; حقيقة الموقف "الإسرائيلي" من «عملية السلام» | مجلة المجتمع

العنوان حقيقة الموقف "الإسرائيلي" من «عملية السلام»

الكاتب أبو خالد

تاريخ النشر الثلاثاء 10-ديسمبر-1985

مشاهدات 52

نشر في العدد 745

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 10-ديسمبر-1985

قبل أن نتحدث عن حقيقة الموقف "الإسرائيلي" مما يسمى بعملية السلام يجب التأكيد على نقطة مهمة وهي أن وجود اليهود في فلسطين وجود استعماري، وأن إقامة الكيان "الإسرائيلي" على أرض فلسطين عمل عدواني، وأن العقيدة التوراتية التي قامت عليها الحركة الصهيونية عقيدة فاسدة.

أردنا أن نضع هذه المقدمة بادئ ذي بدء حتى لا يجرفنا حديث السلام مع اليهود في فلسطين فنقع –عن غير قصد- في حفرة السقوط العقائدي التي وقع فيها الكثيرون وننضم إلى «زفة» التطبيع النفسي التي بدأت رسميًّا كاتفاقيات الهدنة في رودس عام 1945 وعبارات ملتوية كما فعل عبد الناصر عام 1956 مستخدمًا عبارة «خطر التوسع الصهيوني» بما يعني ضمنًا الإقرار بالوجود الصهيوني في فلسطين، ثم ما تلا ذلك من مبادرة روجرز ومباحثات الكيلو 101 واتفاقيات فك الاشتباك مع مصر وسوريا، ثم قراري مجلس الأمن 242 و338، إلى أن أعلن السادات صراحة عزمه على تحطيم الحاجز النفسي بيننا وبين اليهود والتوجه إلى مدينة القدس مستخدمًا عبارة «عقر دارهم» التي فهم اليهود دلالتها بأنها «عاصمتهم».

نقول هذا لنحصن أنفسنا ونحصن القارئ من الوقوع في المحظور ونحن نتحدث عما يسمى بعملية السلام مع اليهود متجاوزين مرحلة الخمسينيات من هذا القرن التي تميزت بضغط نفسي رهيب على الإنسان المسلم لحرفه عن عقيدة الإسلام بعقائد وضعية خرافية ثم جره لاعتقاد فاسد بحق اليهود التاريخي في فلسطين. هذا الاعتقاد المجافي للحق والمجافي للتاريخ هو الذي أفرز فيما بعد هذا التحرك السياسي العربي نحو ما يسمى بعملية السلام مع اليهود في فلسطين

وإذا كان السادات قد حاول أن يعلق الجرس في رقبة القطة كما يقول المثل المشهور. وكانت النتيجة هلاكه، فإن الكثيرين ممن دفعوه إلى هذا الطريق في السر وعارضوه في العلن يسيرون اليوم على نفس الطريق –طريق الهلاك- دون أن يعتبروا، ودون أن تلوح في الأفق بادرة أمل في إمكانية صحوتهم.

واليهود الذين يتقدمون نحو إذلال العرب وإخضاعهم خطوة خطوة يتظاهرون بأنهم دعاة سلام حتى إذا ما اقترب العرب لالتهام الطعم وتبينت ملامح «السنارة» أمام عيونهم لم يتراجعوا وإنما داروا حول الطعم وهو يحاولون إقناع أنفسهم بأنه غذاء لذيذ.

وحتى ندخل في صلب الموضوع نعود إلى تجربة السلام المصرية "الإسرائيلية"، فحين طلب السادات من اليهود الانسحاب إلى حدود عام 1967 استند بيغن إلى مقطع في أغنية مصرية كانت تقول «في البحر حنرميهم» وعبارة من معلق سياسي أو مهرج سياسي اسمه أحمد سعيد تقول «تجوّع يا سمك» ليرد على السادات بقوله: كما تعلم فإن القاعدة الكبيرة في القانون الدولي أنه في حالة ممارسة حق الدفاع الوطني الأصيل عن النفس فإن تعديلات إقليمية تتقرر في معاهدات السلام، ولو كان الأمر غير ذلك فإن خريطة أوروبا جميعها والشرق الأقصى يجب أن تتغير فورًا.

