; حرية المواطن بين الشريعة والقانون | مجلة المجتمع

العنوان حرية المواطن بين الشريعة والقانون

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1992

مشاهدات 78

نشر في العدد 1008

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 21-يوليو-1992

لقد كفل النظام الديموقراطي الغربي حقوق المواطن وحرياته وأصبح هذا النظام هو أمل كثير من العرب الذين يظنون أنه عند تطبيق النظام الإسلاميِّ سيفقدون هذه الضمانات الأمر الذي نعقد معه هذه المقارنة فيما يتعلق بالمساواة وصلاحية تعطيل هذه الحقوق ونكتفي بالنظام الفرنسي باعتباره المثل الأعلى في ذلك.

1- لقد نصت المادة السادسة من الدستور الفرنسي الصادر عام ١٩٥٨ على تخويل السلطة التنفيذية سلطات واسعة في حالة وجود أخطار على كيان الدولة ولكن إذا أساء رئيس الجمهورية استخدام هذه السلطة كان للشعب أن يوقفه أو يعزله بعد زوال حالة الطوارئ.

وهكذا خول هذا النص السلطة التنفيذية سلطات غير قانونية أن تعطل القانون وتقيد حقوق المواطن وحرياته وفي المقابل فإن القيد على هذه السلطات المطلقة هو ألا يسئ الرئيس استخدام هذه السلطات، وكم أساءت السلطة التنفيذية استخدام قانون الطوارئ في عدد من البلاد العربية استنادًا إلى هذا المبدأ، وتعتبر هذه الإساءة أمرًا ليس له ضوابط ولا ضمانات.

2- كما خول الدستور السلطة التنفيذية إصدار قرارات في حق المواطن تقيد حريته وحقوقه إذا تعلق ذلك بأعمال السيادة وهذه الأعمال وما يصدر بشأنها من قرارات لا تخضع لرقابة القضاء بالإلغاء أو التعويض.

3- وطبقًا للدستور الفرنسي سالف الذكر فإن رئيس الجمهورية غير مسؤول عن الأعمال التي يؤديها أثناء عمله (أي المخالفات التي تصدر منه)، إلا إذا كانت من قبيل الخيانة العظمى وهذه لا يحاكم فيها كباقي الأفراد بل ينظم الدستور محاكمة خاصة له من حيث تشكيل المحكمة ومكانها وإجراءاتها.

4- وإلى وقت قريب كانت الاشتراكية العلمية أي الشيوعية هي أساس الشرعية فالمادة (٤) من دستور أكتوبر ۱۹۷۷ تنص على أن تعمل الدولة السوفيتية وجميع هيئاتها على أساس الشرعية الاشتراكية.

ولكن مجلس السوفييت الأعلى ورئاسته كثيرًا ما خرج عن هذه الشرعية الاشتراكية بتفسيرات تستند إليها وإن كانت تعارض المذهبية الماركسية والدستور يخول هذا المجلس ذلك فالمادة ١٧٤ تقضي بجواز تعديل الدستور بقرار من مجلس السوفيات الأعلى بأكثرية لا تقل عن ثلثي الأعضاء، ولكن يلاحظ أن الرئيس ومن يقربهم إليه هو الذي يوجه هذا المجلس.

فكان أن أصبح لكل رئيس تعديل في هذه الشرعية وهذه التعديلات تدرجت في الابتعاد عن الشيوعية حتى انتهت بالنص صراحة على إلغاء دور الحزب الشيوعي في جمهورية روسيا الاتحادية والتي لم تكتف بذلك، بل أعلنت التحول الصريح من الشيوعية إلى نظام السوق الحر والأخذ بالديموقراطية.

وفي أوائل يوليو ۱۹۹۱ أعلن مجلس السوفيات الأعلى الموافقة على بيع بعض ممتلكات القطاع العام إلى الأفراد ولو كانوا من الدول الرأسمالية وفتح المجلس بقانون إصداره الباب للاستثمار الحر في الاتحاد السوفياتي وضمن عدم تعرض أموال المستثمرين الأجانب لأي مصادرة من الدولة.

القضاء وأعمال السيادة

إنه إذا كان النظام الديمقراطي يخضع أعمال السلطة التنفيذية لرقابة القضاء، إلا أن مجلس الدولة الفرنسي استقر على عدم خضوع أعمال معينة لرقابة القضاء وتسمى هذه أعمال السيادة. فالأعمال ذات الطبيعة السياسية الصادرة عن السلطة التنفيذية لا تخضع لرقابة القضاء، وتحديد هذه الأعمال متروك للحكومة والتي تسعى إلى توسيع دائرة هذه الأعمال، ومهما حاول القضاء وضع معايير لأعمال السيادة أو ذكر أمثلة لها كالنص على أنها تلك التي تتعلق بالمحافظة على الأمن الداخلي والنظام العام أو الأعمال المتصلة بالعلاقات الدولية أو بعلاقة الحكومة بالبرلمان.

