العنوان حكم الشرع في: الشركات الإسلامية المساهمة في شركات وبنوك ربوية
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 02-أغسطس-1994
مشاهدات 100
نشر في العدد 1110
نشر في الصفحة 60
الثلاثاء 02-أغسطس-1994
"لا يجوز المساهمة في شركات إسلامية أو غير إسلامية إذا كان يعلم يقينًا أن مجال استثمارها في الربا أخذًا أو عطاء، قلت نسبته أو كثرت".
السؤال: توجد شركة إسلامية، ولكنها تسهم في شركات عالمية تتعامل بالأسهم، وهذه الشركات العالمية أغراضها الأساسية تجارية مشروعة، ولكنها قد تودع أموالها، وتأخذ فوائد عن هذه الودائع لدى أحد البنوك الربوية، وكذلك قد تقترض عند الحاجة، وتدفع الفوائد.
وأنا تاجر لدي سيولة أريد أن أستثمرها، فهل يجوز لي المشاركة في هذه الشركة الإسلامية، وأنا أعلم يقينًا أن أموالي ستذهب إلى تلك الشركات العالمية؟ علمًا بأن الشركة الإسلامية تقول: إنهم يدخلون مع تلك الشركات العالمية لتغييرها والتأثير في قراراتها، وإنهم على المدى البعيد يستطيعون -بإذن الله- تغيير نظمها لتكون موافقة للشريعة الإسلامية، وإنهم يتخلصون حاليًا من كل الفوائد التي تعطيها لهم الشركة.
الجواب: هذا سؤال مهم، وإجابته تحتاج إلى كتابة بحث لعرض وجهات النظر والأدلة، ولكن هذا لا يمنع من إبداء الحكم الشرعي بما نعتقد أنه الصواب، وذلك بنقاط مختصرة، كل نقطة منها تعبر عن مفهوم له أدلته.
اختلف الرأي في هذا الموضوع بين مجوز بقيود، ومانع مطلقًا، ونحن مع الفريق المانع بلا تردد، وتتلخص أدلة المجوزين في التالي:
1- الضرورة: فإنه لا غنى لأحد في هذا العصر عن المشاركة في هذه الشركات ذات المشاريع الضخمة، وهي مجال استثمار أموال صغار المستثمرين.
٢– الحاجة الملحة: فإن تنمية الموارد لدولنا الفقيرة أو النامية، واكتساب المنجزات الحديثة في الصناعات- هو بيد هذه الشركات، فالحاجة هنا بمنزلة الضرورة.
3-عموم البلوى: إنه من الصعب على المسلمين أن يجدوا في هذا العصر شركات عملاقة تستوعب مدخراتهم، وسيولة أموالهم، ولاتتعامل في الربا إيداعًا واقتراضًا وإقراضًا.
فهذا مما عمت به البلوى، ويصعب التحرز منه فيدخل في القاعدة الفقهية عموم البلوى، ورفع الحرج، وهذا مقصد من مقاصد الشرع.
٤- إن الفائدة المحرمة الناتجة من التصرف المحرم لا يغلب مشروعية غرض الشركة، إن غالب نشاطها مشروع وهذه الفائدة تابعة، وهذا التعامل تابع، وهذا يدخل في القاعدة الفقهية: «يغتفر تبعًا ما لا يغتفر أصلًا».
وهذا الرأي يقيد الجواز بضرورة التخلص من الفائدة الربوية، وأن يبذل المساهم جهده لتصحيح سير الشركة، وألا ينص قانون الشركة على الإقراض أو الاقتراض بالربا.
وأما المانعون من المشاركة أفرادًا أو شركات في أسهم الشركات المذكورة، فيمكن أن يستدل لهم بأدلة كثيرة، أهمها:
1-الأصل حرمة المشاركة في هذه الشركات للقطع، والاتفاق على أن الفائدة من الربا قل مقدارها أو أكثر؛ إذ قليل الربا ككثيره.
2-أن المساهمة في هذه الشركات يعتبر شركة، والمساهم شريك، وما ينتج من ربح ثمرة لكل مساهم بقدر إسهامه، فإذا جوزنا للشركة أن تتعامل بالربا، فنجوزه للمساهم الشريك، بل لجوزناه لأفراد التجار أن يتعاملوا بجزء من الربا، وهذا ما لا يقوله أحد.
٣-هذه المعاملة فيها شركة بين مسلم وغير مسلم، وغير المسلم هو الذي يتصرف وفي غيبة المسلم، وقد اتفق الفقهاء على حرمة هذا التعامل أو المشاركة، وعدم صحتها، وهو مذهب أبي حنيفة، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وأما إذا كان تعامل غير المسلم بحضرة المسلم وإشرافه؛ فاتجه رأي الفقهاء إلى الجواز، ولا شك أن هذه الشركات العالمية العملاقة تزاول نشاطها خارج البلاد الإسلامية، وهم يتعاملون بالربا دون حرج، وهؤلاء يهمهم مصالحهم قبل كل شيء، وفوق كل دين، والدولار عندهم أعز عليهم من ديننا ودينهم، والمشاركة مع من هذا وصفهم محرم قطعًا، ولذلك اعتبر الفقهاء فساد العقد إذا كان المتصرف غير المسلم وعقد على محرم، قال ابن قدامة في المغني: «فأما ما يشريه أو يبيعه من الخمر بمال الشركة أو المضاربة فإنه يقع فاسدًا؛ لأن عقد الوكيل يقع للموكل، والمسلم لا يثبت ملكه على الخمر والخنزير فأشبه ما لو اشترى به ميتة أو عامل بالربا» (المغني جـ 109/7).
4-أن الشركة مثل الوكالة، ولا يجوز أن توكل شخصًا لعمل محرم.
5 – الدخول ابتداء في شركة يعلم أنها تتعامل بالربا لا يجوز؛ لأنه دخول على عقد فاسد ابتداء، ومن تورط في مثل هذه المساهمات وعلم بالربا، فعليه أن يتخلص من الجزء الربوي، ولا يجوز له الاستمرار في هذه الشركة ويعتبر تخلصه من المال الخبيث توبة، والتائب لا يجوز له الإصرار على المعصية والاستمرار فيها.
٦- أن إثم التعامل بالربا يلحق المساهم أو الشريك والشركة، وكل من له حظ ودور في الربا، ولا يعذر أنه غير راض ولا موافق على هذا التعامل، كيف وقد قبل ابتداء فمسئوليته ثابتة، بل قد تكون مشاركته مع علمه بتصرف الشركة الربوي وأفعالها مقويًا لمركزها.
7-تحريم هذا التعامل من باب تحريم المقاصد، وتحريم الوسائل والمآلات، أما تحريم المقاصد فلأنه ممارسة للربا في شكل بيع فـاسد، وتعاطي البيع الفاسد محرم في حد ذاته، قاله السيوطي: «تعاطي البيوع الفاسدة حرام، وأما تحريم الوسائل والمآلات فلأنها تعاون على الإثم، ولأنه وسيلة إلى استمرار الربا وشيوعه، وتساهل في قليله، ولا فارق بين القليل والكثير في الإثم والحرمة.
8- إن دخول الشركات الإسلامية شريكة ومساهمة في تلك الشركات التي قد تتعامل بالربا- دليل ضعف في هذه الشركات الإسلامية، ورضوخ للواقع الربوي، وليس هذا ضعفًا في نظامنا الاقتصادي، وواجب الشركات أو المصارف أو البنوك الإسلامية المنافسة وإيجاد البدائل، لا ترسيخ الواقع الربوي الأثم، وتعتبر المشاركة حينئذ نقضًا لأهم أهداف الشركات والبنوك الإسلامية.
9- إن المساهمة في الأسهم خاصة وصرف أموال المساهمين وتشغيلها في الأسهم فحسب- لا يعود بالتنمية المباشرة على بلادنا الإسلامية النامية، فأولى أن تستثمر أموال المسلمين في بلادهم بالتعمير، وإنشاء المصانع، وتشغيل الأيد العاملة.
١٠ – وهو خاتمة المطاف ما انتهى مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره السابع بجدة من ۷ – ۱۲ ذو القعدة ١٤١٢هـ الموافق ٩ – ١٤ مايو ۱۹۹۲م حيث قرر التالي:
أ-بما أن الأصل في المعاملات الحل فإن تأسيس شركة مساهمة ذات أغراض وأنشطة مشروعة أمر جائز.
ب– لا خلاف في حرمة الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرم، كالتعامل بالربا، أو إنتاج المحرمات، أو المتاجرة بها.
ج-الأصل حرمة الإسهام في شركات تتعامل أحيانًا بالمحرمات كالربا ونحوه، بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة، ثم قررت الندوة التي أقامها المجمع بالاشتراك مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية في ٢٢/10/ ١٤١٣هـ الذي يوافق ١٩٩٣/٤/١٤م، وحضرها لفيف من الفقهاء والاقتصاديين وكان قرارهم:
(يؤكد المجتمعون على ما سبق أن توصلوا السالفة إليه في مجمع الفقه الإسلامي في دورته المنعقدة بجدة في الفترة من 7-12/ 11/ 1412هـ، الموافق 9-14 /5 / 1992مساهمة البنك الإسلامي للتنمية وغيره في الشركات المساهمة المتعاملة بالربا، ونصه:
1– قد اتفق الرأي بعد المناقشات المستفيضة في المسألة أن الأصل هو أن لا يسهم البنك الإسلامي للتنمية في أية شركة لا تلتزم باجتناب الربا في معاملاتها، وأنه لا يكفي أن يكون غرض الشركة مما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية، بل لا بد من اجتناب الوسائل المخالفة للشرع، ومن أعظمها التعامل بالربا في الأخذ والعطاء، وعلى إدارة البنك البحث عن أساليب استثمارية تتفق مع الشريعة الإسلامية، وتحقيق غايات التنمية للبلاد الإسلامية، وذلك مثل أنواع عقد السلم بصوره الموسعة، وعقد الاستصناع وعقود التوريدات المختلفة، أما بالنسبة للمساهمة في أسهم الشركات المؤسسة خارج البلاد الإسلامية فإن الرأي بالاتفاق على عدم إجازة ذلك للبنك الإسلامي للتنمية إذا كانت تلك الشركات تتعامل بالفائدة.
۲– يقرر المجتمعون بأن الربا محرم في جميع أحواله، وأن لا مجال للتفرقة بين الربا الاستهلاكي وربا الاستثمار فالكل محرم.
٣- يرى المجتمعون أن الإسهام في الشركات المساهمة التي تتعامل بالربا بقصد إصلاح أوضاعها بما يتفق مع الشريعة الإسلامية من القادرين على التغيير أمر مشروع على أن يتم ذلك في أقرب وقت ممكن.
التوصيات: ناشد المجتمعون أرباب الأموال من المسلمين بضرورة السعي لإنشاء شركات تقوم على أساس أحكام الشريعة الإسلامية في أنشطتها، وتتيح للمستثمرين مجالًا للحصول على عائد (حلال) انتهى.
الرد على أهم حجج القائلين بجواز المشاركة:
1– الاستدلال بالضرورة مردود بأن المال لا يدخل في باب الضرورات التي تبيح المحظورات؛ لأن المقصود بهذه الضرورة كما قال السيوطي: «أن يبلغ المرء حدًا إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب» (الأشباه والنظائر: القاعدة الرابعة).
٢– والاستدلال بالحاجة الملحة أضعف من سابقه فلا يباح الربا من أجلها، ولا يمكن أن تكون علة أو مناطًا لإباحة الربا، ولو اشتدت.
ورعاية الحاجة إنما تتحمل لرفع الغرر؛ لأن مفسدة الغرر يسيرة كغرر عقد الجعالة، وغرر خرص الرطب بالتمر، ولذلك قال ابن تيمية: «مفسدة الغرر أقل من الربا» فلذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجة منه (الفتاوى (۲۹ /۲۲).
3-الاستدلال بعموم البلوى استدلال في غير محله، فعموم البلوى في الصغائر من الأمور التي يصعب التخلص منها، لا في عموم مثل الربا، ولو أن كل أمر عمت فيه البلوى حل وجاز تعاطيه لما بقي شيء اليوم حرامًا، فقد عمت البلوى في الغناء الماجن، وشرب الخمر، والاختلاط والألبسة الفاضحة وغير ذلك، وفي القول بهذا واعتباره أصلًا مطلقًا يخرم الدين.
ومن جانب آخر: لو أن كل ما عسر علينا أسلمته وإيجاد بديله الحلال تابعناه في الحرمة لم تقم للاقتصاد الإسلامي قائمة، وهذا هو التحدي المطلوب من المصارف والبنوك والشركات الإسلامية، فهدفها التصحيح والأسلمة لا المتابعة.
٤ – والاستدلال بأن هذه المعاملة الربوية تابعة للعمل المشروع، وليست أصلًا، ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل، لا يصلح دليلًا لأن التابع إن كان من جنس المحرم لذاته فحكمه حكم أصله، ولم يقل أحد إن الربا القليل غير تابع للكثير، أو أن المعاملة الربوية في أصلها تختلف عن مالها، فالفائدة محرمة أصلًا ونصًا، وطريقها ووسيلتها محرمة.
5- لا يكفي القول بأن التعامل إنما هو مشروط بعدم النص في نظام الشركات على أنها تفترض أو تقرض أو تودع بالربا، إذ العبرة بالتعامل فعلًا نصت النظم على ذلك، أو لم تنص، وغالب تلك البنوك والشركات تنص نظمها على ذلك، وإن لم تنص فهذا مما جرى عرف البنوك والشركات العالمية عليه، وهو جزء لا يتجزأ من نشاطها.
6- القول بأن دخول هذه البنوك والشركات لتغييرها وإصلاحها وأسلمتها بعيد المنال مع تلك الشركات العالمية العملاقة.
وبناء على ما سبق نقول للأخ السائل لا يجوز لك أن تدفع أموالًا للشركة الإسلامية أو غيرها من باب أولى، وأنت تعلم يقينًا أن مجال استثمار أموالك في شركات قد تتعامل في الربا أخذًا أو إعطاء قلت النسبة أو كثرت.
فإن كنت قد تورطت فخذ رأس مالك، واصرف ما خبث من أموال الربا في المصارف العامة، وتب إلى الله، ولا يجوز لك العودة ثانية، وإلا فإن توبتك لم تتحقق.
وعليك أن تستثمر أموالك في تنمية بلاد المسلمين، وإن قل مردوده وأرباحه فقليل طيب تؤدي شكره خير من خبيث كثير لا تطيق وزره.
والله أعلم