وهكذا انسحبت «إسرائيل» من أرض سيناء بشروط غاية في الإذلال والإهانة ومع ذلك فقد أبقت على منطقة «طابا» وأقامت فيها فندقًا سياحيًّا ولم تنحسب من الضفة والقطاع والجولان.

وحين طالب السادات بإقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع بعد فترة انتقالية أجابه بيغن بعد أن أطلق على الضفة الغربية اسم يهودا والسامرة أو كما يقولون «جوديا وسماريا» قال بيغن: إن مثل هذه الدولة مهما كان الشكل الذي تتخذه فسوف تشكل خطرًا داهمًا "لإسرائيل" وإن فترة انتقال قليلة لن تزيل هذا الخطر.. إن الخطر يجب ألا يخلق.

ومعنى ذلك رفض اليهود للانسحاب من الأرض التي احتلوها بعد عام 1967، وهذا هو ما يسمى عند «الأقوياء» بحق الغزو تمامًا مثلما كان هتلر يفعل فيما يسميه المجال الحيوي أو بتعبير اليهود حاليًا «الحدود الآمنة التي يمكن الدفاع عنها».

ومعنى ذلك أيضًا رفض اليهود لفكرة إقامة دولة فلسطينية حتى على جزء من فلسطين لا يتجاوز ربع مساحتها وهو ما نسميه بالضفة الغربية وقطاع غزة. ولا يترك اليهود هذا الرفض بلا بديل بل يقدمون البديل وهو حسب تعبير بيغن: نحن نلتزم باقتراحنا في حكم إداري كامل للفلسطينيين اليهود!! هكذا وبكل وقاحة يتحدث بيغن عما يسميه الفلسطينيين اليهود. أما الفلسطينيون بالمفهوم الذي نعرفه فلا وجود لهم، ليس فقط في نظر بيغن الليكودي المتطرف بل في نظر غولدا مائير زعيمة حزب العمل التي سبقته والتي كانت تتساءل: أين هم الفلسطينيون؟ وبالطبع كان السؤال يعني الإنكار.

أما عن الحكم الإداري الذاتي الكامل الذي اقترحه بيغن والذي أقر في اتفاقيات كامب ديفيد فلا يشمل الأراضي التي هي جزء من «أرض إسرائيل».

وعلى هذا كان اتفاق اليهود مع مصر وليس مع الفلسطينيين على اعتبار أن الفلسطينيين الذي نعرفهم لا وجود لهم في نظر اليهود.

وقد يقول قائل: إن هذا رأي الليكود بينما رأي حزب العمل يختلف، والحقيقة أنه ليس في «إسرائيل» حمائم وصقور وإنما هي أصول اللعبة وتوزيع الأدوار والتنافس في الإجهاز على الفلسطينيين وقضيتهم، فهذا هو عزرا وايزمان الموصوف بالاعتدال والذي كان يثق فيه المصريون يذهب بتكليف من الليكود للتباحث مع الجمصي حول الترتيبات الخاصة بالضفة الغربية وقطاع غزة فيقول: إن المباحثات تضمنت إعلانًا للنوايا فمن وجهة نظر مصرية يجب أن يكون هناك إعلان "إسرائيلي" عن الاستعداد للانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة فيما عدا تلك النقاط التي تستمر قواتنا في احتلالها لاعتبارات الأمن مثل مستوطنات على نهر الأردن أو في أعالي سلسلة الجبال، وعندئذ سيعلن السادات أن مصر و"إسرائيل" اتفقتا على إعلان نوايا ويدعو دول المواجهة للدخول في مفاوضات على أساس ثنائي.

فهل يختلف بيريز عن بيغن إلا في نعومة الألفاظ؟ أليس هذا هو بالضبط ما تم تنفيذه في اتفاقيات كامب ديفيد؟ أليس هذا هو الموقف "الإسرائيلي" الحالي مما يسمى بعملية السلام؟ إذًا ما يريده اليهود هو الذي فرض على مصر ويراد له أن يفرض على الأردن، إنها اللاءات الخمسة التي يعلنها اليهود جهارًا نهارا، وهي: 

* لا لإعادة تجزئة القدس.

* لا للتفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية.

* لا للدولة الفلسطينية بين "إسرائيل" ونهر الأردن.

ولم يكن الجمصي ممثل السادات مهتمًا بغير سيناء. يقول وايزمان واصفًا اتفاقه مع الجمصي: إذا دخل الأردن في الصورة فيتولى الحسين موضوع يهودا والسامرة وغزة وإذا رفض الحسين الدخول في المفاوضات فيدخل السادات مكانه ويوقع اتفاقية تتعلق بالضفة وغزة.

وهذا هو بالضبط ما حصل.. واليوم لا يزال اليهود على لسان شمعون بيريز يعرضون على الأردن الدخول في مفاوضات للتوقيع على ما ورد في اتفاقيات كامب ديفيد فيما يتعلق بالضفة والقطاع دون انسحاب فعلي من الضفة ودون أي اعتبار للفلسطينيين ولكن لا مانع بين الحين والآخر من التلويح بدور ما للفلسطينيين فيما لو توفرت شروط معينة في هؤلاء الفلسطينيين وذلك حتى يدفعوهم إلى مزيد من التنازل، وهكذا دواليك حتى يجد الفلسطينيون أنفسهم في زاوية النسيان أو في كف عفريت.

وعلى سبيل المثال فقد ذكرت الصحف "الإسرائيلية" وإذاعة وتلفزيون العدو "الإسرائيلي" مؤخرًا تصريحًا منسوبًا إلى شمعون بيريز يقول: إن "إسرائيل" أعطت الضوء الأخضر لإدارة ريغان من أجل مناقشات محتملة مع ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية إذا قبلت المنظمة فكرة إجراء مفاوضات مباشرة مع "إسرائيل". وبذلك فإن منظمة التحرير الفلسطينية لم تعد مرغمة على إعلان اعترافها "بإسرائيل" ولكن يتعين عليها مع ذلك الموافقة على قراري مجلس الأمن رقم 242 و338 وأن تقول «لا» صراحة للإرهاب.

وعلى الرغم من كل الألغام التي يتضمنها هذا التصريح إلا أن بيريز قد نفاه بعد ذلك، وكان لا بد للطرف الآخر الموصوف بالتطرف أن يقوم بدوره حسب الأصول «أصول اللعبة» فأخذ شامير يرغي ويزبد منتقدًا بيريز.

وكان الصحفي "الإسرائيلي" والسياسي «المعتدل جدًّا» يوري أفنيري قبل يومين قد دخل اللعبة بطريق أخرى فقال: إن هدف شمعون بيريز من برامجه السلمية اليوم هو التخلص من تحالف الليكود المشارك في حكومته وإبعاد هذا الحزب عن السلطة بأي ثمن قبل حلول موعد تسليم الحكم إلى إسحاق شامير في مطلع العام القادم؛ لأن بيريز يدرك أن إرييل شارون هو المرشح الأكبر لتسلم الحكم خلفًا لحزب العمل، ومعنى هذا ودون أي شك قيام "إسرائيل" باجتياح الأردن واحتلاله كما يفكر شارون منذ عقود مختلفة من الزمن. ومضى أفنيري  يقول: إن بيريز يطلب الآن مساعدة غير مباشرة من العاهل الأردني في محاولات إسقاط شارون باقتراح مفاوضات سلام بدون منظمة التحرير الفلسطينية.

هذا هو الدهاء اليهودي على أصوله. دعوة للملك حسين بأن يساعد بيريز.. وكيف يساعده؟ يترك الفلسطينيين ويحضر للاستسلام، أو ينتظر شارون، وعندئذ لن يكون عرشه في مأمن!! وهنا يزداد الضغط على الفلسطينيين للاستسلام أو الفناء ويزداد اليهود تمسكًا بالأرض وإنشاء المزيد من المستوطنات وجلبًا للمزيد من المهاجرين، ويظل العرب في حال من التردي لم يسبق له مثيل في التاريخ ما لم يسعفهم الله برحمته، وصدق الله العظيم حين قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).

الرابط المختصر :