العنوان حقيقة التغلغل الصهيوني شمال العراق.. الإرساليات الإنجيلية عيون للصهاينة.. قساوسة عراقيون اتهموها بالتجسس
الكاتب أ. د. فرست مرعي
تاريخ النشر السبت 01-يناير-2005
مشاهدات 61
نشر في العدد 1633
نشر في الصفحة 16
السبت 01-يناير-2005
هناك دول تناقض نفسها بإقامة علاقات استراتيجية مع "إسرائيل" والتحذير في الوقت نفسه من وجودها شمال العراق
موشي ديان: استولينا على "أورشليم".. ونحن في طريقنا إلى يثرب وبابل
تعد الطائفة اليهودية في العراق من أقدم الطوائف اليهودية في العالم، ويرجع أصلها إلى السبيين الآشوري والبابلي، وحدثت تطورات عدة أثرت على وجودهم سواء بالاستقرار أو الرحيل. وفي العصر الحديث مر الوجود اليهودي في العراق بتطورات عدة بدءاً من ظهور الصهيونية وحتى الآن.
مؤتمر بازل بعد ظهور الحركة الصهيونية عام ۱۸۹۷م بقيادة النمساوي هرتزل وإخفاقه في الحصول على أرض فلسطين من قبل السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، فإن هرتزل عرض على الثري اليهودي اللورد روتشيلد مشروعاً آخر يتضمن إنشاء مستعمرات يهودية في العراق، وبالفعل كتب هرتزل في ٤ يونيو ۱۹۰۳م إلى عزت باشا رئيس الوزراء العثماني يذكره بالوعد الذي قطعه على نفسه للسماح للمنظمات اليهودية بإيجاد مستعمرات يهودية لها في العراق، لذا ما إن تسلم إسرائيل زانكول، قيادة المنظمات الصهيونية الإقليمية عام ۱۹۰۹م، حتى اقترح أن تكون بلاد ما بين النهرين Mesopotamia هي الأرض الصالحة لإنشاء وتكوين المستعمرة الصهيونية، لاسيما أن طائفة كبيرة من اليهود استقروا فيها منذ أيام الأسر البابلي.
ومن أجل تحويل هذه الأفكار والمشاريع المقترحة إلى وقائع ملموسة على صعيد الواقع، فقد بذل اليهود الكثير من الجهود للسيطرة على الاقتصاد العراقي وشراء مساحات واسعة من الأراضي في الوية الديوانية والعمارة ومناطق زراعية خصبة في دهوك، كما اشتروا أراضي في بغداد بالذات ناحية الكرادة الشرقية ولكنهم أخفقوا في شراء أراض في منطقة الأعظمية لإدراك أهاليها ووعيهم بما يشكله اليهود من خطر استراتيجي.
وحين نجحت الحركة الصهيونية طوال خمسة عقود في إشاعة مزاعمها بين يهود العراق بالعودة إلى أرض الميعاد. وعندما رحل اليهود خلال عامي ۱۹٥٠ - ١٩٥١م عن العراق كانوا يقولون علناً سيأتي اليوم الذي نعود فيه إلى العراق لاستعادة أملاكنا، وقال "وزير الدفاع الصهيوني" موشيه ديان يوم ٦ يونيو ١٩٦٧ م يوم احتلال القدس: لقد استولينا على أورشليم، ونحن في طريقنا إلى يثرب وبابل وهذا يدل على أهمية العراق عند واضعي استراتيجية الحركة الصهيونية ومن بعدها الحكومة الصهيونية لتحقيق حلمهم من النيل إلى الفرات.
الكيان الصهيوني منذ قيامة اعتبر العراق البلد الأخطر عليه، أكد ذلك ديفيد كمحي مدير عام وزارة الخارجية الصهيونية الأسبق بقوله في هذا الصدد: "العراق هو البلد الوحيد الذي قاوم إنشاء دولة (إسرائيل) في العام ١٩٤٨م، ورفض التوقيع على اتفاق الهدنة من أجل إنهاء الحرب مع (إسرائيل). ولقد مالت (إسرائيل) إلى الأكراد الذين حملوا السلاح بزعامة الملا مصطفى بوجه بغداد بعد أن رفض طلبهم بالاستقلال".
ويعترف السياسي الكردي الدكتور محمود عثمان بالعلاقة الكردية الصهيونية في محاضرته في نادي الكوفة في لندن وفي لقائه بمجلة الوسط اللندنية، بقوله: "إن (إسرائيل) دعمت الثورة الكردية بالمال والسلاح للوقوف بوجه الهجمات العنيفة للجيش العراقي على کردستان".
وأضاف عثمان: "لقد زرت (إسرائيل) مرتين برفقة الزعيم الكردي الراحل مصطفى البارزاني في سنتي ١٩٦٨م و١٩٧٣م".
وبعد استيلاء حزب البعث على السلطة عام ١٩٦٨م قام بالتضييق على الجالية اليهودية العراقية من خلال إعدام بعض أفرادها بتهمة التجسس عام ١٩٦٩م، والسماح للبعض الآخر بالهجرة إلى خارج العراق بعد ضغط دولي شديد.
يذكر اليهودي العراقي والوزير الصهيوني الأسبق شلومو هيلل في كتابه تهجير يهود العراق في الصفحة ٢٩٨ ما يلي: "اضطر بعضهم- أي اليهود - إلى البحث من جديد عن مغادرة العراق بطرق غير مشروعة، وتفرقوا من جديد على طرق التهريب في شمال العراق "کردستان" إلى إيران التي سبق أن سلكها شباب وفتيات في الفترة ما بين ١٩٤٩- ١٩٥١م، أي قبلها بنحو عشرين سنة ولكن في هذه المرة نستطيع القول بأن اليهود الفارين من العراق كانوا يحصلون على مساعدة كاملة من الأكراد في شمال العراق وأن المهاجرين اليهود يستقبلون لدى وصولهم إلى القرى الكردية في شمال العراق بحفاوة وتكريم ويشعرون في الواقع ببداية خلاصهم...".
سقوط بغداد
وعلى أية حالة فبعد سقوط بغداد عام ۲۰۰۳م دخل الكيان الصهيوني على الخط بقوة وواتته الفرصة: حيث احتفل شعبها وحاخاماتها بسقوط "بابل" وبدأت الصحف والشائعات تشير إلى تغلغل وتسلل صهيوني إلى العراق ومحاولة شراء العقارات والأملاك في بغداد والمدن الرئيسة في العراق، وكيف أنهم استقروا في بعض مناطق بغداد الراقية لإتمام صفقاتهم بواسطة بعض السماسرة العراقيين، کما راجت شائعات عن تغلغلهم في بنية المنظمات الأجنبية (الإنسانية)! العاملة في العراق، فضلاً عن مهمات أمنية لرجال هدفهم حماية منتسبي الشركات الأجنبية العاملة بالعراق من هجمات المقاومة العراقية.
ولابد من الإشارة إلى وجود كثيف للمنظمات والإرساليات التنصيرية وتحديداً الإنجيلية في العراق بصورة عامة وكردستان بصورة خاصة، حيث كان لهذه الإرساليات قصب السبق في الوجود في منطقة كردستان بعيد حرب الخليج الأولى، وكانت تتلقى الدعم من المنظمات الإنجيلية في أمريكا وأوروبا عن طريق تركيا. ولكن بعد سقوط العاصمة بغداد عام ۲۰۰۳م زاد نشاط هذه الإرساليات وامتد نشاطها إلى العاصمة بغداد وغيرها من المدن العراقية. ومهما يكن من أمر فإن الإنجيليين يدعمون الكيان الصهيوني بكل قوتهم ولا غرابة في ذلك فغالبية الإنجيليين ينتمون إلى الصهيونية المسيحية التي سبقت الصهيونية اليهودية في محاولتها إنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، لذلك فإن المنظمات والإرساليات الإنجيلية هي عيون صهيونية في مناطق وجودها، وقد اتهمت بعض الشخصيات العائدة للحركة الأشورية وبعض آباء الكنائس العراقية الأخرى الإنجيليين بأنهم جواسيس لـ(إسرائيل)، وقد جاءوا إلى المنطقة بقصد زرع الشقاق بين المسلمين والمسيحيين الذين تعايشوا لمئات
السنين.
حقيقة العلاقة بالأكراد
وكانت إحدى الصحف الأمريكية قد ذكرت أن هناك وجوداً صهيونياً في شمال العراق "کردستان" الغرض منه مراقبة الدولتين الجارتين إيران وسورية وتدريب الميليشيات الكردية "البيشمركه" بحيث تستطيع الوقوف في وجه المليشيات الشيعية المدعومة من إيران، فضلاً عن محاولة زرع مجسات تنصت على المفاعل النووي الإيراني "رغم بعد المفاعل عن کردستان" ولقد لاقت هذه الأخبار دعماً من بعض وسائل الإعلام التركية والعربية، وعندما سئل الزعيم الكردي مسعود البارزاني عن هذا الوجود المزعوم في شمال العراق أجاب قائلاً: "إن طريق الإسرائيليين القادمين إلى العراق سيكون عن طريق بغداد وليس أربيل" في إشارة إلى احتمال وجود صهيوني مع المحتلين الأمريكان.
والغريب أن الصحف التركية عند إشارتها إلى الوجود الصهيوني في شمال العراق تغفل بقصد أو بدون قصد عن العلاقة الاستراتيجية بين الجيشين التركي والصهيوني، وكيف أن بعض الخبراء الصهاينة كانوا يرافقون الجيش التركي في تعقبه فلول حزب العمال داخل کردستان العراق في التسعينيات من القرن الماضي.
أما بالنسبة للعرب فقد توالت تصريحات السياسيين والإعلاميين بهذا الخصوص، ومن أبرزها تصريحات الدكتور مصطفى الفقي رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشعب المصري لقناة الجزيرة قائلاً إنه يعتقد بوجود "إسرائيلي" في شمال العراق. وعندما سأله المذيع: ما مصدر معلوماتك؟ فكان جوابه بأنها استنتاجاته الشخصية من خلال ما ينشر عن هذا الموضوع في الصحافة العالمية، وليست لديه معلومات دقيقة بهذا الخصوص.
مصدر المعلومات بخصوص الوجود الصهيوني في كردستان العراق قد تأخر كثيراً، فقد توجه عدد من اليهود الكرد إلى کردستان عن طريق تركيا لزيارة أقاربهم في منتصف التسعينيات بعد فراق دام أكثر من ثلاثين عاماً، حيث توجد جالية يهودية كردية كبيرة في الكيان الصهيوني ما زالت حريصة على عاداتها وتقاليدها الكردية، وقد تلاشت هذه الزيارات في الآونة الأخيرة، وربما اعتمدت الصحافة على هذه الأخبار القديمة حول لم شمل العوائل وبالغت فيها ودلست عليها.
ومن جهة أخرى فإن بعض القادة الأمريكيين صرحوا في مرات عديدة بأن عليهم الاستفادة من الخبرة الصهيونية في قتال المدن وحرب الشوارع، لذا فإنه ليس من المستحيل وجود خبراء عسكريين صهاينة يدعمون قوات الاحتلال الأمريكي فيما يسمى بالمثلث السني الملتهب- الفلوجة والرمادي وبعقوبة والموصل- وغيرها، وقد أثبتت الأيام صحة هذا التقدير فقد ذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت الصهيونية في عددها الصادر في ٢٠٠٤/١٢/١٢م أن هناك "ثمانية مستشارين (إسرائيليين) يعملون في العراق بناء على طلب أمريكي".
إذا فالعلاقة الاستراتيجية وقبلها العقدية بين أمريكا والكيان الصهيوني ربما شهدت إلى حد كبير وجود خبراء وجنود إسرائيليين مع الجيش الأمريكي في كافة انحاء العراق، فضلاً عن تسلل الإسرائيليين إلى العراق بواسطة الشركات المتعددة الجنسية كخبراء ومراقبين ومستشارين وهناك احتمال بأن بعض جنود الجيش الأمريكي ربما يحملون الجنسية الإسرائيلية، فضلاً عن جنسيتهم الأمريكية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل