; حوار متصل حول قضايا المسلمين في الغرب- ما أحوجنا كلنا إلى التوبة | مجلة المجتمع

العنوان حوار متصل حول قضايا المسلمين في الغرب- ما أحوجنا كلنا إلى التوبة

الكاتب عدنان علي رضا النحوي

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1998

مشاهدات 64

نشر في العدد 1307

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 07-يوليو-1998

تحية إلى أخي الدكتور أبي بكر الحاج عمر لقد قرأت كلمته في مجلة المجتمع العدد ۱۲۹۳، ردًا على ردي وكان أول انطباع لي أني وددت لو أستطيع أن أقول له ليته تريث قبل الرد وأعاد قراءة كلمتي التي يرد عليها حتى يوفر على نفسه بعض ما قاله في الرد.

من أصعب قضايا الحوار أن يخطئ أحد الطرفين في فهم الطرف الآخر، أو أن يخطئ الطرفان في فهم بعضهما بعضًا، يقول أخي الدكتور أبو بكر في كلمته «... ألح الدكتور عدنان علي رضا النحوي في دعوة اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا في شخص رئيسه الأستاذ الحاج التهامي إبريز – حفظه الله إلى التوبة إلى الله ...»

هرعت إلى كلمتي السابقة التي يشير إليها الدكتور أبو بكر -حفظه الله-، وأعدت قراءتها، فلم أجد فيها أي إلحاح ولا أي دعوة إلى التوبة إلى الله، وأسفت لذلك كثيرا. 

أسفت أولًا لأني لم أقل ذلك ولم ألح، وكان واجبي أن أفعل وأذكر وألح بالدعوة والتذكير. بالدعوة إلى التوبة إلى الله والتذكير بها، وأول ما أدعو نفسي إلى أن نتوب إلى الله.

وأسفت ثانيًا لأن أخي الكريم بدا عليه في كلمته العتاب أنه اعتبر الدعوة إلى التوبة إلى الله، الدعوة التي لم تتم، اتهامًا له يستحق الغضب والعقاب وكنت أود من أخي أن يفرح بهذه الدعوة وبهذا الإلحاح لو أني فعلته!

فمن منا ليس بحاجة إلى التوبة وإعادة التوبة؟

نحن اليوم وفي واقعنا الحالي، كلنا كلنا في حاجة إلى التوبة أليس كل منا مسؤولًا عما حل بالمسلمين والعالم الإسلامي من نكبات من الذي يجرؤ على أن يقول إنه بريء من الذنوب والتقصير والأخطاء، وبخاصة في واقعنا اليوم اللهم اشهد أني أتوب إليك توبة أرجو أن تعينني عليها حتى تكون توبة نصوحًا، وأعنِّي على أن أجدد التوبة إليك وأعنِّي على أن ألح على إخواني بأن يتوبوا إلى الله وأن يجددوا التوبة كل حين.

أخطاء حقيقية .... ونصيحة خالصة:

أخي الحبيب لم أقصد الإساءة والاتهام ولكنني قصدت النصيحة الخالصة لوجه الله حول أخطاء حقيقية لم أبتدعها، وإنما ذكرت نصوصًا ثابتة أعلنها بعض إخواننا الأحبة، نقلتها حرفيًّا مع جوها، هذه النصوص لا أراها مقبولة في الإسلام ولم يرها إخوانكم الذين شهدوا مجلسنا، ونصحوا بما نصحت به والنصوص، واردة في كلمتي السابقة.

أنا يا أخي الكريم لم أخلط بين أمرين، ولا بين واقعين، إنما أقول إننا نحن المسلمين إذا اضطررنا لنقيم في بلد علماني أو كافر أو غير مسلم، فقد علمنا الإسلام كيف تتصرف وماذا نقول، وكيف يكون موقفنا، وجعل لنا حدودًا يجب أن نقف عندها، ويختلف الأمر بين فرد وبين حركة ودعوة.

يمكن أن تجتهد أو لابد من الاجتهاد ولكن على الأسس التي حددها الإسلام، وفي حدود قواعده ونهجه ولستم أول المسلمين الذين يقيمون في دار غير مسلمة، فللمسلمين تجارب عديدة في مختلف العصور مارسوا فيها منهاج الله والتزموا حدوده، دون أن يتنازلوا عن شيء منه.

ونحن نطالب العلمانية بشيء واحد أن تصدق فيما نقول ولكننا لا يحل لنا أن نقول إن العلمانية تحمي المسلمين، وتعطيهم حقوقهم، من هم المسلمون الذين حمتهم العلمانية؟! هكذا على الإطلاق؛ المسلمون جميعًا في الأرض هكذا دون أي تحديد ومم حمتهم؟ حمتهم من أن يفتنوا عن دينهم حمتهم من أن ينسوا لغة قرآنهم حمتهم من أن يجهلوا الكتاب والسنة كم عدد المنتسبين إلى الإسلام في فرنسا وكم عدد الذين يحافظون على دينهم ولغتهم ويلتزمونها؟!

فهل الحماية أن تمنح الجنسية فحسب أو أن تسمح بفتح مكاتب للمسلمين وعقد المؤتمرات والخطابة، ثم استخدام لغتهم استخدامًا كاملًا في مؤتمرات إسلامية عربية تختفي فيها اللغة العربية حتى في الجلسات الخاصة، وفي كثير من البيوت وتختفي الدعوة الواضحة إلى الإسلام وتبرز الدعوة إلى العلمانية هل الحماية هي أن نضطر إلى القول .. لا تملك إلا أن تندمج مع النسيج الديني والثقافي الفرنسي ولا تملك إلاه أي مجبرون مضطرون فهذا اعتراف واضح صريح بعدم وجود الحماية وبقبول عدم وجود الحماية

الاندماج .. خطر حقيقي:

ولقد جاءت كلمة جوسلين سيزاري الفرنسية التي تعتمدون عليها لتأييد وجهة نظركم، جاءت كلمتها في كل حرف تؤكد أن قوانين فرنسا لا تعطي الحماية للمسلمين ولا لغيرهم من الأقليات فأسمعها تقول: يصبح المرء قوميًّا فرنسيًّا حين يصبح مواطنًا فرنسيًّا، وحين يقبل بقوانين معينة في المجتمع والقاعدة الأساسية هي عدم إبراز خصوصياته حتى الدينية على ساحة المجتمع ولا يمكن أن يكون المرء مواطنًا إلا إذا صار مشابهًا للآخرين كل المشروع السياسي الفرنسي أمس على هذه النظرة وعلى هذا التصور، وهذا التصور لا يصلح ويزعج المسلمين، بل إن هناك أقليات كثيرة لها خصائصها ترفض أن تعتبر مشابهة للآخرين!

عجيب أن يقول المسلم إنه لا يملك إلا أن يندمج - مع النسيج الديني والثقافي الفرنسي ليصبح مشابهًا للآخرين غير المسلمين ومواطنًا فرنسيًّا لا يحق له أن يبرز خصوصياته الدينية على ساحة المجتمع، ويقبل بقوانين خاصة ثم هناك طوائف غير مسلمة ترفض هذا الوضع ولا تقبل أن تعتبر مشابهة للآخرين! عجيب حقًا كل العجب والأعجب أن نسمي كل هذه التنازلات وكل هذا الانتاج حماية للمسلمين وإعطاء لحقوقهم!

بهذا الاندماج أرى أن المسلمين يصبحون في خطر حقيقي، وأنهم فقدوا حقوقهم، وأنه لا يوجد – لهم حماية!.

إن أهم حماية يجب أن يبحث عنها المسلم في كيف ينجو من الفتنة في الدنيا، ومن عذاب الآخرة. 

ليس للعلمانية الفرنسية خصوصية ولا للعلمانية في أي أرض ذلك بالنسبة إلى الإسلام إلا أن ترفع العلمانية شعار حرية الأديان، ثم تعطي عمليًّا للنصارى واليهود والمجوس حرية أكثر من المسلمين وتنفق عليهم الأموال وتقيم لهم الحركات التنصيرية، وتسمح لهم بلباسهم الديني وتقوم الدنيا وتقعد على حجاب المرأة المسلمة ربما كانت العلمانية خارج فرنسا أرحم بالمسلمين مما هي عليه في فرنسا في بعض المراحل، ولكنهم في النتيجة سواء.

إن ظهور بعض الفرنسيين من رجال أحزاب أو غيرها، يقفون مع المسلمين في بعض حقوقهم البسيطة في حرية إقامة شعائرهم والدفاع عن قضية الحجاب وبعضهم يطمع من وراء ذلك في أصوات المسلمين في الانتخابات الفرنسية ويدعمونهم على قدرها، إن هذا لا يغير السياسة العامة الحقيقية المقررة، ولكن هذا لا يمنع من أن نستفيد مما تدعيه العلمانية من حرية الأديان، تدعيه في فرنسا، وفي خارج فرنسا، ولكن يجب أن تعلم أن الحرية التي يعنونها ليست هي الحرية التي أمر الله ورسوله بها، ولا يمنع هذا من أن نستفيد من كل من يعين دون تنازل منا. 

إن العلمانيين يعرفون حقيقة الإسلام، وأن الإسلام منهج حكم وسيادة وخلافة، ومنهج حياة متكاملة في جميع ميادين الحياة الشخصية والعامة، وأنه منهج يرفض الظلم والعدوان والفساد ويحارب ذلك كله، إنهم يعلمون هذا ويقرؤونه في القرآن والسنة، فكيف لنا أن نخفي هذه الحقائق إلا لو أعلن بعضهم عن تنازله عنها. وأعلن قبوله بالعلمانية مبدأ يندمج في نسيج دينها وثقافتها، وهذا أوسع تنازل.

* العلمانية في فرنسا وغيرها تعرف ما تريد من الإسلام وحددت أهدافها بدقة ووضعت خطتها من خلال دراسات ممتدة

إن النصوص التي أعلنت في المحاضرات واضحة تمثل تنازلًا واضحًا عن بعض قضايا الإسلام التي لا يجوز التنازل عنها، وتمثل تسويقًا غير سليم لذلك إن العلمانيين، وفي فرنسا، يدعوننا بجرأة إلى علمانيتهم، فعلينا أن ندعوهم إلى الإسلام.

حاجتنا إلى نهج واضح وتخطيط سليم: إن الذين فقدناه في كثير من ميادين العمل الإسلامي هو النهج والتخطيط الذي يحدد الأهداف بدقة والوسائل والأساليب والدرب الذي يوصل إلى الأهداف حتى لا تتحول الأهداف إلى شعارات مجردة تتجه إلى ناحية والدرب يتجه إلى ناحية أخرى، لقد أصبحت كلمة النهج والتخطيط في مواقع كثيرة مبهمة غير واضحة تغيب في أمواج الرغبات العربية والمصالح الشخصية والتصورات الآتية بعيدة عن أسس ثابتة راسخة لا يجوز التخلي عنها.

إن العلمانية في فرنسا وغيرها تعرف ما تريد من الإسلام سواء أعلنته أم لم تعلنه، وقد حددت أهدافها بدقة بالغة وتفصيل ووضعت خطتها المفصلة من خلال دراسات ممتدة، يوجز ذلك كله عمليًّا تأمين أطماعهم ومصالحهم المادية من نهب ثروات الشعوب والتنافس عليها مهما كلف ذلك من ضحايا ودماء ومجازر، بعد أن عزلت ذلك كله عزلًا كاملًا عن أي تصور للدار الآخرة والغيب والساعة والحساب والجنة والنار، إلا بمقدار ما تحتاجه لتخدير الناس أو لدعم مناهجها بالحركات التفسيرية وغيرها.

إن هذه الصورة واضحة جلية كشفتها قرون طويلة، أما آن لنا أن ندركها؟! أما آن لنا أن نضع نهجنا وخطتنا لتقابل نهجهم وخطتهم

إن العلمانية مهما اختلفت أفكارها فهي تقف موقفًا واحدًا في خطها العام من الإسلام، هم صف واحد يتعاونون مع تنافسهم على الإسلام بأساليب تتراوح بين الفتنة في عمليات الإبادة والتعذيب وبين الفتنة في نشر الفساد والفحشاء والتسلل، وفق منهج مدروس، إلى القلوب والعقول والنفوس، وكذلك إلى الديار.

أما نحن المسلمين فممزقون شيعًا وأحزابًا. استمر تمزقنا حتى الفناء واعتدناه وكأننا لم نعد نشعر بخطره الكبير، ومن خلال هذا التفرق يفشل كثير من التخطيط وتضيع فرص وتفتح ثغرات يتسلل منها العلمانيون

إنه ليس من مصلحتنا أن نعلن من الإسلام مبادئ الرحمة والعفو فقط لتكون مظهر الضعف والهوان والاستسلام، إننا نعلن تكامل الإسلام لنقنع من يريد الله له الهداية بحاجته هو إلى الإسلام أفرادًا وشعوبًا.

إن المسلمين اليوم يعملون متفرقين فخسروا بذلك مصدرًا مهمًا من مصادر القوة، فلا هم أرضوا الله بهذا التفرق ولا هم كسبوا احترام – الشعوب ولا هم جمعوا وأعدوا قوة كما أمرهم الله ولقد أصبح هنالك من يدعو بأسلوب أو بآخر إلى ما يغذي هذا التعرق، حتى أصبحت الإقليمية - والوطنية أعلى من روابط الإسلام والإيمان.

العالم كله اليوم يمر في تيه مظلم شديد الظلمة والمشكلات أمام جميع الدول الكبرى والصغرى والمتخلفة آخذة بالازدياد، والفتنة والجرائم والفساد يمتد وينتشر كاللهيب المتفجر، والجميع يبحث عن منفذ للنجاة.

إن هذه فرصة كبيرة للمسلمين اليوم، ليجهروا بدينهم ودعوتهم صفًا واحدًا، يدعون إلى دين الله. إلى الله ورسوله إلى الإيمان والتوحيد لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله الذي لا إله إلا هو.

الإسلام كان دائمًا حاجة الإنسان والبشرية، وهو اليوم حاجة كل إنسان وكل شعب وكل دولة وأمة كلهم يتلفتون في دياجير الظلمة والمتاهة وفي عمرات اللهو والفتنة يبحثون ويسألون.

إنها الفرصة العظيمة للمسلمين اليوم ليجمعوا صفوفهم على أساس من الإيمان الصافي والتوحيد الخالص والكتاب والسنة ووعي الواقع ودراسته من خلال ذلك للتقدم إلى العالم برسالة الإسلام كما أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم، لا بجزء منها، نتقدم على أساس من نهج مدروس وخطة واعية تجمع القلوب التي تصدق ربها وخالقها، وتدرك حقيقة الأمانة التي تحملها، وحقيقة العهد الموثق مع الله سبحانه وتعالى.

ولكم منِّي التحية الطيبة الصادقة والدعاء الصافي والحب الكبير، والأخوة في الله التي أمر الله بها بكامل حقوقها وواجباتها.

 واغتنم هذه الفرصة لأذكر إخواننا في جميع ديار العلمانية التي تدعي حقوق الإنسان إن أول حق للإنسان وأخطره هو حماية فطرته التي فطره الله عليها حتى لا يهلك إذا فسدت الفطرة، فهل المجتمع العلماني يحمي فطرة الإنسان في وحول الفاحشة والخمر والمخدرات والفتنة بمختلف ألوانها؟!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

955

الثلاثاء 31-مارس-1970

الأسرة.. وحزيران

نشر في العدد 12

114

الثلاثاء 02-يونيو-1970

لقلبك وعقلك