; حرب في رمضان؟! | مجلة المجتمع

العنوان حرب في رمضان؟!

الكاتب د. إيمان الشوبكي

تاريخ النشر السبت 29-سبتمبر-2007

مشاهدات 62

نشر في العدد 1771

نشر في الصفحة 49

السبت 29-سبتمبر-2007

(*) كاتبة أردنية

طال السبات، وأنّت المضاجع من غلبة النوم، واشتكى الليل من كثرة الغافلين.. ألم يئن للنفوس أن تنفر؟.. ألم يئن للقلوب أن تسأم؟.. ألم يئن للجوارح أن تتحرك؟.. هيا لنعلنها حربًا على كل معتد ظالم، مغوٍ فاسد ينفث سمومه... ألا وإن أول هؤلاء هي «النفس الأمارة» .... ووكر سيئاتها، وهو الهوى المتبع.

فلنعلن الحرب على الذنوب والمعاصي وإغواء الشيطان، فالفرصة مواتية لمواجهة هذا العدو، حيث تسلسل الشياطين، وتصفد مردة الجن، وتغلق أبواب النيران، وتفتح أبواب الجنان.. فهذه فرصتنا أن ننقض على ذنوبنا لنتوب منها، ونقف للمعاصي والسيئات في خندق نتربص بها، فأسلحتنا الآن أقوى من أي وقت آخر، فإن كان لرمضان انتصارات عظيمة في معارك حربية، فإن الانتصار في المعارك النفسية أعظم في هذه الأيام، لأنه منحة ربانية وقوة إلهية يمنحها من ينوي بإخلاص ويعلنها حربًا على نفسه وهواها، ويخطط لسيئاته كيف يمحوها، وحسناته كيف يزيدها، وقلبه كيف يطهره، وصدره كيف ينقيه، وبصره كيف يغضه عن رؤية ما حرم الله، وسمعه كيف يحرمه التلذذ بغير آيات الرحمن، ولسانه كيف يعفه عن اللغو، وأخلاقه كيف يمنعها من السقوط في مكائد شياطين الإنس...

فتلك خطته التي لن يجد فرصة أعظم من رمضان لتنفيذها عند فطره وسجوده وقيامه وتهجده، وخاصة في ليلة القدر.. فإن فاتته ليلة ندم، واستبشر بسماع النداء في غيرها: «يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أدبر» ... يمنحه قوة على مواجهة عدوه في الأيام الباقية حتى يعلن انتصاره، ولكن هذه المهمة تحتاج إلى أسلحة، فلكل جندي موقع لا يغادره، وسلاح لا يتركه ...

أسلحة.. ومقومات

وأسلحة ضبط النفس في رمضان كثيرة، من أعظمها «الدعاء»، وله مواضع انطلاق تصيب الهدف فترديه، ومواقيت استجابة معروفة تدعو الله فيها بالثبات ومحو الذنوب وتتحرى ليلة نزل فيها كلام الله، هي خير من طاعة ٨٣ عامًا، عسى الله أن يقبلك فيها، وتمرغ أنفك له ساجدًا راجيًا: «يا رب ها أنا ذا أسجد لك كما أمرتنا، فاللهم أعطنا ما وعدتنا»...

ولهذا السلاح طرق صيانة ومقومات أهمها: إخلاص العمل لله، والتخلي عن الأنانية بشمولية الدعاء، والتحلي بالذكر الدائم مستحضرًا النية، لاهث اللسان والشفتين بالحمد والاستغفار.

وحين تتدبر آيات الله بقلب خاشع تشعر أنه- جل في علاه- يخاطبك ويناجيك ويناديك، فهل أنت منتهٍ عما نهاك؟.. وهل أنت فاعل ما أمرك به؟... هل تبكي مع آيات العظمة والقوة لله؟ ... هل ترتجف من النار التي أعدت لبني آدم عند آيات العذاب، وتدعوه بالثبات عند آيات الرحمة والجزاء؟

ولعل عيش جوارحك في تلك الثكنة العسكرية خلال شهر رمضان، يعلمك الصبر وتحمل تبعات أعمال كثيرة في حياتك.. فمثلًا، يعلمك الرفق بالآخرين حينما تتذوق طعم الحرمان فيرق قلبك وتبسط يدك.. وقد قال ابن القيم رحمه الله: «الله ملك السموات والأرض واستقرض منك حبة فبخلت بها، وخلق سبعة أبحر وأحب منك دمعة فقحطت بها عيناك» «الفوائد»... ويعلمك أيضا التنظيم وحسن التدبير بلا إسراف ولا تبذير، ويهبك القوة الإيمانية التي تستطيع بواسطتها، مواجهة هوى نفسك، ويمنحك قلبًا خاشعًا وعينًا دامعة.. ويكسبك ديمومة الإنابة والرجوع إلى الله: فلا تقنط من رحمته، ولا تيأس من عفوه ومغفرته ...

متابعة.. ونصر.. وجائزة

ولتلك المعركة مراحل ومحطات يتزود منها المسلم، من أهمها:

(ر).. رحمة الله بعباده.

(م).. مراقبة الله في كل وقت وحين، فلا يخشى أحدًا سواه.

(ض).. ضياء الصبر والتحمل.

(أ).. ألفة تجمع الصائمين على إفطارهم.

(ن).. نور الإيمان والهداية، بعد ترك المعاصي.

ولا بد من متابعة الجنود، والتأكد من أن كلًا في موقعه يقوم بعمله: فالجوارح تؤدي طاعات ربها، والقلب مخبت لله عز وجل، والعقل متدبر منفذ لآياته.. فإن تفقد أحدهم ولم يجده مكانه، فل يكلفه بطاعة مضاعفة جزاء لتقصيره، لأن تخلف أي عضو عن مكانه قد يكون عامل خسران للمعركة الرمضانية على النفس الأمارة وهواها.

وفي النهاية، يأتي العيد ومعه لذة الفرح بالنصر، والتخلص من اتباع هوى النفس، فذاك ما يستحق جائزة الله جل وعلا، وما أعظمها جائزة حين يخفيها عن العبد، إذ يقول في حديثه القدسي: «الصيام لي وأنا أجزي به»... فما بالك بعمل قد خصه الله عز وجل له.. وما بالك بمكافأته الخاصة عليه؟ أفلا يستحق ذلك.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 83

92

الثلاثاء 26-أكتوبر-1971

غداً تشرق الشمس

نشر في العدد 185

139

الثلاثاء 29-يناير-1974

الصبر.. ضرورة لحياة الدعاة

نشر في العدد 241

115

الثلاثاء 18-مارس-1975

الابتلاء في سبيل الله