العنوان حوار مع السيدة شمس البارودي بعد التزامها بتعاليم الإسلام
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يناير-1988
مشاهدات 65
نشر في العدد 853
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 26-يناير-1988
لو عدت إلى
الوراء لما تمنيت أبدًا أن أكون من الوسط الفني.
قرأت الفاتحة
كأني لم أقرأها طوال حياتي.
دعاء واحد رددته
خلال طوافي حول الكعبة.
وظيفة المرأة
المسلمة هي الأمومة ورعاية الزوج بالدرجة الأولى.
بعد كل فترة
تطالعنا صفحات الأخبار الفنية بفضائح الوسط الفني، كالاتجار بالمخدرات «حاتم ذو
الفقار، ماجدة الخطيب...» أو كإدمان للمخدرات «فاروق الفيشاوي» وغيره أو جرائم قتل
«بليغ حمدي، نيازي مصطفى...» ناهيك عن حوادث الاختلاس أو النزاعات الحادة أو
الفضائح الجنسية أو غيرها... ولا تخفي أشرطة الفيديو أحيانًا سهرات الفنانين على
موائد الخمور والمعاصي.. حتى بات معروفًا أن الوسط الفني مستنقع آسن من دخله يتلوث
به في الغالب.. وإذا كانت الأمم الغربية ترفع من شأن فنانيها وتقدرهم وتحترمهم
فلأنهم متسقون مع قيم مجتمعاتهم وأخلاقياته.... بينما يختلف الوضع تمامًا عندنا...
فالفنانون متسقون مع أسوأ قيم المجتمعات الغربية يحاربون قيم مجتمعاتهم العربية
والإسلامية، وبعض هؤلاء يعيش صراعًا نفسيًا حادًا في داخله بين قيمه التي نشأ
عليها وبين نمط الحياة الذي فرضها عليه هذا الوسط... و«المجتمع» تلتقي مع شخصية
عاشت هذا الصراع وانتهت إلى التوبة والهداية إلى الله... وهجرت هذا الوسط واستسلمت
لدين ربها تائبة مستغفرة.. و«المجتمع» إذ تعرض تجربة السيدة «شمس البارودي» تتمنى
على كثير من أفراد هذا الوسط الاقتداء بتجربة هذه السيدة التي ندعو لها بالثبات
على ما هي فيه... والله الموفق.
فترة طويلة
قضيناها في إقناع السيدة شمس البارودي للإدلاء بهذا الحديث، فقد كانت ترى أنه من
الأفضل أن يظل إيمانها بالله، والتزامها بتعاليم الإسلام، أمرًا خاصًا بها بعيدًا
عن الرياء والشهرة، وحتى يكون عملها خالصًا لوجه الله.. حاولنا إقناعها بأن إعلان
الالتزام بتعاليم الإسلام ورواية تجربتها في ذلك ليس رياء ولا شهرة، ولكنه قد يؤثر
في آخرين، يريدون أن يسلكوا نفس الطريق... طريق الإيمان والالتزام... ولكنهم
مترددون... يحتاجون إلى من يقوي عزمهم، ويشد أزرهم... ولأن يهدي الله بكِ رجلًا
واحدًا، أحب إليك من الدنيا وما فيها، وأحب إليك مما طلعت عليه الشمس.. وقلنا: إن
التجربة الإيمانية هي إحدى طرق الإقناع.. واستعنا في الاتصال بالسيدة شمس ببعض
صديقاتها -على قلتهن- حتى وافقت على أن تخص «المجتمع» بهذا الحديث...
في الموعد
المحدد، ذهبت زوجتي -فهي لا تلتقي بالرجال- وهي تحمل الأسئلة إلى بيت السيدة شمس
البارودي بشارع كورنيش النيل بالقاهرة، حيث روت تجربتها كاملة منذ أن بدأت العمل
في السينما كممثلة، وكيف ولماذا اعتزلت..
