العنوان حطم القيود (27) قيد التشاؤم
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 02-أكتوبر-2004
مشاهدات 61
نشر في العدد 1621
نشر في الصفحة 48
السبت 02-أكتوبر-2004
لا يمكن أن ترى متحررًا قويًا محلقًا فيه صفة التشاؤم؛ ذلك لأن هذا القيد يمنع أي بصيص من النجاح، ولذلك كان لا بد من دراسة ومعرفة هذا القيد الخطير لتحطيمه وإبعاده عن طريقنا حتى نستمر في النجاح.
ما التشاؤم؟
التشاؤم التطير، وهو بما يُرى من مجيء الطير والظباء ونحو ذلك ناحية الشمال، أو ما يسمع من صوت طائر كائنًا ما كان (۱).
وعندها يمتنع عن فعل الشيء: أي أنه عندما يرى اتجاه الطير شمالًا يتوقع الشر، ويتوقع عدم النجاح والتوفيق.
المتأثرون بالتشاؤم
التشاؤم لا يضر ولا يؤثر إلا من رضي بهذا القيد، فإنه يكون أسيرًا له، لا يستطيع الفكاك منه، ويستمر طيلة حياته مقيدًا بهذا القيد أما من تخلص من هذا القيد فإنه لا يعير له انتباهًا أبدًا بسبب غلبة ظنه ويقينه بأنه لا ضار ولا نافع إلا الله، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله التطير إنما يضر من أشفق منه وخاف، وأما من لم يبال به ولم يعبأ به شيئًا لم يضره البتة لا سيما إن قال عند رؤية ما يتطير به أو سماعه «اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك، اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يذهب بالسيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك» (٢).
الإيجابيون يمقتون التشاؤم
هكذا هو شأن الناجحين على مر العصور لأنهم يعلمون حق العلم ما للتشاؤم من أثر سييء على التقدم والانطلاق، بل وبشكل رئيس على الإيمان بحقيقة التوحيد، فمما يرويه عكرمة -رضي الله عنه- كنا جلوسًا عند ابن عباس فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم خير خير فقال له ابن: عباس «لا خير ولا شر» مبادرة منه بالإنكار عليه، لئلا يعتقد أن له تأثيرًا في الخير أو الشر (٣).
المتفائل والمتشائم
حتى نستطيع التفريق بينهما نعتمد المفهوم الذي استخدمه (مارتن سليقمان) وهو أسلوب التفسير ونقصد به تفسير الحدث، ومثال على ذلك.
إذا كان شخص ما عليه دين بدينار، فالمتفائل يقول: إنها ليست مشكلة كبيرة، أو ليس أمرًا ذا أهمية، وسأسدد ما عليَّ بسهولة ويسر.
والمتشائم يقول: لا أدري ماذا سأفعل؟
ميزانيتي في خطر، ولن أخرج أبدًا من هذا المأزق.
غزوة الأحزاب
لقد تجلت صفة التفاؤل في شخصية الرسول ﷺ في الكثير من المواقف وهكذا هو الإنسان الناجح في جميع جزئيات حياته، وكانت غزوة الأحزاب مثالًا واضحًا لبروز صفة التفاؤل عند النبي ﷺ وصفة التشاؤم عند فئة من الفاشلين وهم المنافقين.
فمما يرويه الصحابي الجليل البراء قال: لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول فاشتكينا ذلك لرسول الله ﷺ، فجاء وأخذ المعول فقال: بسم الله، ثم ضرب ضربة وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأنظر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية فقطع آخر فقال: الله أكبر أعطيت فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن، ثم ضرب الثالثة فقال: بسم الله فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني (٤).
يقول هذا في وقت تجمعت فيه حول المدينة قبائل العرب من الخارج، وتآمر عليه اليهود من الداخل، حتى إن الله -تعالى- يبين حالة الخوف التي اجتاحت الجيش الإسلامي بقوله -تعالى-: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ (سورة الأحزاب: 10).
بينما نجد موقف المتشائمين والذي يتمثل بطابور المنافقين يبينه -تعالى- في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مَقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۗ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ قَائِلِينَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ۗ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ (سورة الأحزاب: 12).
حيث كانوا يقولون ويبثون هذا اللون من التشاؤم بين صفوف الجيش إن محمدًا يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط، وحتى قال بعض آخر في ملأ من رجال قومه: إن بيوتنا عورة من العدو، فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا فإنها خارج المدينة (٥(.
الهوامش
تفسير القرطبي 7/169
مفتاح دار السعادة 2/230
السابق 2/225
سنن النسائي 2/56
الرحيق المختوم ص ۳۱۱ – دار المؤيد.