; حوار في مجلس الدعوة: الخوف من العقبات الأمنية (2من 2) | مجلة المجتمع

العنوان حوار في مجلس الدعوة: الخوف من العقبات الأمنية (2من 2)

الكاتب د.علي العمري

تاريخ النشر السبت 17-أكتوبر-2009

مشاهدات 67

نشر في العدد 1873

نشر في الصفحة 56

السبت 17-أكتوبر-2009

تناولنا في العدد الماضي مسألة خوف الدعاة من العقبات الأمنية، وقلنا: إنه لا غرو أن يدب الخوف الطبيعي بين جوانح الداعية بين الفينة والأخرى، لكن بشرط ألا يكون هذا الخوف حاجزًا عن الخير أو مسيطرًا على العقل أو بعبعًا في الطريق، واليوم نستكمل الحديث في الموضوع. وأنتم - يا عباد الله - ما أنتم إلا حلقة صغيرة من سلسلة طويلة، فيها نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم ومن على آثارهم من المقتدين، فكل نكبة أصابت حلقة من تلك الحلقات لا بد أن تصيب كل الحلقات، لكنها نكبات مباركة فنكبة أصابت نوحا أو أصابت إبراهيم، أو موسى، أو عيسى، أو محمدا صلى الله عليه وسلم مرحبا بها وأهلا ، هذه النكبات التي تصيب الإنسان على طريق الحق نكبات مباركة، أصابت من هو خير منك ولست أكرم على الله منهم، فلذلك إذا أصابك شيء منها فهي نعمة اختارك الله بها، فأكثر الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل.

وكذلك من أنواع الخوف وهو الرابع: الخوف من التكاليف فكثير من الناس لا يمنعهم من نصرة دين الله إلا أنه يخشى أن يتكلف بتكاليف وأعباء، وأن يجهد نفسه بأعمال يظن نفسه في غنى عنها، أو أنه بالإمكان ألا يكلف نفسه ذلك العناء، لكن الواقع أنه قد باع نفسه وماله لله، وأنه بذلك لن تزداد تكاليفه، فليس الإنسان يملك إلا نفسه وماله، وقد باع ذلك لله عز وجل، فكيف يخشى من زيادة التكاليف بعد ذلك إن هذا من غرور الشيطان للإنسان، يظن أنه إن سعى لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه فإن التكاليف عليه ستزداد، والأعباء ستتضاعف، والواقع خلاف ذلك، فكلما ازداد الإنسان تضحية في سبيل الله سهل عليه البذل، وازداد نشاطًا وأهبة لنصرة دين الله، وما عليكم إلا أن تجربوا ذلك، فإن الذين سبقوكم كلما ازداد أحدهم في العمر ازداد في التضحية.

هذا أبو طلحة الأنصاري وقد زكاه النبي تزكية كبيرة، فأخبر أن صوته في الجيش خير من مائة أو من فئة فعن أنس بن مالك: «أن أبا طلحة قرأ هذه الآية: ﴿انفرُوا خَفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (41) ﴾ (التوبة: الآية 41 )، فقال: استنفرنا الله، وأمرنا الله، واستنفرنا شيوخًا وشبابًا جهزوني، فقال بنوه يرحمك الله إنك قد غزوت على عهد النبي وأبي بكر وعمر، ونحن نغزو عنك الآن، فغزا البحر، فمات، فطلبوا جزيرة يدفنونه فيها فلم يقدروا عليه إلا بعد سبعة أيام، وما تغير».

وكذلك عمير بن الحمام الذي استشهد يوم بدر ولم يبلغ الحلم بعدُ ، فَعَنْ أَنَسِ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بُسَيْسَةَ عَيْناً يَنْظُرُ مَا فَعَلَتْ عِيرُ أَبِي سُفْيَانَ فَجَاءَ وَمَا فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللهِ ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ حَتَّى سبقوا المشركين إلى بدر، وَجَاءَ المُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم لَا يَتَقَد مَنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أَوْدْتُهُ » فَدَنَا الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: رَسُولُ اللهِ : «قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ »، قَالَ: يَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: بخ بخ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخ بَخ» ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّا رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا، قَالَ: فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا ، قَالَ: فَأَخْرَجَ تَمَرَاتِ مِنْ قَرَنهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَبِيتُ حَتَّى أَكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةً طويلة، قَالَ: ثُمَّ رَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قتل» ..

وكذلك منافسة أهل أحد على الخروج مع النبي ، حتى كان النبي يجيز من أكمل خمس عشرة سنة، ويرد من دونها، فجاء رافع بن خديج قد أجاز الخمس عشرة، فجاء سمرة بن جندب وكان أصغر منه في السن، فرده النبي صلى الله عليه وسلم فقال أهله، إنه أقوى منه، فأمرهما رسول الله أن يتصارعا قصرعه سمرة، فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم» ، إنها المنافسة في الخير التي تقتضي من الإنسان كلما ازداد ذوقًا لهذا الخير، وتذوقًا له، وإيغالاً فيه، وأن يزداد عطاء كلما ازداد يقينًا ..

الرابط المختصر :