; حرب الإبادة الروسية لشعب الشيشان المسلم | مجلة المجتمع

العنوان حرب الإبادة الروسية لشعب الشيشان المسلم

الكاتب أسعد طه

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1995

مشاهدات 88

نشر في العدد 1145

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 11-أبريل-1995

موضوع الغلاف 

«المجتمع» في قلب أحداث الشيشان

أهالي داغستان يتعاطفون مع الشيشان ويعقدون المؤتمرات الشعبية لدعم القضية الشيشانية رغم أنف الحكومة الشيوعية

بيانات المقاومة الشيشانية في داغستان: التاريخ لن يرحمكم إذا تخاذلتم عن نصرة الشيشان

القوات الروسية تنجح في اقتحام المدن ولكنها تفشل في السيطرة عليها وتتغير باستمرار الخطوط الفاصلة بين الطرفين

باستثناء محلات ماكدولاند والبيتزا الإيطالية فإن شيئًا جديدًا مهمًّا لم يطرأ على موسكو منذ زيارتي الأخيرة لها قبل ثلاث سنوات، النمط نفسه من الحياة البدائية الروتينية في بعض الأحيان، والهمجية في أحيان أخرى، والكئيبة في كل الأحيان.

وفي كل مرة أزور فيها موسكو تتجدد دهشتي أي حياة تعيسة تلك الَّتي جلبتها لأهلها نظمهم الشيوعية البائدة، وأي إغراء فيها حال دون أن ينتفضوا ضدها، أو على الأقل لا يقعوا أسرى القناعة بها؟

إلا أن الفارق الَّذي يفصل بين العواصم الأوروبية وموسكو هو ذاته الَّذي يفصل بين موسكو ومحجي قلعة عاصمة داغستان إحدى الوحدات السياسية في الفيدرالية الروسية.

وشأن «محجي قلعة» في هذا التخلف شأن كل الجمهوريات والمناطق المسلمة الَّتي ضمت عنوة إلى الشقيق الأكبر في موسكو. 

هبطت بنا الطائرة في العاصمة الداغستانية الساعة السابعة مساءً متأخرة فقط ساعتين لأجد شرطيًا يقف على بابها يفحص جوازات سفر الركاب رغم أن الرحلة المتجهة إلى داغستان تعد داخلية في العرف الروسي، وهي كذلك أيضًا حسب النظام الدولي الجديد في رؤيته لأزمة المسلمين هناك، لكن النظام الشيوعي كان يحول دون انتقال الناس بين أرجاء بلاده الشاسعة إلا وفق تصاريح خاصة. 

من سلم الطائرة إلى الشارع مباشرة ومنه إلى فندق المدينة الرئيسي الَّذي يبلغ حدًا من التواضع لا يمكن وصفه، والحديث عن أمور مثل التدفئة أو الاتصالات الهاتفية الداخلية وليست الدولية هو ترف لا حاجة للبشر هناك به. 

في الصباح بدأت أتحسس معالم العاصمة الداغستانية الَّتي بدت لي متعبة ومثقلة تحت وطأة إفرازات حقبة شيوعية واستعمارية طويلة، لكن المدهش هو السمت الإسلامي العام والمساجد المكتظة عن آخرها بالمصلين في صلوات الجمع، وإن كانت تحكمهم غالبًا خرافات الصوفية، ويبدي عامة الأهالي الداغستانيين تعاطفًا شديدًا مع «الإخوة» في الشيشان وتعقد من حين لآخر مؤتمرات شعبية لدعم القضية الشيشانية، لكن الحكومة الشيوعية الَّتي مازالت تعتلي رقاب المسلمين هناك تحول دون أعمال علنية لدعم المقاتلين الشيشان وتبدي ولاءها الشديد لموسكو. 

من «محجي» توجهت إلى بلدة خسافيروت الواقعة على الحدود الشرقية الفاصلة بين داغستان والشيشان، والَّتي تعد النقطة الأولى لاستقبال اللاجئين الشيشان من النساء والعجائز والأطفال الفارين من مناطق الحرب، ويسكن البلدة أعداد كبيرة من الأهالي الذين تعود أصولهم إلى الشيشان، ويقول بعضهم إن هذه البلدة تقع ضمن جمهورية الشيشان لكنها ضمت إلى داغستان عندما رحل الشيشانيون عن بلادهم عقابًا لهم من ستالين على ما اتهمهم به من دعم للألمان.

والبلدة على اتساعها تبدو كما الريف في بلادنا لكنها تكتظ باللاجئين الذين استقبلهم الأهالي في بيوتهم الخاصة، ورفضوا تسكينهم باستثناء مجموعة قليلة في المدارس أو النوادي وغيرها من الأماكن الَّتي يستقبل فيها اللاجئون عادة.

وتوزع خلسة البيانات القادمة من الشيشان تحث الأهالي الداغستانيين على الثورة، وحذرت إحدى هذه البيانات الَّتي وقعت في أيدي «أبناء داغستان الشجعان من أن التاريخ لن يرحمهم إذا تخاذلوا عن نصرة الشيشان»، وذكرهم البيان «بأيام الإمام شامل عندما حاربنا معكم ضد القيصر، وحان دوركم الآن في رد النصرة»، وفي بيان آخر يتداوله الداغستانيون وعدت القيادة العسكرية الشيشانية بتحرير كل القوقاز من الروس المحتلين، ووصف البيان موقف حكومة داغستان بأنه مخز، وناشد الشعب الداغستاني بأن يبدأ خطوة عملية للمشاركة في الحرب المقدسة ضد الروس واختتم البيان بالموت للروس المحتلين، والله معنا وسنظل نجاهد من أجل الله والله أكبر.

جرائم الحرب الروسية في الشيشان

وتغذي روح التمرد ضد الروس القصص المؤلمة الَّتي يتناقلها القادمون من أرض الشيشان، وحكت «ليدا حاجيفي» القادمة من جروزني أنها شاهدت بنفسها طفلًا لا يتعدى العاشرة من عمره ممددًا على الأرض بعد أن قطع الجنود الروس أطرافه الأربعة، وقالت إنها عادت إلى جروزني بعد أن كانت قد غادرتها لجمع بعض حاجاتها الثمينة، وفي طريق عودتها مرت بقرية بترافلاكسي والَّتي تبعد ثلاثة كيلو مترات جنوب العاصمة، وحكى لها أهل القرية عن جرائم الجنود الروس، وقالت إنها شاهدت رجلًا مقتولًا يدعى أيوب يبلغ من العمر اثنين وأربعين عامًا تعرض للاغتصاب من قبل الجنود الروس أمام أبنائه ثم قتل بعد الجريمة، وأضافت المرأة الَّتي كانت تتحدث بصوت متهدج في مركز لتجمع اللاجئين: إن عشرات من الفتيات والنساء في الشيشان قد تعرضن للاغتصاب. 

وقالت إيزان زاجالافيا القادمة من مدينة شالي: إن الطائرات الروسية قصفت قسم الولادة في مستشفى المدينة مما أدى إلى مقتل غالبية الأطفال حديثي الولادة الذين كان يضمهم المستشفى، وقالت إن الأهداف المدنية مستهدفة من قبل الطائرات الروسية الَّتي تركز على قصف الأسواق الرئيسية وأماكن تجمع اللاجئين. 

ويعاني مستشفى البلدة والَّذي ينقل إليه المصابون والجرحى من الشيشان من حالة صحية مزرية، خصوصًا إذا علمنا أنه يعاني من نقص في المواد الطبية وغياب الأجهزة الحديثة حتى من قبل الحرب الَّتي أدت إلى مزيد من التدهور في مستوى الرعاية الَّتي يقدمها للمصابين، وكل من رأيتهم هم من النساء والأطفال، أما الرجال المصابون فقد كانوا هنا قبل أن يقوم الجيش الروسي بمحاصرة المستشفى وترحيل الرجال المصابين ومعاملتهم كأسرى حرب.

 وفي قسم الأطفال رأيت اثني عشر طفلًا منهم أربعة في حالة خطيرة يفترشون الأسرة المتواضعة وقد جردوا من ملابسهم تمامًا بعد أن أصيبوا بحروق بالغة بفعل القنابل الروسية، وقد استلقى أحدهم على بطنه بعد أن نهشت مؤخرته وبان العظم مختلطا بالدم.

إلى العاصمة جروزني

عبر طرق جبلية وعرة شققت طريقي إلى داخل الأراضي الشيشانية وعلى طول الطريق كانت السيارات العامة والخاصة تحمل شحنات بشرية من اللاجئين، ولأن الأرض طينية فقد إلى حدث بها في أكثر من مكان هبوط من جراء سقوط الأمطار، ويضطر الناس إلى عبور هذه المناطق مترجلين بينما أعينهم معلقة إلى السماء، فالطائرات الروسية الشجاعة تلاحق النسوة والأطفال الهاربين من مناطق الحرب وفي أحد المنعرجات كانت هناك شاحنة محترقة بالكامل إثر إصابتها بقذيفة من طائرة مروحية، وكان بعض الرجال يخلصون جثث الضحايا المحترقة من حطامها.

ها هو المشهد نفسه يتكرر والَّذي عانيت منه كثيرًا في البوسنة والهرسك، ها هي نفس الوجوه، نفس القسمات نفس الجريمة الإصرار على حمل الإسلام هوية وعقيدة، عجائز يتمنون الموت ولا يفارقون الأرض والبيت الَّذي عاشوا فيه سنوات العمر، أطفال تبدو عليهم معالم الذعر والخوف من مستقبل غير معروف، وأثار الطريق تبدو عليهم واضحة.

مع مجموعة من المقاتلين دخلت جروزني من مدخلها الجنوبي الَّذي ما زالت القوات الشيشانية تتحكم فيه، وتنطلق منه لتمارس مهامها القتالية. 

ليس بوسعي وصف المدينة، فمن الصعب أن تجد ولو بناية واحدة سليمة معافاة، وقد انتشر الدمار وآثار الحرائق في كل مكان، ولا مجال للحديث عن إعادة التعمير، فالمدينة تحتاج إلى مدينة جديدة بكل ما يلزم ذلك من شبكات طرق وخدمات عامة ...إلخ.

المشهد الغريب هو الصواريخ الروسية الَّتي وكانت تقذفها الطائرات وسقطت ولكنها لم تنفجر وقد انتشرت هنا وهناك بأعداد كبيرة، وسألت نفسي ماذا يمكن أن يحدث لو انفجرت كل هذه الصواريخ ويخرج الناس بحثًا عن مصدر للماء أو سعيًا لسد الاحتياجات الأساسية بعد أن توقف أو كاد نبض الحياة في المدينة الحزينة، لم أمكث طويلًا في الضاحية الصغيرة من جروزني الَّتي مازالت بيد المسلمين وخرجت متجهًا إلى بلدة شالي.

كانت الشمس تودع النهار وركبنا لنصل إلى مشارف بلدة شالي، واحدة من ثلاث مدن في تمثل أهدافًا رئيسية للهجمات الروسية بعد المتواصلة، وشاهدت أمام مركز القيادة أعدادًا من المقاتلين الشيشان وقد عادوا لتوهم من ساحة المواجهة متعبين لكنهم مستبشرون بنصر آت لا محالة، وقال أحدهم: إذا لم نحصده نحن فسوف يجنيه أبناؤنا لكن الروس الغرباء لا حياة لهم فوق أراضينا.

بحلول الليل غرقت شوارع المدينة في ظلام دامس فيما كانت تسمع زخات الرصاص هنا وهناك، في الوقت الَّذي كانت فيه المدافع الثقيلة ومنصات إطلاق الصواريخ تعزف سيمفونية فريدة تصم الآذان، وتبث الرعب في النفوس وتهز بقايا بنايات المدينة المدمرة.

وأحصيت سقوط قذيفة كل نصف دقيقة دون انقطاع حتى ساعات الفجر الأولى، وعلى عكس ما كنت أتوقع فإن القصف الروسي يشتد في المساء، لإجهاض أية عمليات تسلل انتحارية تقوم بها القوات الشيشانية عادة في الليل.

غير أن هذه الأجواء الموحشة لم تمنع من تبقى من الأهالي في المدينة من أن يفترش بعضهم الطريق عارضين بضاعتهم للبيع، وهي عادة ما تكون سجائر ومشروبات للمقاتلين تباع في أضواء الشموع، وتسهم عائداتها في توفير بعض الاحتياجات بعد أن توقف أو كاد يتوقف نبض العمل والحياة.

وبانقضاء ساعات الليل اشتد القصف الروسي ليتحول الليل إلى نهار مع القذائف المضيئة الَّتي تطلقها القوات الروسية فتبقى معلقة في السماء لفترة طويلة، وبعد أن كنا نسمع أصوات الطائرات الروسية الحاملة للمؤن بدأنا نسمع صوت الطائرات المقاتلة الَّتي لا تتوقف عن قصف المدينة حتى في المساء وسقطت بالقرب منا بعض القذائف، ولم تنفجر إلا واحدة، وسمعت صرخة مدوية، وعرفت بعد ذلك أنها أصابت مقتلًا، وتذكرت البيانات الروسية الَّتي تتحدث عن تجنب القوات الروسية للمناطق المدنية والسكنية.

مع ساعات الصبح الأولى يهدأ القصف نسبيًا، وأرى شوارع البلدة خاوية، إلا من المقاتلين الأشداء عائدين من خطوط القتال أو في الطريق إليها، وقد راعني المشهد تمامًا، فقد رأيت أحياء بأكملها وقد دمرتها الطائرات الروسية فلم تبق فيها حجرًا على حجر، لكن الناس مازالت تقاوم وإرادة الحياة لديها لا تلين وشاهدت عجوزًا في السبعين وهي تلملم مخلفات ما دمرته الطائرات الروسية من أمام بيتها، وكأنها تتهيأ لاستكمال حياتها اليومية بشكل طبيعي، وكانت تنظر بغضب معترضة على السيارات المارة أمامها تحمل الجيران وأمتعتهم راحلين إلى الأقرباء في الجبال بعيدًا عن متناول القصف الروسي.

والتقيت في بلدة شالي -الَّتي قيل إنها سقطت بعد خروجنا منها- مع أصلان مسخادوف -قائد القوات الشيشانية- الَّذي اتهم روسيا بأنها تخوض حربًا بربرية لم يسبق لها مثيل، وأنها تستخدم كل الوسائل العسكرية المتاحة لديها بما فيها المحرمة دوليًا لقهر الشيشان، لكنه اعتبر أن القوات الروسية لم تتم فعليًا احتلال أية رقعة من الأراضي الشيشانية وقال: إنه ليست هناك أرض يمكن القول إن القوات الروسية تسيطر عليها بالكامل فمقاتلونا يتواجدون على الطرق الرئيسية، وفي مداخل المدن، ويقومون باستمرار بعمليات على كل الأراضي الَّتي تنتشر فيها القوات الروسية وقدر قائد القوات الشيشانية خسائر القوات الروسية بثمانية عشر ألف جندي وحوالي ستمائة آلية عسكرية، فيما بلغت خسائرنا ألف شهيد؛ لأن الرقم الحقيقي للضحايا هم من المدنيين.

وخلال جولاتنا على أكثر من موقع على خطوط المواجهة الشيشانية- الروسية، فإن القادة العسكريين الشيشان قللوا من أهمية الأنباء الَّتي تتحدث عن سقوط أكثر من مدينة شيشانية في أيدي الروس وحسب رأيهم، فإن القوات الروسية قد تنجح في اقتحام المدن الشيشانية لكنها تفشل في السيطرة عليها، وتتغير دومًا الخطوط الفاصلة بين الطرفين باستمرار الهجمات العاكسة الَّتي تشنها القوات الشيشانية. 

ويعد المقاتلون الشيشان أنفسهم لحرب استنزاف طويلة الآن، ويراهنون على عدم قدرة القوات الروسية على مواجهتها، وهي الَّتي تحتاج إلى إمدادات يومية تجلبها من على بعد آلاف الكيلو مترات مما سيصيب الاقتصاد الروسي بالانهيار إذا ما استمرت الحرب سنوات طويلة.

ويعتقد المقاتلون الشيشان أن الحرب ستدخل مرحلتها الأصعب عندما ينتقلون إلى الجبال ويستشهدون على ذلك بخمسة وعشرين عامًا استطاع خلالها الزعيم الوطني الشيشاني الإمام شامل إدارة حرب عنيفة ضد القوات الروسية منطلقًا في عملياته العسكرية من الجبال قبل أكثر من مائة وخمسين عامًا.

غير أن قدرًا من الفوضى ما زال يحكم سلوك القوات الشيشانية، لكنها في الوقت ذاته تمتلك كميات لا بأس بها من الأسلحة والذخائر كما أنها استولت على أعداد غير قليلة من الدبابات الروسية الَّتي أعادت طلاءها ورفعت عليها الأعلام الشيشانية.

عبر هذا الطريق الجبلي الوعر شققت طريق العودة متذكرًا أن ما يحدث في هذه المدينة المنكوبة شالي تعايشه أيضّا المدن الشيشانية الأخرى، وألوف اللاجئين يهرعون تاركين البيوت والممتلكات بحثًا عن منطقة أمان، وأعداد المصابين والجرحى تزداد، والحديث عن الجرائم الَّتي ترتكبها القوات الروسية لا يتوقف كما توقف الإعلام العالمي عن الحديث عن الحرب الدائرة في الشيشان.

الزائر لمدن الموت الشيشانية ليس بوسعه إلا أن يندهش ثم يندهش، فالدم الأحمر القاني يسيل غزيرًا غزيرًا ويملأ الأرض، لكنَّ العالم المتحضر المدافع عن حقوق الإنسان ما زال يراه أمرًا روسيًا داخليًا لا حاجة لقلق الضمير الإنساني بشأنه.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل