; حوار في مجلس الدعوة.. الداعية «الفالصو»! | مجلة المجتمع

العنوان حوار في مجلس الدعوة.. الداعية «الفالصو»!

الكاتب علي بن حمزة العمري

تاريخ النشر السبت 07-نوفمبر-2009

مشاهدات 62

نشر في العدد 1876

نشر في الصفحة 57

السبت 07-نوفمبر-2009

هناك قصة جميلة أحب أن أرويها للناشئة، وأروي أجمل ما فيها من أبيات. والقصة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب عندما سمع أن رجلًا يغني بالشعر بعد خروجه من المسجد، فاستغرب عمر، وذهب ليتأكد مما قيل ومما يقول الرجل!

 فأنشده الرجل هذه الأبيات التي غناها:

وفؤاد كلما نبهته في                                     مدى الهجران يبغي تعبي 

لا أراه الدهر إلا لاهيًا                                   في تماديه فقد برح بي 

يا قرين السوء ما هذا الصبا                          فني العمر كذا باللعب 

وشباب بان مني فمضى                              قبل أن أقضي منه مأربي 

ما أرجي بعده إلا الغنا                               ضيق الشيب علي مطلبي

ويح نفسي لا أراها أبدًا                              في جميل ولا في أدب 

نفسي لا كنت ولا كان الهوى                     راقبي المولى وخافي وارهبي

فلما سمعها عمر أعجب بها وطرب بمعانيها، ومشى وهو يردد باكيًا:

«نفسي لا كنت ولا كان الهوى

راقبي المولى وخافي وارهبي

ثم قال: من كان منكم مغنيًا فليغن هكذا!

وهنا يبحث إمام المسلمين وخليفتهم عن رجل بعد الصلاة خشي ألا تكون صلاته قد نهته عن الفحشاء والمنكر!

وهذا الحرص منه ما هو الدور التربوي الذي يقوم به القائد ويحرص عليه الربانيون، حتى تؤدي العبادات دورها وتثمر في الحياة كما يطلب الطبيب الناصح من المريض أن يأخذ علاجه ويتركه مدة حتى يؤدي مفعوله، وتقوى لديه المناعة!

ومسارعة التفقد هي ميزان المجتمع السليم، الذي يحافظ على القوى الكافية، ويطرد كل ما يشينها.. وفي دقة تثبت أمير المؤمنين وما تلا ذلك من إقراره الكلام الجميل دليل توازن ووعي، وتفهم ونفسية متعافية فآثار العبادة في الصلاة ظهرت على كلمات وألحان ذلك الرجل حتى أبكت عمر وتركته مذهولًا!

ثم إن أمير المؤمنين استهجن موقف الرجل من خلال ما نقله الناس واستنكروه، وحرص أن يبادر بنفسه لإبداء الموقف المناسب. 

وهكذا هو الجيل المؤمن يحرص أحدهم على أخيه كما يحرص على نفسه، وأول ما يحرصون عليه عافية قلبه وسلامة جوارحه!

والمجتمع الراشد وهو يقوم بهذا الدور يطرد الأدران والأوساخ التي تغطي الصورة الجميلة التي يجب أن يكون عليها من اتصف وتشرف باسم «الداعية إلى الله»، وهو أعلى وسام يناله المؤمن ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت:33)، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا () وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ (الأحزاب:45-46).

ومعدن الداعية المؤمن كالجوهرة الأصيلة، لا يضرها الغبار، أورش الماء، أو حتى دخولها في الطين، فهي تخرج من كل ذلك صافية أنيقة وإن مسها بعض الخدش بينما الجوهرة الرخيصة التقليدية، تتحلل سريعا مع أول رشة ماء، وتصدًا مع أول هبة رياح والداعية كذلك مثلًا بمثل، سواء بسواء!

 وأسوأ صورة لا نتمنى أن نراها، أو أن يتحدث الناس عنها، هي تلك الصورة الثانية الصورة التقليدية التي تمثل «دعاة الفالصوا»!! 

«دعاة الفالصو».. يمسكون جيوبهم وقت الإنفاق، ويقترون وقت الصدقات ومشاركات الدعوة، ولكنهم ملحاحين أمام مطالبهم متهورين أمام عروض السندات والأسهم!

«دعاة الفالصو».. رقيقون جدًا، حساسون جدًا مرهفون جدًا إنسانيون جدًا، ولكنهم ليسوا أصحاب شهامة، أو نخوة، أو رجولة، أو تضحية!

«دعاة الفالصو».. «بياعو كلام»!

«دعاة الفالصو».. «أصحاب مقالب»!

أما إنهم «بياعو كلام»، فهم «مع الخيل يا شقرا »، و«حيث ألقت برحلها أم قشعم» فالمبادئ يمكن أن تتغير، والمواقف يمكن أن تتلون والخطب يمكن أن تتموج، كل ذلك يكون، لأنهم لا يعيشون الحرف الذي ينطقون به فضلًا عن الكلمة!

 وكونهم «أصحاب مقالب».. فهم يعدونك، ويؤكدون عليك، ويضعون في بطنك «بطيخًا صيفيًا»، فإذا جد الجد، واقتربت الساعة، أغلقوا جوالاتهم، ودخلوا في بيات شتوي!

«الداعية الفالصو».. مرة سنة، ومرة بدعة، ويومًا «مطوع»، ويومًا «تايه»، ويومًا «درس»، ويوم «سينما»!

«الداعية الفالصو».. مع جرائد الأخبار، وصور الفنانين والفنانات ومع أي «هبقة»، لجلسة شاي وصحن فشار وقدر الضغط وحفرة الحنيذ!

«الداعية الفالصو».. «مدوان» إذا اقتنع.. ومخدة نوم إذا «كور». وخلاصة الكلام ما جاء في قصص العوام:

قيل لمسؤول: كيف تعرف المدير الكفء من غيره؟ قال: أقدم لهما كوبًا من ماء، فأما الكفء فيسأل: هل هذا الماء هو من زمزم فأدعو لك أو من غيره فأروي نفسي وفاء لك؟!

وأما الآخر فيسأل: نوع الكأس «ميد إن إيه»!!

 

الرابط المختصر :