العنوان حزب العدالة والتنمية يتقدم نحو السلطة.. المغرب بين «تـناوب» الإسلاميين والاشتراكيين
الكاتب إدريس الكنبوري
تاريخ النشر السبت 29-أبريل-2006
مشاهدات 60
نشر في العدد 1699
نشر في الصفحة 24
السبت 29-أبريل-2006
استطلاع أمريكي: حزب العدالة والتنمية سوف يحصل على ٤٧% من الأصوات يليه حزب الاتحاد الاشتراكي - %٢٠ ثم حزب الاستقلال %۱۷.
في نهاية مارس الماضي نشر المعهد الجمهوري الأمريكي التابع للحزب الجمهوري الحاكم في البيت الأبيض نتائج استطلاع للرأي قام به حول ميول انتخابات ۲۰۰۷م في المغرب جاء فيها أنه في حال ما أجريت انتخابات ديمقراطية سابقة لأوانها، في المغرب، فإن حزب العدالة والتنمية سوف يحصل على ٤٧ % من الأصوات، يليه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المشارك في الحكومة بنسبة ٢٠% ثم حزب الاستقلال المشارك هو الآخر في الحكومة بنسبة %١٧
وقد أثار هذا الاستطلاع جدلًا سياسيًا كبيرًا في المغرب، ووضع حزب العدالة والتنمية تحت الأضواء مجددًا، وكشف عن وجود اهتمام أمريكي قوي بوصول الإسلاميين إلى الحكم في البلاد وتقدير مبكر لوزنهم الانتخابي قبل قرابة عام من إجراء الانتخابات، لكنه طرح في المقابل تساؤلات عما إن كان هناك «حرص» أمريكي على ضمان نجاح الإسلاميين وعما إن كان الاستطلاع حقيقة أم محاولة للتأثير على الساحة السياسية في الداخل وما إن كان يعكس مغازلة أمريكية لحزب العدالة والتنمية أم على العكس يحث - ضمنيًا - القوى السياسية الأخرى على الاستعداد لتحجيمها؟
وتوقيت إجراء الاستطلاع ونشر نتائجه كان هو الآخر محل تساؤل، ذلك أنه جاء قبيل أقل من شهرين على زيارة أمين عام الحزب على رأس وفد مهم منه إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الزيارة التي فسرها البعض بأنها محطة أخيرة لدى الحزب للحصول على الضوء الأخضر من العواصم الغربية التي يقيم معها المغرب شراكة سياسية أو اقتصادية أو أمنية بعد محطتي إسبانيا وفرنسا القوتين المستعمرتين للمغرب سابقًا، والأكثر حضورًا في النسيج الاقتصادي وشبكة العلاقات الدبلوماسية والسياسية اليوم. تناوب إسلامي: وبخلاف كل التقديرات السياسية التي تحدثت عن اكتساح إسلامي للانتخابات المغربية المقبلة، فإن الواقع السياسي في البلاد لا يؤشر إلى مثل هذا السيناريو، ذلك أن طبيعة النظام السياسي في المغرب ترفض هيمنة حزب سياسي معين مهما كان لونه على الأحزاب السياسية الأخرى، كما تدل على ذلك جميع الانتخابات التي أجريت في تاريخ المغرب بما فيها تلك التي أجريت في مرحلة هيمنة اليسار على الشارع وفي الجامعات والمدارس والمعامل.
والسيناريو الأقرب إلى الواقع أن يشارك حزب العدالة والتنمية إلى جانب أحزاب سياسية أخرى ذات انتماءات مختلفة في تسيير دفة العمل الحكومي عام ۲۰۰۷م، لكن مع منحه حقائب وزارية أكبر وأهم تضعه أمام المحاسبة لدى الرأي العام الداخلي، خصوصًا في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة تعيشها البلاد ويظل فيها هامش التحرك والمبادرة ضئيلًا لدى أي طرف سياسي.
في إطار هذا الاستطلاع وما يدور في الساحة السياسية المغربية ينظر جميع المغاربة إلى الانتخابات البرلمانية في ۲۰۰۷م بشغف كبير كونها الأولى التي سوف تجرى في عهد الملك محمد السادس بعد ست سنوات من توليه الحكم، حيث إن انتخابات ۲۰۰۲م جرت ضمن الأطر القانونية التي كانت موجودة في العهد السابق، ولم يكن قد مضى على توليه الحكم سوى أقل من ثلاث سنوات لم تكن كافية لبيان الصورة النهائية لسياسته وبات حزب العدالة والتنمية المغربي مرشحًا بقوة للمشاركة في الحكومة المقبلة.