والسيدة شمس
البارودي -40 عامًا- متزوجة من حسن يوسف الذي يعمل الآن في مجال الإخراج السينمائي
ولها أربعة أولاد.. ناريمان وعمرها 12.5 سنة ومحمود وعمره 8 سنوات وبعد أن التزمت
بالإسلام أنجبت عمر 3.5 سنوات وأخيرًا عبد الله وعمره 6 شهور، وقد اعتزلت التمثيل
منذ حوالي ست سنوات، وعن الفترة التي قضتها في التمثيل تقول: «إنها كانت فترة
غيبوبة بالنسبة لي» و«الحياة التي يراها البعض مبهرة، وفيها كل متع الدنيا وما إلى
ذلك، يراها الفرد المسلم حياة ضلال» و«الحياة المظلمة قبل انتقالي لطريق النور»
وبدأ الحوار:
بداية نريد أن
نتعرف على بدايتك على طريق الإيمان، كيف تغيرت والتزمتِ طريق الله؟
بسم الله الرحمن
الرحيم.. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.. البداية
كانت في نشأتي.. والنشأة لها عامل مهم... الأسرة.. والدي بفضل الله رجل متدين
التدين البسيط العادي، وكذلك كانت والدتي رحمها الله.. كنت أصلي، ولكن ليس
بانتظام.. كانت بعض الفروض تفوتني، ولم أكن أشعر بفداحة ترك فرض من فروض الصلاة،
وللأسف كانت مادة الدين في المدارس غير أساسية، وبالطبع لم يكن يرسب فيها أحد، ولم
يكن الدين علمًا أساسيًا مثل باقي العلوم الأخرى الدنيوية. وعندما حصلت على
الثانوية العامة كانت رغبتي إما في دخول كلية الحقوق أو دراسة الفنون الجميلة،
ولكن المجموع لم يؤهلني لأيهما، فدخلت معهد الفنون المسرحية، ولم أكمل الدراسة فيه
حيث مارست مهنة التمثيل.. وأشعر الآن كأنني دفعت إليها دفعًا... فلم تكن في يوم من
الأيام حلم حياتي.. ولكن بريق الفن والفنانين والسينما والتليفزيون، كان يغري أي
فتاة في مثل سني وقتها «16، 17» سنة خاصة مع قلة الثقافة الدينية الجيدة، وأن أهم
فئة في المجتمع، وهي حديث الناس والإعلام، هم الفنانون... وأثناء عملي بالتمثيل
كنت أشعر بشيء في داخلي يرفض العمل، حتى إنني كنت أظل عامين أو ثلاثة دون عمل، حتى
يقول البعض إنني اعتزلت.. والحمد لله كانت أسرتي ميسورة الحال من الناحية المادية،
فلم أكن أعمل لحاجة مادية.. وكنت أنفق العائد من عملي، على ملابسي ومكياجي وما إلى
ذلك.... استمر الوضع حتى شعرت أنني لا أجد نفسي في هذا العمل.. شعرت أن جمالي هو
الشيء الذي يُستغل في عملي بالتمثيل وعندها بدأت أرفض الأدوار التي تُعرض عليّ
والتي كانت تركز دائمًا على جمالي الذي وهبني الله إياه، وعند ذلك قل عملي جدًا...
كان عملي بالتمثيل، أشبه بالغيبوبة.. كنت أشعر أن هناك انفصامًا بين شخصيتي
الحقيقية والوضع الذي أنا فيه.. وكنت أجلس أفكر في أعمالي السينمائية، التي يراها
الجمهور ولم أكن أشعر أنها تعبر عني وأنها أمر مصطنع، كنت أحس أنني أخرج من جلدي.
وبدأت أمثل مع
زوجي -الأستاذ حسن يوسف- في أدوار أقرب لنفسي، فحدثت لي نقلة طفيفة من أن يكون
المضمون لشكلي فقط بل هناك جانب آخر... أثناء ذلك بدأت أواظب على أداء الصلوات،
بحيث لو تركت فرضًا من الفروض، أستغفر الله كثيرًا بعد أن أصليه قضاء، وكان ذلك
يحزنني كثيرًا.. كل ذلك ولم أكن ألتزم بالزي الإسلامي.. وقبل أن أتزوج كنت أشتري
ملابسي الصيفية والشتوية من أحدث بيوت الأزياء في مصر، وبعد أن تزوجت كان زوجي
يصحبني للسفر خارج مصر لشراء الملابس الصيفية والشتوية!!.. أتذكر هذا الآن بشيء من
الحزن، لأن مثل هذه الأمور التافهة كانت تشغلني.. بدأت أشتري ملابس أكثر حشمة، وإن
أعجبني ثوب بكم قصير، كنت أشتريه ومعه «جاكيت» لستر الجزء الظاهر من الجسم.. كانت
هذه رغبة داخلية عندي... وبدأت أشعر برغبة في ارتداء الحجاب، ولكن بعض المحيطين
بي، كانوا يقولون لي: إنك الآن أفضل!!.. بدأت أقرأ في المصحف أكثر، وحتى تلك
الفترة لم أكن قد ختمت المصحف قراءة، كنت أختمه مع مجموعة من صديقات الدراسة، ومن
فضل الله أنني لم يكن لي صداقات في الوسط الفني، بل كانت صداقاتي هي صداقات
الطفولة.. كنت أجتمع وصديقاتي، حتى بعد أن تزوجت، في شهر رمضان في بيت واحدة منا
نقرأ القرآن ونختمه، وللأسف لم يكن منهن من تلتزم بالزي الشرعي.. كنا نقسم أجزاء
القرآن بيننا.. كل واحدة تقرأ جزءًا معينًا، ثم نصلي ركعتين لله، بعد أن ندعو
بدعاء ختم القرآن. في تلك الفترة كنت أعمل دائمًا مع زوجي.. سواء كان يمثل معي أو
يخرج لي الأدوار التي أمثلها... وأنا أحكي هذا الآن ليس باعتباره شيئًا جميلًا في
نفسي، ولكن أتحدث عن فترة زمنية عندما أتذكرها أتمنى لو تُمحى من حياتي.. ولو عدت
إلى الوراء، لما تمنيت أبدًا أن أكون من الوسط الفني.. كنت أتمنى أن أكون مسلمة
ملتزمة، لأن ذلك هو الحق والله تعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:56)
كنت عندما أذهب
إلى المصيف.. أتأخر في نزول البحر إلى ما بعد الغروب، ومغادرة الجميع للمكان إلا
من زوجي، وأنا أقول هذا لأن هناك من تظن أن بينها وبين الالتزام هوة واسعة، ولكن
الأمر بفضل الله سهل وميسور، فالله يقول في حديثه القدسي «ومن تقرب إليَّ شبرًا
تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب إليَّ ذراعًا تقربت منه باعًا ومن أتاني يمشي أتيته
هرولة...» كانت قراءاتي في تلك الفترة لبرجسون وسارتر وفرويد وغيرهم، من أصحاب
الفلسفات التي لا تقدم ولا تؤخر وكنت أدخل في مناقشات جدلية فلسفية، وكانت عندي
مكتبة، ولكني أحجمت عن هذه القراءات دون سبب ظاهر.
عقاب من الله:
كانت عندي رغبة
قوية في أداء العمرة وكنت أقول في نفسي: إنني لا أستطيع أن أؤدي العمرة إلا إذا
ارتديت الحجاب، لأنه غير معقول أن أذهب لبيت الله دون أن أكون ملتزمة بالزي
الإسلامي.. لكن هناك من قلن لي: لا... أبدًا.. هذا ليس شرطًا!. كان ذلك جهلًا
بتعاليم الإسلام.. لأنهن لم يتغير فيهن شيء بعد أدائهن العمرة... ذهب زوجي لأداء
العمرة.. ولم أذهب معه لخوفي أن تتأخر ابنتي عن الدراسة في فترة غيابي، ولكنها
أصيبت بنزلة شعبية وانتقلت العدوى إلى ابني، ثم انتقلت إلي، فصرنا نحن الثلاثة
مرضى فنظرت إلى هذا الأمر نظرة فيها تدبر.. وكأنها عقاب على تأخري عن أداء العمرة.
في العام التالي
ذهبت لأداء العمرة.. كان ذلك في فبراير سنة 1982 وكنت عائدة في ديسمبر من باريس
وأنا أحمل أحدث الملابس من بيوت الأزياء، كانت ملابس محتشمة ولكنها أحدث موديل..
وعندما ذهبت واشتريت لباس العمرة الأبيض... كانت أول مرة ألبس الثياب البيضاء دون
أن أضع أي نوع من المساحيق على وجهي.. ورأيت نفسي أكثر جمالًا.. ولأول مرة سافرت
دون أن أصاب بالقلق على أولادي من بعدي عنهم، وكانت سفرياتي تصيبني بالفزع والرعب
خوفًا عليهم وكنت أصحبهم معي في الغالب... ذهبت لأداء العمرة مع وفد من هيئة قناة
السويس.. وعندما وصلت إلى الحرم النبوي بدأت أقرأ في المصحف، دون أن أفهم الآيات
فهمًا كاملًا، لكن كان لدي إصرار على ختم القرآن في المدينة ومكة.. وكانت بعض
المرافقات لي من السيدات يسألنني: هل ستتحجبين؟ وكنت أقول: لا أعرف... كنت أعلق
ذلك الأمر على زوجي.. هل سيوافق أم لا... ولم أكن أعلم أنه لا طاعة لمخلوق في
معصية الخالق... كان البعض يقول لي: فعلًا... يجب أن تسألي زوجك.. فالحجاب ليس
مسألة سهلة.. وكنت أقضي وقتي في قراءة القرآن، وفي إحدى المرات.. وكنت ذاهبة إلى
الحرم المدني بصحبة والدي قابلت خالي، فسألني: هل زرت مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم؟
فقلت: نعم.. كل يوم أزور مسجد الرسول، فاستبشر ثم سألني: هل فتح الله عليك؟ فلم
أفهم السؤال فقال هل بكيت في الحرم؟ كان السؤال غريبًا علي، فقلت: لا... فدعا لي
بأن يفتح الله علي، ومر على هذا الموقف يومان أو ثلاثة، وأثناء زيارتي لمسجد
الرسول صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الفجر شعرت بشيء غريب... فجأة استشعرت كأني
أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رأي العين.. كأنه ينظر إلي من دون الناس...
فارتعد جسمي وانهمرت دموعي بغزارة، ومهما قلت لا أستطيع أن أعبر عما أحسست به في
هذا الموقف... وكانت السيدة التي ترافقني تحاول إبعادي من أمام قبر الرسول عليه
الصلاة والسلام لشدة ما أنا فيه، حتى أخرجتني من المصلى، فلم تقدر رجلاي على
حملي.. وخرجت وأنا أشعر أن شيئًا ما قد حدث لي... كأنها عملية تطهير... وسألني
والدي: لم تأخرت؟ فقالت السيدة المرافقة: باركوا لها.. لقد فتح الله عليها.
قصيدة أبكتني:
ثم سافرت إلى
مكة والحرم المكي... وكنت أجتهد أن تكون الشعائر التي أؤديها سليمة صحيحة، وفي
الحرم المكي، وجدت العديد من الأخوات المسلمات اللائي كن يرتدين الخمار الذي يكشف
الوجه فقط وكنت أفضل البقاء في الحرم لأقرأ القرآن... وفي إحدى المرات أثناء وجودي
في الحرم بين العصر والمغرب التقيت بإحدى الأخوات وهي مصرية تعيش في الكويت واسمها
«أروى» وقرأت عليَّ أبياتًا من الشعر الذي كتبته فبكيت لأنني استشعرت أنها مست
شيئًا في قلبي، وكنت في تلك الفترة تراودني فكرة الحجاب كثيرًا ولكن الذين من حولي
كانوا يقولون لي: انتظري حتى تسألي زوجك... لا تتعجلي.. أنت ما زلت شابة... ولكن
كانت رغبتي في ارتداء الحجاب، قالت الأخت «أروى»:
فليقولوا عن
حجابي *** لا وربي لن أبالي
قد حماني فيه
ديني *** وحباني بالجلال
زينتي دومًا
حيائي *** واحتشامي هو مالي
أَلِأَنِّي
أَتَوَلَّى *** عن متاع لزوال
لامني الناس
كأني *** أطلب السوء لحالي
كم لمحت اللوم
منهم *** في حديث أو سؤال
وهي قصيدة
طويلة، أبكي كلما تذكرتها.... استشعرت أنها تتحدث بلسان حالي.. وأنها مست شغاف
قلبي، وبعد ذلك ذهبت لأداء العمرة، لأخت لي من أبي توفيت وكنت أحبها كثيرًا، رحمها
الله.. وبعد أداء العمرة لم أنم ليلتها، واستشعرت بضيق في صدري رهيب، وكأن جبال
الدنيا تجثم فوق أنفاسي وكأن خطايا البشر كلها تخنقني.. كل مباهج الدنيا التي كنت
أتمتع بها، كأنها أوزار تكبلني.. وسألني والدي عن سبب أرقي، فقلت له: أريد أن أذهب
إلى الحرم الآن.... قرأت الفاتحة كأني لم أقرأها طوال حياتي.
ولم يكن الوقت
المعتاد لذهابنا قد حان، ولكن والدي -وكان مجندًا نفسه لراحتي في رحلة العمر-
فصحبني للحرم، وعندما وصلنا، أديت تحية المسجد وهي الطواف، وفي أول شوط من الأشواط
السبعة يسر الله لي الوصول إلى الحجر الأسود، ولم يحضر على لساني غير دعاء واحد..
لي ولزوجي وأولادي وأهلي وكل من أعرف... دعوت بقوة الإيمان.. ودموعي تنهمر في صمت
ودون انقطاع.. طوال الأشواط السبعة لم أدع إلا بقوة الإيمان وطول الأشواط السبعة
أصل إلى الحجر الأسود وأقبله، وعند مقام إبراهيم عليه السلام وقفت لأصلي ركعتين
بعد انتهاء الطواف، وقرأت الفاتحة كأني لم أقرأها طوال حياتي، واستشعرت فيها معاني
اعتبرتها منة من الله، وكأن الله أنزل عليَّ بعض رحماته، فشعرت بعظمة فاتحة
الكتاب... وكنت أبكي وكياني يتزلزل.. وطوال الطواف استشعرت كأن ملائكة كثيرة حول
الكعبة تنظر إلي.. استشعرت عظمة الله كما لم أستشعرها طوال حياتي... أحسست بكل
كلمة وكل حرف في سورة الفاتحة، وكأنها تجسد أمامي عظمة الله سبحانه وتعالى.. ثم
قمت لأذهب إلى مكان النساء لصلاة الفجر... عندها كنت قد تبدلت.. وأصبحت إنسانة
أخرى تمامًا، وسألتني بعض النساء: هل ستتحجبين يا أخت شمس؟ فقلت: بإذن الله.. حتى
نبرات صوتي قد تغيرت... تبدلت تمامًا هذا كل ما حدث فيّ، وعدت ومن وقتها لم أخلع
حجابي، وأنا الآن في السنة السادسة منذ ارتديته، وأدعو الله أن يحسن خاتمتي
وخاتمتنا جميعًا، أنا وزوجي وأولادي وأهلي وأمة المسلمين جميعًا.
موقف زوجي
وأسرتي:
في لحظة وصولك
إلى مصر، ولقائك بزوجك، ما مدى تقبله لذلك؟ وما موقف الأسرة من اتجاهك للعمل في
السينما، ثم اتجاهك إلى طريق الإيمان؟
زوجي والحمد لله
رجل متدين، وقد سَعِد بذلك كثيرًا، وقال لي: إنه لم يكن يتوقع أن يستمر تمسكي
بالحجاب، وإن ارتدائي له هو تأثير مؤقت بعد عودتي من العمرة، ولكن الحمد لله.. أما
عن موقف الأسرة فقد كانوا سعداء لأنني اتجهت إلى طريق الإيمان، ولكنهم كانوا سعداء
كذلك عندما اتجهت لطريق الفن، وهذا شيء غريب، من أجل ذلك أقول: إن الجذور مهمة
جدًا، وجذور أهلي إيمانية، ووالدتي -رحمها الله- لم تكن تخرج من البيت، وليس لها
من اهتمام إلا تربية أبنائها ورعاية زوجها.. فبقدر فرحتهم لظهوري في عالم الفن،
بقدر سعادتهم أكثر عندما انتقلت إلى رحاب الإيمان، ووالدي والحمد لله يؤدي فريضة
الحج كل عام، وكانت والدتي كذلك -رحمها الله- وكانت والدتي قد ارتدت الحجاب قبلي،
وكان من تقاليد المجتمع أن الفتاة لا ترتدي الحجاب، بل التي ترتديه هي السيدة
كبيرة السن.
بالطبع واجهتك
صعوبات وتحديات بعد التزامك بالإسلام، ما هي؟
أحمد الله أن
حياتي الأسرية كانت الدرع الحامي لي من أي صعوبات أواجهها بعد التزامي بتعاليم
الله وتنفيذ ما جاء في كتابه الكريم، وسنة نبيه المصطفى ﷺ فأنا أحيا في كنف زوجي،
وأربي أولادي وأرعى بيتي، وكانت دائمًا علاقاتي خارج المنزل، منحصرة في أسرتي
الكبيرة... أمي وأبي وإخوتي وأسرة زوجي والأعمام والأخوال.. فلا صعوبات والحمد
لله، وإن كنت لا أبالي بأي صعوبات فهيهات هيهات... ويا ضآلة ما نلاقي في الدنيا،
عما سنجزى به في الآخرة إن شاء الله، وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ
أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ
وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران:142).
محاولات
المنتجين:
كان هناك إصرار
على عرض بعض أفلامك بهدف إضعافك واهتزاز إيمانك، من تعتقدين أنه وراء ذلك؟
انحصرت التحديات
التي واجهتني، فيمن يمتلكون الأعمال التي أديتها قبل التزامي، المنتجون، وإصرارهم
على عرضها، تصورًا منهم أن هذا يثنيني عما أعانني الله عليه، وعما أراده لي
الرحمن، وإما -والله أعلم- بهدف إضعاف موقفي أمام من يعرفونني، حتى لا يتأثر بي
أحد، أو تضاء بصيرته عندما يتساءل: كيف التحول ومن أين يبدأ الطريق، وهم ينسون قول
الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ
لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا
كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ....﴾ (الأنعام:125) وقول الله الكريم: ﴿إِن
يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي
يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ﴾ (آل عمران:160).
ما هو موقفك
الآن من الأفلام التي قمت بتمثيلها، وهل يصلك عائد مادي من ورائها؟
أدعو الله أن
يغفر لي وأن يسامحني وأن يتوب علي، وأما الأفلام التي كانت من إنتاج زوجي، فقد
منعنا عرضها، والأفلام الأخرى لا حيلة لي فيها وأتركها لضمائر المنتجين، ولا يصلني
من أفلامي أي عائد مادي على الإطلاق.
ما علاقتك
بالوسط الفني الآن؟
قلت: إن أصدقائي
في الوسط الفني كانوا قلة، ولكني لا أدخر جهدي عندما تصادفني أي سيدة من الوسط
الفني، أتطوع بنصحها، حتى وإن ضاقت بي لأني أحب لهن طريق الخير والإيمان، ولكني لا
أسعى للاتصال بهن.
هل تعتقدين أن
زوجك راضٍ تمامًا عن وضعكِ الآن كزوجة وربة بيت؟
هذا السؤال يجب
أن يوجه إلى زوجي، لكني أرى أن من أسباب سعادتنا الأسرية، أنه مطمئن أن زوجته ترعى
بيته وأولاده وأنه يرجع من عمله، فيجدها تنتظره في شوق في المنزل.
السيدة شمس
البارودي سباقة إلى الالتزام بتعاليم الإسلام في الوسط الفني، هل تعتقدين أن
الدعوة إلى الله والالتزام بتعاليم الدين يمكن أن يلقى قبولًا في هذا الوسط؟
ممكن جدًا،
وكثيرات منهن يمكن أن يلتزمن بتعاليم الإسلام، وخصوصًا إذا ذكرناهن وأقمن الحجة
عليهن، ومثال ذلك الأخت هناء ثروت عندما قابلت فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي،
وذكرها وأقام عليها الحجة بالقرآن صدقت والتزمت فورًا بما سمعت، ووعت تعاليم
الإسلام... ومن هذا الوسط من تتصور أن الدين شيء والعمل شيء آخر، ولكن عبادة الله
كل لا يتجزأ، ومن يعبد الله، فليعبده على طاعة في عمله وفي معاملاته وأن يلتزم
بأوامره ونواهيه.
كيف تمارسين
حياتك الآن، وهل أنت راضية عن نفسك تمامًا؟
أنا والحمد لله
أمارس حياتي العادية وألتزم بالعبادات المطلوبة مني، وأرعى زوجي وأولادي وبيتي،
وزوجي والحمد لله عون لي في كل ذلك، وأنا أجتهد أن أطيع الله على قدر استطاعتي
وأتمنى أن يرضى الله عني وحاشا لله أن أرضى عن نفسي، لأنني مهما اجتهدت لا أفي
بشكر نعم الله عليَّ..
ماذا تقرأين
الآن من الكتب الإسلامية؟
من بين قراءاتي
الآن كتاب: المرأة المسلمة للإمام الشهيد حسن البنا، وكتاب الأخت المسلمة أساس
المجتمع الفاضل للأستاذ محمود الجوهري وهذا كتاب مهم جدًا، وكذلك كتاب فقه المرأة
المسلمة للأستاذ محمد إبراهيم الجمل، وكتاب اذكروني أذكركم للإمام الراحل الشيخ
عبد الحليم محمود، وكتاب أهوال القيامة كما يصورها القرآن والسنة، وكتاب القدوة
الحسنة في منهج الدعوة إلى الله، وفقه السيرة للدكتور سعيد رمضان البوطي، وتربية
الأولاد في الإسلام للشيخ عبد الله علوان، بالإضافة لكتاب إحياء علوم الدين للإمام
أبي حامد الغزالي رحمه الله، هذا بالإضافة لكتب أخرى والحمد لله.
هذه نصيحتي:
هل توجهين
كمسلمة نصيحة إلى الوسط الفني تلخصين فيها تجربتك؟
لا أجد نصيحة
أبلغ ولا أشمل ولا أقوى من قول الله عز وجل في سورة الزمر: بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن
رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ
الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ
أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا
أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ
بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا
فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ
أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى
الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ بَلَىٰ قَدْ
جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم
مُّسْوَدَّةٌ ۚ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ وَيُنَجِّي
اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ﴾ صدق الله العظيم (الزمر: 53-61).
المجتمع: ندعو
الله لك ولأخواتك التائبات الثبات وجزاك الله خيرًا والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل