العنوان تفاصيل زيارة وفد المحامين البريطانيين لقصر عابدين ومكتب النائب العام
الكاتب بدر محمد بدر
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-1995
مشاهدات 52
نشر في العدد 1170
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 10-أكتوبر-1995
بعد مناوشات خفيفة بمطار القاهرة الدولي من قبل الأمن عقب وصول الوفد ليل الأربعاء ٢٠ سبتمبر ١٩٩٥م، توجه الوفد إلى فندق بيراميزا بمنطقة الدقي بالقاهرة.
وقد بدأ الوفد في التاسعة من صباح يوم الخميس الموافق ٢١ سبتمبر ١٩٩٥م مقابلاته التي كان من المفترض أن تبدأ بمقابلة النائب العام، ولكنه تهرب منها تاركا المحامين الأربعة أعضاء الوفد بصحبة المرافق والمترجم لسيادة المستشار عصام فريد – مساعد النائب العام – الذي استبعد.
في إجاباته الأولى لهم عن مدى فهمهم وإدراكهم للقضية معتمداً على كونهم غير مصريين، وبالتالي فلا بأس من الكذب وخلط الأوراق، إلا أن أسئلة الوفد وقعت كالصاعقة على سيادته، وسرعان ما بدا أثر ذلك على وجهه، وأهم الأسئلة التي طرحها الوفد: لماذا تم تحويل هذه القضية بالذات إلى المحكمة العسكرية، رغم أن التحقيقات قد بدأت فيها بواسطة النيابة العامة التي يمثلها سيادته (مساعد النائب العام)؟
مساعد النائب العام إن هذا من حق رئيس الجمهورية في تحويل قضايا معينة إلى القضاء العسكري فتابعه الوفد قائلا إنهم درسوا الدستور المصري، ولم يجدوا فيه هذا الحق، فأين يوجد ذلك الحق؟ يبيح مساعد النائب العام: إنه يوجد قانون خاص ذلك.
فقال الوفد: هل هو قانون الطوارئ؟
فأجاب مساعد النائب العام: نعم.
فسأله الوفد: هل قانون الطوارئ يعدل الدستور فلم يرد مساعد النائب العام.
ثم سأله الوفد أليس قرار الإحالة يعتبر بمثابة تعد على القضاء المدني؟
فرد قائلا: إنني كما قلت إن قانون الطوارئ ذلك لرئيس الجمهورية.
وهنا تم استدعاء المستشار مساعد النائب العام لمكتب النائب العام، ليتوقف الحوار لمدة 10 دقائق حتى يعود المساعد مرة أخرى، وتكون المفاجأة امتناعه عن مواصلة الحديث بحجة أن هذه قضية منظورة أمام القضاء العسكري، ولا علم لنا بها ولا دخل لنا فيها!! صعد أعضاء الوفد بعد ذلك السلم العتيق الموصل إلى محكمة النقض التي تعد أعلى هيئة قضائية في مصر ليقابلوا المستشار سيد عيد نائب رئيس محكمة النقض نيابة عن رئيسها المتواجد في تركيا.
وقد رد نائب رئيس المحكمة عن أسئلة الوفد بإجابات ليست أفضل من إجابات مساعد النائب العام، وكان أهم سؤال من الوفد لنائب رئيس محكمة النقض:
كيف يقبل القضاة المدنيون أن ينتزع العسكر اختصاصهم الأصيل؟
فرد نائب رئيس محكمة النقض قائلاً: إنهم ليسوا عسكريين، ولكنهم قضاة يتبعون القوات المسلحة.
فسأله أحد أعضاء الوفد: هل يحملون رتبًا عسكرية؟
فأجاب: نعم.
وهنا نظر أعضاء الوفد إلى بعضهم البعض وعلقوا جميعًا ساخرين:
كيف تقول أنهم ليسوا عسكريين، وهم يحملون رتبًا عسكرية؟!!.
ثم تكررت بعد ذلك الأسئلة التي لا تجد إلا إجابة واحدة: "أنا غير مختص، أنا لا أعلم شيئًا عن الموضوع".
ثم توجه الوفد بعد ذلك إلى مقر قصر عابدين ليسلم الإدارة خطابًا موجهًا للسيد رئيس الجمهورية يعبر عن قلق الوفد على مصير المتهمين المدنيين من جراء محاكمتهم أمام المحكمة العسكرية.
فرفض المسئول استلام الخطاب، فطلب الوفد التوقيع على دفتر الزيارات لطلب مقابلة رئيس الجمهورية، فرفض المسئول ذلك أيضًا.
فقال له مستر بلاتسملز: أريد أن أقابل مديرك؟
فقال له الموظف: أنا مأمور بعدم البوح باسم مديري.
فقال له مستر بلاتسملز: إذن فما اسمك أنت؟
فقال له الموظف: لن أقول لك، وأنا مأمور بذلك أيضًا.
فقال له مستر بلاتسملز: أنت وقح.
ويبدو أن هذا الخميس أراد ألا يطوي ساعاته دون مزيد من السخونة والغليان.
فقد بدأ الوفد بعد ذلك زيارته للسفير البريطاني، والذي استمع إلى شكوى الوفد بمزيد التعاطف، وكان تعليقه أنه سوف يتدخل من ولكن تدخله سوف يكون في نهاية اللقاء أو الزيارة التي يقوم بها الوفد لمصر؟
وفي تمام الساعة الرابعة والنصف من بعد ظهر الخميس كانت وقائع المؤتمر الصحفي الذي انعقد بحكم الأمر الواقع في مدخل فندق بيراميزا.
وتفصيل ذلك أن إدارة الفندق أصرت على منع عقد المؤتمر الصحفي في بهو الفندق، فاستضافه مستر بلاتسملز بحجرته، فما كان من ضباط أمن الدولة إلا أن صعدوا بملابسهم الملكية ليمنعوا المؤتمر على أساس أنهم من إدارة الفندق، فكان مصير أحدهم الضرب على يده من صحفية أمريكية تعمل بوكالة رويتر أمام جميع الواقفين.
وقد انتقل الجميع بعد ذلك إلى الشارع أمام الفندق لاستكمال وقائع المؤتمر الصحفي في تظاهرة من أكبر التظاهرات التي اضطرت معها قوات الأمن لإغلاق مداخل الشوارع المؤدية إلى الفندق.
وإذا كان يوم الجمعة قد مر كيوم راحة وقراءة في ملفات القضية المترجمة، وأكواد القوانين وقرار الإحالة للمحكمة العسكرية، فإن يوم السبت قد بدأ منذ الثامنة صباحا بالها كستب على بعد عشرين كيلو مترا من القاهرة وسط الصحراء، وتحت الشمس المحرقة التي رفض معها مستر بلاتسملز (۸5) سنة) ومعه زملاؤه العرض المقدم من إدارة البوابة الخاصة بالثكنة العسكرية ليستريح من الشمس بالجلوس داخل سيارة الجيش قائلا: أنا أرفض أي شيء مقدم من أية جهة عسكرية!
وعلى مدار ساعتين ونصف - تحت الشمس المحرقة - في مفاوضات ومساومات ومداولات لحضور المحاكمة، تم السماح للوفد بدخول المحكمة العسكرية.
وقد مرت هاتان الساعتان كذلك كأعظم مؤتمر صحفي في وجود جميع وكالات الأنباء والجرائد العالمية تقريبا.
وفي المحكمة تلا الدكتور سليم العوا خطاب الوفد الذي استمع إليه رئيس المحكمة باهتمام وكذلك سجلته وكالات الأنباء.
وفي نهاية الجلسة تم استضافة الوفد في غرفة المداولة وقابلتهم هيئة المحكمة برئاسة اللواء أحمد عبد الله، والذي لم يستطع الفكاك من أسئلتهم المحرجة جدا بشأن قلقهم على مصير الصفوة المثقفة من المدنيين على محاكمتهم عسكريا بدون أدلة اتهام.
وبين المقابلات الخاصة والعامة ودعوات الاستضافة، فإنني أؤكد لكم أن الجميع هنا قد رحبوا جداً بهذه الزيارة من الوفد، وكان ترحيب الوفد متبادلاً أيضا، والفائدة عظيمة جدا جدا ورد الفعل في مصر رائع والمرجو والمتوقع أن تكون لهذه الزيارة نتائج مفيدة إن شاء الله.
وفي يوم الأحد، قابل الوفد قيادات جماعة الإخوان المسلمون بالتوفيقية، وقد وأدت الزيارة تفاهما مشتركا بين الجانبين، كما قام الوفد بحضور جلسة محكمة القضاء الإداري يوم الثلاثاء الماضي ويوم الأربعاء، كما قام بزيارة المعتقلين في سجن طره.