فإن هذه الأعمال أو هذا الاستثناء سيظل خطرًا على حريات الأفراد وحقوقهم الذين يسلبهم القضاء حق إلغاء هذه القرارات الظالمة أو التعويض عنها كوسيلة للحد منها:

لقد خلت نصوص القرآن والسنة من الاستثناءات التي تعطي الحاكم الحق في الاعتداء على حقوق المواطن وحرياته

الطوارئ والنظام الإسلامي

إن الاستثناءات التي تضمنتها النظم الغربية وعطلت بموجبها القوانين فيما يتعلق بحقوق المواطن وحرياته أو فيما يتعلق بمبدأ المساواة بين الناس وبقانون الطوارئ.

هذه الاستثناءات لا يعرفها الإسلام ولا يقرها فعلى سبيل المثال لا الحصر، فالحاكم في النظام الغربي وفي النظم العربية التابعة لأوروبا والمقلدة لقوانينها له خرق الحقوق والحريات في حالات تسمى بالطوارئ وأخرى تسمى بأعمال السيادة.

والحاكم في الإسلام ليس له هذه الاستثناءات لأن الحقوق ليست منحة من الحاكم أو عقدًا اجتماعيًّا بينه وبين الناس فيجوز تعديله بل هي حدود لله قررها للحاكم والشعب ولا يملك أحد أن يعدل فيها أو ينتقص منها، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا (الأحزاب:36).

والحاكم في الإسلام لا يتميز على أي فرد من الأفراد فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ أن أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ أن اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات:13).

والنبي صلى الله عليه وسلم في إعلانه حقوق الإنسان في حجة الوداع قال: «الناس سواسية كأسنان المشط، كلكم لآدم وآدم من تراب» (رواه أبوداود والترمذي).

والحاكم في غير النظام الإسلاميِّ لا يمثل أمام القضاء العادي بل تشكل له محكمة خاصة في تشكيلها وإجراءاتها لأن ذاته وصورته لا تمس ولا يتساوى مع الرعية، وهذا نجده في الدستور الفرنسي والدستور المصري.

وفي الإسلام لا يتميز الحاكم عن غيره فالناس سواسية وآيات القرآن الكريم في ذلك لا تحصى، وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم- ذلك في حجة الوداع بقوله: «يا أيها الناس: ألا إن ربكم عز وجل واحد، ألا وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ألا لا فضل لأحمر على أسود إلا بالتقوى ألا قد بلغت؟ قالوا نعم قال: ليبلغ الشاهد منكم الغائب».

والحاكم في غير النظام الإسلاميِّ لا يحاكم على الجرائم العادية إنما يحاكم للخيانة العظمى وأمام محكمة خاصة.

والإسلام يجعل الحاكم كآحاد الناس وفي هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد» (صحيح مسلم شرح النووي ج ١١ ص ١٨٦).

لقد خلت نصوص القرآن والسنة من الاستثناءات التي ترد على حقوق المواطن وحرياته، حتى في الحالات التي تتعرض فيها السلطة التنفيذية للاغتيال والتجمهر فعندما انسحب عبدالله ابن سلول زعيم المنافقين ومعه ثلث جيش المسلمين بعد أن حرضهم على التمرد وقال فريته التي سجلها القرآن الكريم في قول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (المنافقون:8).

ومع هذا لم يتخذ النبي- صلى الله عليه وسلم- أي إجراء استثنائي ورفض التعرض لابن سلول ومن معه لأنهم لم يعتدوا على أحد ولم يتعرضوا لأحد بأذى، وعندما تجمهر الغوغاء من مصر والشام ضد سلطة الدولة وانتقلوا بأسلحتهم إلي عاصمة الدولة الإسلامية وهي المدينة المنورة وحاصروا بيت الخليفة الثالث عثمان بن عفان لم يعنفهم، بل عنف من طالبوا بردهم بالقوة المسلحة، وأعلن أن من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليغمد سيفه وليلزم بيته، وحاورهم بالحسنى وانتهى معهم إلى مناظرته في المسجد أمام الشعب كله ليعلموا مدى صدق الاتهامات التي وجهوها إليه فاضطروا للانسحاب بعد هذه المناظرة.

وعندما اغتال المجوس الخليفة الثاني عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- لم يتخذ المسلمون أي إجراءات استثنائية ضد المجوس، بل تم التحفظ على من اشترك في الاغتيال فقط، وعندما قام عبيدالله بن عمر وقتل الهرمزان الذي كان شريكًا في الاغتيال، وظن أن من حقه القصاص من القاتل طالب الصحابة- رضي الله عنهم- بقتل عبيدالله بن عمر، لا لأن الهرمزان ليس قاتلًا، بل لأن هذا الصحابي قد خرق خرقًا في الإسلام بقيامه بالقصاص بغير الطريق الشرعي، ولقد مكن الخليفة الجديد ابن الهرمزان من رقبة ابن عمر، الذي عفا عنه، ولكن الخليفة دفع الدية الشرعية لورثة الهرمزان.

هذه بعض المفارقات بين التشريع الإسلاميِّ والتشريع الوضعي نظريًّا وعمليًّا.

الرابط المختصر :