; حداثة أم تجديد؟ (٤) .. هل هناك تناقض بين اكتمال الدين وتجديده؟ | مجلة المجتمع

العنوان حداثة أم تجديد؟ (٤) .. هل هناك تناقض بين اكتمال الدين وتجديده؟

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 13-مايو-2006

مشاهدات 51

نشر في العدد 1701

نشر في الصفحة 66

السبت 13-مايو-2006

إن منهجنا الإسلامي، بوسطيته الجامعة، لم يعرف ولن يعرف هذه الثنائية الانشطارية التي تقيم التقابل والتضاد بين اكتمال الدين.. والسلفية، وبين الاجتهاد فيه.. والتجديد له.

إننا نتلو في آيات القرآن الكريم قوله سبحانه وتعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: 3).

ونقرأ في السنة النبوية الشريفة، قول رسول الله ﷺ يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها، (رواه أبو داود.. فلا نشعر أن هناك تناقضاً بين اكتمال الدين، بتمام الوحي وختام النبوة والرسالة، وبين التجديد الدائم أبداً لهذا الدين، الذي اكتمل بختم الوحي وتمام القرآن الكريم.

ذلك أن الدين عقيدة وشريعة.. والعقيدة فيه هي الإيمان بالله وكتبه ورسله وملائكته واليوم الآخر.. والشريعة فيه هي كل ما ينهجه المسلم ويسلكه ويقيمه من عبادات.. وقيم.. ومعاملات، كي يعتقد هذه العقيدة ويتدين بها.. ولكل من العقيدة والشريعة أصول وقواعد وأركان، وهي جميعها قد اكتملت بتمام الوحي الذي اكتمل به الدين، وبإقامة الرسول ﷺ وصحابته، رضي الله عنهم لهذا الدين.

فالأصول الثوابت قد اكتملت باكتمال الدين، بينما أفاقها وآثارها والفروع الباسقة منها دائمة النمو والتغير والتطور شاهدة على دوام التجديد، وعلى العلاقة بين هذا التجدد وبين الثوابت المكتملة من الأصول، والقواعد والأركان.

ولوضوح هذه الحقيقة من حقائق المنهج الإسلامي، كان اتفاق مذاهب الفكر الإسلامي على امتناع الاجتهاد في الأصول، ففيها وعليها قامت وحدة الأمة التي هي فريضة دينية، وأصل ديني منذ اكتمال الدین بختم الرسالة، وكان اتفاق هذه المذاهب، كذلك، على أن الاجتهاد الإسلامي مجاله الفروع.. فهو عندئذ يمد، بالتجديد، فروع الأصول إلى المستجدات من الوقائع والمصالح.. ويحل أحكاماً جديدة، أي فروعاً جديدة محل أحكام تجاوزها الواقع الذي تغير والعرف الذي تطور والعادات التي تبدلت والمصالح التي استجدت عندما تكون هذه الأحكام ذات علل غائية، تدور معها وجوداً وعدماً.. بل إن هذا الاجتهاد والتجديد إنما ينهض بدوره الدائم في الكشف عن جوهر الأصول والقواعد والأركان وتجليتها إذا علاها غبار الابتداع فطمس معالمها بالزيادة أو الانتقاص أو التحريف أو فاسد التأويل.. ففي الأصول والقواعد أيضاً، تجديد، بهذا المعنى، وهو الذي جعل حديث رسول الله ﷺ يتحدث عن تجديد الدين، وليس تجديد فكر المتدينين بالدين، وهو الذي جعل رسول الله ﷺ ينبه إلى أن للإيمان، وهو جوهر الدين، تجديداً.. وذلك عندما قال لصحابته وأمته:

جددوا إيمانكم.. قيل يا رسول الله، وكيف نجدد إيماننا؟

قال أكثروا من قول لا إله إلا الله، (رواه الإمام أحمد).

لأن كلمة التوحيد هي الثورة التي تكشف عن نقاء هذا التوحيد، عندما نزيل عن أصوله وجوهره غبار وآثار العبودية والخضوع للطواغيت.. وبذلك يتجدد الإيمان، ويعيد التوحيد فضاء التحرير للإنسان من عبودية هذه الطواغيت، فيكون إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبودية هو قمة التحرير لملكات وطاقات الإنسان!

فليس التجديد، إذن، نقيضاً لـ«اكتمال الدين وثباته».. بل إنه السبيل لامتداد تأثيرات الدين الكامل وثوابته وأصوله إلى الميادين الجديدة، والأمور المستحدثة، والضمان لبقاء الأصول، صالحة دائمة لكل زمان ومكان.. أي أنه هو الضمان لبقاء الرسالة الخاتمة خالدة، ولولا مده الفروع الجديدة إلى الجديد من المحدثات وإقامته الخيوط الجديدة بين الأصول الثابتة وبين الجديد الذي يطرحه تطور الحياة، ولولا تجديده الدائم الذي يجلو الوجه الحقيقي النقي لأصول الدين وثوابته.. لولا دور التجديد، هذا في حياة الإسلام ومسيرته لنسخت وطمست هذه الأصول، إما بتجاوز الحياة الممتدة لظل الفروع الأولى والقديمة، فيعرى هذا الامتداد الجديد من ظلال الإسلام.. أو بتشويه البدع، عندما تتراكم، لجوهر هذه الأصول.

إن الثابت في الشريعة هو فلسفة التشريع، والقواعد والنظريات والأحكام التي قننت للثوابت من مثل القيم والحدود، أما التفاصيل والفروع والجزئيات التي هي موضوع الفقه، فإن باب الاجتهاد والتجديد مفتوح فيها أمام العقل الفقهي، كي يبدع الجديد من الأحكام التي تواكب متغيرات الواقع ومستجدات الزمان والمكان والأحوال والنيات والعادات.. كما قال ويقول الأئمة السلفيون المجددون.

هكذا تحددت.. وتحررت.. ووضحت المفاهيم.. مفاهيم التجديد، والحداثة، وانتفت شبهات التناقض بين اكتمال الدين وبين تجديده.. وأيضاً بين سلفية العودة إلى الأصول والثوابت وبين التجديد في الفتاوى والأحكام. 

وللحديث بقية

الرابط المختصر :