ومنذ تفجيرات الدار البيضاء في مايو ۲۰۰۳م أصبحت صورة حزب العدالة والتنمية واضحة في الشارع المغربي بسبب الجدل الذي خلفته تلك الأحداث ورواج الحديث لدى بعض الجهات عن المسؤولية المعنوية للحزب فيها، بل إن بعض الوزراء في الحكومة آنذاك لم يترددوا في الدعوة إلى منعه من العمل السياسي.
لكن الحزب عمل على تجاوز تلك المرحلة الحرجة في تاريخه الذي لا يتعدى عشر سنوات ساعد على ذلك أن الدولة أرادت تجنب الدخول في مواجهة مع الحزب المعتدل، بينما هي تخوض معركة ضد تيار السلفية الجهادية، الذي نسبت إليه تفجيرات الدار البيضاء. فقد سعى حزب العدالة والتنمية طيلة الأعوام الثلاثة الماضية إلى تمييز نفسه عن تيار السلفية الجهادية ودعوات العنف للتحلل من الاتهامات التي نسبت إليه، بالرغم من أن خطاباته السياسية وبرامجه واضحة في هذا الاتجاه، وقام بخطوات كبرى اعتبرها الكثيرون - حتى من داخل صفوفه - تنازلات من أجل نيل رضا السلطة، كان أبرزها الإعلان عن أنه ليس حزبًا إسلاميًا، بل حزب سياسي كباقي الأحزاب الأخرى لكنه يتميز عنها بأنه «حزب ذو مرجعية إسلامية، وفتح قنوات الحوار مع وزارة الداخلية والمقربين من الملك حول العديد من القضايا مثل الموقف من جماعة العدل والإحسان والملكية والخضوع لتعليمات الداخلية مما اعتبر تدخلًا واضحًا في الشؤون الداخلية للحزب، وتخفيف معارضته لبعض السياسات الداخلية المتعلقة بالسياحة أو المهرجانات الفنية أو التطبيع مع الكيان الصهيوني.
غير أن تصويت الحزب لصالح اتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة الأمريكية التي وقعتها الرباط في العام الماضي شكل منعطفًا في مواقفه السياسية رغم أنه كان أشد المعارضين لها، وكانت بمثابة رسالة إلى الخارج وواشنطن بالتحديد، مفادها أن الحزب لا يعادي السياسات الأمريكية في المغرب والمنطقة ولا يسير عكس الاتجاه العام للسياسة الخارجية في البلاد التي يرسمها المقربون من الملك ويحددون أولوياتها ووجهتها.
وعلى الصعيد السياسي الداخلي دخل الحزب في تنسيق مع حزب كبار رجال الأعمال في المغرب وهو حزب القوات المواطنة الذي يرأسه المسؤول السابق التجمع المقاولين المغاربة عبد الرحيم الحجوجي.
وعلى الرغم من أن هذا الحزب الجديد لم يحصل على أي مقعد برلماني في انتخابات ۲۰۰۲م ويعد حزبًا ضعيفًا من حيث التمثيلية السياسية في الشارع، إلا أنه يضم كبار صانعي القرارات الاقتصادية في البلاد، وهذا ما أراد حزب العدالة والتنمية الاستفادة منه لتوجيه رسالة طمأنة لعالم الأعمال أنه لن يكون ضد الفوائد الربوية في البنوك في حال توليه السلطة، ولن يحدث تغييرات ملحوظة في الاختيارات الاقتصادية الموجودة.
هكذا تبدو الصورة في المغرب وهكذا يبدو مستقبل حزب العدالة والتنمية لكن لا بد من تذكر أن الملك الراحل الحسن الثاني سعى عام ۱۹۹۸م إلى إرساء التناوب التوافقي مع الاشتراكيين بعد أربعين عامًا من المعارضة السياسية، من أجل إظهار أن هناك تجديدًا في النخب السياسية الحاكمة، لكن التناوب المشار إليه انتهى من حيث بدأ بسبب ما كان يسميه عبد الرحمن اليوسفي جيوب المقاومة التي تعيق مسار حكومته.
واليوم يريد الملك الحالي محمد السادس إرساء تناوب توافقي من نوع آخر وهذه المرة مع إسلاميي حزب العدالة والتنمية، في ظل مرحلة انتقالية شديدة الحساسية تتصدرها ملفات ضخمة كقضية الصحراء وموضوع التنمية والقضاء على الفقر، فهل ينجح تناوب الإسلاميين حيث فشل تناوب الاشتراكيين؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل