; حقائق في وثائق: الشيوعيون واليهود | مجلة المجتمع

العنوان حقائق في وثائق: الشيوعيون واليهود

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يناير-1988

مشاهدات 85

نشر في العدد 851

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 12-يناير-1988

  • الاتحاد السوفيتي أول من عارض الاقتراح العربي بإلغاء الانتداب وإعلان استقلال فلسطين


    يظل تاريخ الأحزاب الشيوعية في العالم العربي والإسلامي، وخصوصًا من حيث النشأة والتمويل، مثار عدة أسئلة واستفسارات تفضي كلها في النهاية إلى احتضان اليهود لهذه الأحزاب سواء بالتأسيس في أول الأمر أو التمويل فيما بعد، وسيظهر هذا واضحًا جليًا في عدة مواقف من أهمها قضية فلسطين.

     

    1. التأسيس

    تأسس أول حزب شيوعي في المنطقة العربية سنة 1919 في فلسطين، وكان جميع عناصره من اليهود الروس الذين حملوا المنظومة الاشتراكية فيما بينهم وبين الناس، وحملوا بينهم وبين أنفسهم بذور الفكرة الصهيونية. وأشرفت هذه الخلية على نشر الماركسية في المنطقة بل وتأسيس الأحزاب، فقد أنشأت الحزب الشيوعي السوري سنة 1924 والذي انضم له الحزب الشيوعي اللبناني سنة 1925. وكان يرأس هذا التنظيم "جاكوب تيير" وهو يهودي فلسطيني روسي الأصل و"إرتين ما دويان" أمينًا للصندوق. وفي سنة 1926 اعتقلت اللجنة المركزية وأحيلت إلى المحكمة العسكرية التي أبعدت "جاكوب تيير" وكان معه ثلاثة وجوه: "نقولا شاو"، و"فرج الحلو"، و"رفيق رضا".

     

    ولم يكن الحزب السوري اللبناني وحده هو الذي أسسه اليهود ثم اختاروا لقيادته فيما بعد عناصر معادية لكل اتجاه عربي فضلًا عن الاتجاه الديني، فالحزب الشيوعي العربي أشرف على تأسيسه وموّله في معظم مراحله أسرة يهودية موسرة كان يُفترض فيها أنها ضد الشيوعية بحكم انتسابها الطبقي، وفي هذه الحركة برز "صديق يهودا" و"ساسون دلال" و"يعقوب كوجان". وفي مصر تأسست الحلقات الماركسية الأولى بإشراف مندوبي الكومنترن "الفجيدور" و"ناداب" وهما يهوديان روسيان، ثم انضم إليهما أنطون مارون وسلامة موسى و"روزنتال" وحسني العرابي. ثم تأسست المنظمات الماركسية الأولى بإشراف اليهود أيضًا، فأسس "هنري كوربيل" المليونير اليهودي الإيطالي الأصل منظمة الحركة المصرية للتحرير الوطني، وأسس اليهودي "هيلل شفارتس" منظمة الايسكرا أي الشرارة وكذلك اليهودي "مرسيل إسرائيل" منظمة تحرير الشعب، ثم انضمت الايسكرا "الشرارة" إلى حركة التحرير الوطني تحت زعامة هنري كورييل وعرفت باسم "حدتو".

     

    2. التمويل

    في سنة 1959 خرج رفيق رضا على الحزب، وكان عضوًا في قيادته المركزية، ليروي بعض تاريخه ويسلط الضوء قليلًا على الجوانب المعتمة فيه. فقد كتب رفيق رضا في رسالة موجهة للقيادة المركزية يقول فيها:

     

    "في سنة 1933 وفد إلى بيروت عدة مندوبين شيوعيين يهود حملوا مبالغ وافرة من المال إلى قيادة الحزب الشيوعي في سورية ولبنان، وأذكر منهم 'إميل– أوسكا مولر' ولقد أبدلت لهم شخصيًا قسمًا من الأموال التي حملوها بالعملة المحلية آنذاك. وفي عام 1938 حملت إلى الحزب مبلغًا قدره خمسة وعشرون ألف فرنك كان الحزب الشيوعي الفرنسي قد قرر آنذاك وضعها تحت تصرف الحزب السوري اللبناني لتوسيع حملته من أجل إقرار المعاهدة الفرنسية السورية البغيضة ومحاربة الاتجاه الوطني في ذلك التاريخ."

     

    وكان الحزب الشيوعي اللبناني يتبادل البعثات مع اليهود الشيوعيين ويشركونهم في بحث الأوضاع السياسية التي تخص المنطقة، فقد أرسلوا فرج الحلو إلى تل أبيب ليستطلع رأي الشيوعيين اليهود في خطة الحزب والبرنامج، ثم استقدموا إلى بيروت اليهودي "نحمان ليفتك" ليستأنسوا برأيه في أحد مؤتمرات الحزب، وأشار عليهم بالوقوف ضد الأحزاب الوطنية والدينية ووصفها بالرجعية والتخلف، في الوقت الذي كان فيه الاستعمار الفرنسي أيضًا يقف ضد هذه الأحزاب، وكذلك كان الحزب العراقي والمصري.

     

    3. الموقف من قضية فلسطين

    سلكت الأحزاب الشيوعية في العالم العربي مسلكًا غريبًا منذ بدء المشكلة الفلسطينية، إذ رفعوا الشعارات الأممية التي تدعو إلى الإخاء العربي اليهودي ضد الاستعمار الإنجليزي. ولا يوجد تفسير واضح ومقنع لتصرف هذه الأحزاب سوى دمغها بالانهزامية والمهادنة الصريحة للقومية الصهيونية. ولكن ما الذي دعاها إلى هذا؟ فهذا الموقف ليس لأنها على الإطلاق لم تدع العمال وصغار الفلاحين اليهود للوقوف في مواجهة الرأسمالية اليهودية والعربية والانضمام إلى صفوف العمال العرب لإنجاز مهام التحرر من الاستعمار التقليدي. بل ويزيد الموقف غرابة وتعقيدًا أن الموقف اليهودي موقف طائفي وعنصري واستعماري في كل صوره. ولكي تنجلي الدهشة والاستغراب، تقرر أن كل الأحزاب الشيوعية في العالم العربي تأخذ كل قراراتها ومواقفها من الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي دون مراعاة خصوصية المنطقة، وهنا يجب أن نتعرف باختصار على موقف الاتحاد السوفيتي من قضية فلسطين.

     

    إن الاتحاد السوفيتي هو أول من عارض الاقتراح العربي بإلغاء الانتداب وإعلان استقلال فلسطين، وهو أول من اقترح تقسيم فلسطين، وهو أول من اعترف اعترافًا قانونيًا كاملًا بدولة إسرائيل، وهو قبل هذا وبعده صاحب أكبر الهجرات اليهودية إلى فلسطين. وهكذا وافقت كل الأحزاب الشيوعية العربية على قرار التقسيم والاعتراف بالتواجد اليهودي بل الدعوة إلى الإخاء معه، باستثناء بعض الشيوعيين المصريين الذين كانوا ينتمون إلى "التروتسكية" وكان على رأسهم "أنور كامل"، "جورج حنين"، "كامل التلمساني" وغيرهم. وقفوا في وجه قرار التقسيم واعتبروا إسرائيل ظاهرة استعمارية لا بد من مقاومتها.

     

    وبعد نكسة حزيران سنة 1967 انكشفت الأحزاب الشيوعية العربية للجماهير المخدوعة، وعرفوا مدى هامشيتها وانفصالها عن الواقع الذي تعيش فيه. ودبت الخلافات والانشقاقات بين الحزب الواحد حتى أصبح أكثر من حزب شيوعي في البلد الواحد، كلهم واهمون ومعزولون لا يناقشون قضايا أمتهم ولا يقدمون شيئًا فعالًا، اللهم إلا الكلام على المقاهي والمنتديات.

     

    المراجع:

    التاريخ السري: العلاقات الشيوعية الصهيونية، تأليف: نهاد القادري.

    مناقشة آراء العلماء والقادة السوفييت، تأليف: قدري العجي.

    هنري كوريل: رجال من طراز فريد، ترجمة: كميل داغر.

الرابط المختصر :