العنوان حرب الجواسيس بين بريطانيا وروسيا
الكاتب هشام العوضي
تاريخ النشر الخميس 06-يونيو-1996
مشاهدات 73
نشر في العدد 1202
نشر في الصفحة 40
الخميس 06-يونيو-1996
هددت روسيا بريطانيا بطرد أعضاء من دبلوماسييها في السفارة البريطانية في موسكو بعد اتهامهم بالقيام بأعمال تتنافى مع مهامهم الدبلوماسية، وقامت الحكومة الروسية بتسليم السفير البريطاني في موسكو أندرو وود قائمة بأسماء تسعة من الدبلوماسيين البريطانيين اتهمتها بممارسة أنشطة تجسسية من أجل الحصول على معلومات عسكرية وإستراتيجية في روسيا.
من جانبها هددت بريطانيا روسيا «بالرد المناسب»، فيما لو قامت روسيا فعلًا بطرد الدبلوماسيين التسعة من دون أن توضح طبيعة هذا الرد، غير أن مصادر مطلعة تكهنت أن الرد البريطاني قد يكون مماثلًا للتهديد الروسي؛ أي طرد بعض الدبلوماسيين الروس في لندن، وكانت هذه الحادثة -التي تتكرر كل يوم في عالم السياسة- أن تعصف بالعلاقات الثنائية بين البلدين، لولا الجهود التي بذلت لتهدئة الأوضاع باعتبار المصالح القوية المشتركة بين موسكو ولندن، فالسفارة البريطانية هناك تقوم بدور مهم في إنعاش الاقتصاد الروسي من خلال ترتيب زيارات تجارية إلى لندن مما جعل للتهديد البريطاني قيمته.
وتجري حاليًا مباحثات بين البلدين على أعلى مستوى للوصول إلى صيغة تحفظ ماء وجه الطرفين، كأن تقوم روسيا بترحيل أعضاء من السفارة البريطانية ممن انتهت مهمتهم الرسمية في موسكو أصلًا، وتخفيض العدد من تسعة إلى ثلاثة أو أربعة، إضافة إلى عدم تصعيد تفاصيل الحادث إعلاميًا. ويفتح الحدث الأخير ملف العلاقة المخابراتية بين روسيا وبريطانيا، فهذه ليست أول مرة تقوم فيها موسكو بطرد إنجليز بتهمة التجسس، ففي مستهل هذا العام قامت روسيا بطرد رجل أعمال بريطاني كان يعمل في الملحقية العسكرية في السفارة في موسكو بتهمة التجسس، كما قامت بطرد بريطاني آخر قبل عامين، إضافة إلى أمريكيين وإسرائيلي لنفس التهمة، ولكن يبدو أن روسيا تعمدت هذه المرة تصعيد الحادث بينها وبين بريطانيا، في اكتشاف أنشطة تجسسية يمارسها بعض الدبلوماسيين في بلد ما بات أمرًا اعتياديًا يدخل في صميم العمل الدبلوماسي، فكما قال مسؤول سابق في المخابرات الروسية الـ KGB «جميع الدبلوماسيين مخابرات»، كما أنها ممارسة طبيعية تتم بين أشد الدول صداقة، ففي العام الماضي مثلًا قامت فرنسا بطرد خمسة أمريكان بتهمة التجسس لصالح الCIA، لماذا إذًا صعدت روسيا من حادث التجسس الأخير؟
تشير بعض التحليلات إلى أن الموقف الروسي يمثل ردة فعل متأخرة لتقرير بريطاني نشرته لجنة الأمن البرلمانية في مارس الماضي، يحذر من تزايد الأنشطة التجسسية لروسيا في بريطانيا، ولم يوضح التقرير بالأرقام حجم هذه الأنشطة، فجاء الموقف الروسي الأخير كي يبعث رسالة إلى الحكومة البريطانية بأن موسكو على اطلاع مماثل على أنشطة لندن التجسسية في روسيا، بل وعلى اطلاع دقيق لدرجة تقديم قائمة بأسماء المتورطين إلى السفير البريطاني شخصيًا.
ولكن على الصعيد الأهم يحاول يلتسين من خلال هذه الحركة الإعلامية كسب الجيش إلى صفه في الانتخابات الرئاسية التي سيخوضها ضد منافسه الجنرال زيجانوف الشهر المقبل.
ويلتسين مطلع باهتمام على حالة التململ التي يشهدها الجيش من سياسته الحالية، وحريص على الظهور بمظهر المحافظ على أمن واستقرار البلد من اختراق الجواسيس، كما يشعر الجيش بعدم الارتياح من التدخل الغربي الواضح في الشؤون الروسية بطريقة لم تكن معهودة فترة الحرب الباردة، واطلاعه على معظم الأسرار الأمنية مثل نظام التسلح والقدرة النووية، ويعتقد يلتسين أن بمقدوره إعادة الشعور بالعزة للجيش بمثل الخطوة الأخيرة.
ولا يزال الغرب بعد انتهاء الحرب الباردة حريص على وضع أنشطة روسيا تحت المراقبة، فمع أن أولويات المخابرات الغربية تغيرت بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، إلا أنها لا تزال تشمل مراقبة وضع الصادرات العسكرية إلى الدول المجاورة، وهناك قلق غربي واضح من قيام روسيا بتصدير معدات عسكرية إلى إيران، مما قد يزيد من قدرة طهران في بناء قوة نووية تهدد مصالح الغرب في المنطقة، ويشمل الاهتمام الغربي دوائر المخابرات البريطانية والأمريكية، إضافة إلى اهتمام «إسرائيل» المماثل بالموضوع، وتغير المخابرات البريطانية اهتمامًا خاصًا لوضع روسيا الاقتصادي والإستراتيجي، والتهم التي نسبت إلى الدبلوماسيين التسعة تبين ذلك بوضوح وعلاقة المخابرات البريطانية (M16) التي أنشئت في عام ۱۹۰۹ مع روسيا علاقة قديمة، ففي عام ١٩٦٨م تقاعد السفير البريطاني جفري هاريسون بعد اتهامه بالتجسس، كما قام الاتحاد السوفييتي بطرد بعض الدبلوماسيين البريطانيين في السنوات ۱۹۷۱ و١٩٨٥ و۱۹۸۹م، وتعتبر المخابرات البريطانية التي يصل عدد العاملين فيها إلى أكثر من (۲۰۰) شخص- أن أعظم إنجاز حققته في هذا المجال هو نجاحها في تهريب عميل مزدوج كان يعمل في مخابرات الاتحاد السوفييتي ال KGB.
وفي المقابل كانت سفارة الاتحاد السوفييتي تمثل فترة الحرب الباردة المركز الرئيسي لجلب المعلومات عن أوروبا الغربية إلى سنة ١٩٧١م عندما تم طرد ما يقرب من (١٠٥) دبلوماسي وصحفي وممثلي نقابات من لندن بتهمة التجسس، وكان الـ KGB يضم إلى فترة الحرب الباردة ما يربو على (٤٠٠) ألف عميل، إضافة إلى (۲۰۰) ألف في الجيش.
أما المخابرات الأمريكية الCIA فتضم حوالي (۲۸) جهازًا مخابراتيًا منفصلًا لجمع كل ما يتعلق بالقضايا السياسية والاقتصادية والعسكرية للدول المختلفة، وتصل ميزانية الCIA إلى حوالي (۲۸) بليون دولار، غير أن الميزانية بالضبط وكيفية مصارفها شيء سري، وفي الفترة الأخيرة تسربت إلى الإعلام فضيحتان أثرتا بقوة على سمعة الCIA، ففي سنة ١٩٩٤م اكتشفت السلطات الأمريكية أن أحد القياديين القدماء في الCIA كان يبيع المعلومات إلى الاتحاد السوفييتي سابقًا، وقبل عام اكتشفت السلطات أيضًا أن أحد المتهمين بالقتل كان على جدول رواتب الCIA.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل