسمونه بمساحة للمناورات فإما التمسك بهذا الدين. والصدق في الانتماء إليه، والاعتزاز به وعرضه على الآخرين، بمفهوم ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سورة المنافقون: آية رقم 8) كما قال القرآن، وينظره فإن «الإسلامُ يَعْلُو ولا يُعْلى عليه»؛ كما قالت السنة.
وإما اختيار الطريق الآخر: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (سورة الكهف: آية رقم 29).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل