; حول استراتيجية الهجرة (2-3) | مجلة المجتمع

العنوان حول استراتيجية الهجرة (2-3)

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 02-يناير-2010

مشاهدات 71

نشر في العدد 1883

نشر في الصفحة 35

السبت 02-يناير-2010

أما عن الاستراتيجية الإسلامية كما ذكرنا في الحلقة الأولى لم يكن هدفها مجرد القضاء على عادات بربرية وحشية فحسب، وإنما كانت انقلابًا كاملًا لمثل الحياة التي كانت من قبل، كان هدفها إقرار حضارة فوقية إلهية لتقود الإنسان في كل زمان ومكان إلى عصر جديد، وتمثلت هذه الاستراتيجية للعهد المكي في ثلاث شعب:

الشعبة الأولى:

- كسر لإلف العادة وسماع للحجة بدل الخرافة، وإشاعة للرأي الآخر بدل الكبت والقهر، ودعوة إلى التفكير والتأمل.

- تربية وتأسيس وتكوين كوادر قادرة فالرسالات لا يحملها إلا أصحاب العزائم ورجال المهمات.

- خلخلة المجتمع الجاهلي وتفكيكه:

أ- عقائديًا: باحتقار الأصنام والأوثان، وخلق فصام كامل بينهم وبين عقائد الآباء الباطلة.

ب- أسريًا: حيث واجه الولد أباه وحاجه، والزوجة زوجها وحاجته، والقبيلة نفسها أضحت في حوار، ولئن كان الصراع بين الإسلام والكفر؛ فقد انتقل أيضًا بينالعشائر والبطون والأسر المشركة.

- الصبر على الامتحان والابتلاء، وهو سنن الدعوات ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200)، ولا بد من ثبات القناعات وارتكاز الإيمان وتعميق العقيدة واختيار العزائم والنوايا.

الشعبة الثانية: وتتمثل في وضوح الدائرة الإنسانية التي من عناصرها :

1- الانعتاق الكلي من الخطاب الجاهلي بكل جوانبه وعاداته، وإظهار قيم جديدة تسود الواقع المعاش وعدم المعاملة ﴿ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ ﴾ (الأنعام: ۱۰۸).

اللهم اهد دوسًأ وأت بهم، ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ﴾ (النحل: 126)، ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ (المزمل:10).

2- إماتة المشكلات العارضة والقصد نحو الأهداف الكبرى تركيز أصول العقيدة ونبذ الشرك، والتحلي بالفضائل، والقيام بواجب التبليغ وشرح الأهداف، هذا ولم يشرع للمسلمين أن يحملوا معاولهم لهدم الأصنام التي حول الكعبة، أو الرد على السفهاء في هذه الفترة ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (الفرقان: 63)، وإنما قيل لهم: كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ (النساء: ٧٧).

3- بناء قواعد للآخرة على أنقاض ثوابت العشيرة ونزعات العنصريات القبلية حتى تتكون المحاضن الإيمانية المحافظة على تلك الهوية ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9)، «ومثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد».

 الشعبة الثالثة: الانعتاق من المجتمع الجاهلي: «استراتيجية الانطلاقة الأولى»، كان لا بد للدعوة من هذا الانعتاق ومن انطلاقة حرة تستطيع بها أن تمتد شأن كل كائن حي، وأن تعبر عن وجودها في عالم جاءت أساسا لتطلقه من عقال، وكان لا بد لذلك التصور القادم من استراتيجية أخرى تبني على ما سبق من قواعد في أيام المحنة، وتكون حلقة في عقد تلك المسيرة النامية.

 ولقد اجتاز الإسلام في مكة دائرة الإعلان، وتربية الكوادر، ونجح في الانبثاق الذاتي المتدفق نحو العمل للرسالة، وكان لابد من بحث دؤوب عن قاعدة لدولة ينبثق منها مجتمع حضاري تتدفق منه أصول تلك الحضارة، لأنه بلا دولة ستظل دائرة التعاليم نظرية حتى وإن كونت لبنات متفرقة، ولكنها ستظل أشبه بنواة لا يحميها غطاء، وستظل عرضة لمضادات جاهلية ثقيلة، وضغوط مادية وتقليدية صعبة، قد تمثل بعد مدة رفضا للقيم داخل إنسان أياسته الظروف وقهره الواقع.

ولهذا كان لا بد من استراتيجية تواكب هذا التوجه، وتجيب على كثير من التساؤلات في المجتمع المسلم، كان من ملامحها :

1- الحفاظ على اللبنات جسديًا ونفسيًا:

أ- أما جسديًا: فكان لا بد من انتشال الشبيبة المسلمة من أجواء التعذيب المرهق والتصفية الجسدية المدمرة التي كانت ستطول حتى شخص الرسول .

ب وأما نفسيًا: فإن كثرة الإرهاق والآلام تعود الخنوع وتفقد النخوة وتجهض العزيمة، وقد أغاظ ذلك الموقف بعض الشباب فجاء عبد الرحمن بن عوف وأصحابه إلى النبي ﷺ بمكة فقالوا: يا نبي الله كنا في عزة ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة، وقد دخل في الإسلام رجال كانوا في الذؤابة كعمر ابن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب، وكان لا بد من صدام قادم وحتمي قبل أن تكون قد اكتملت أسباب النصر، فلا قاعدة ولا جند متكافئ ولا سلاح مؤثر، فكان لا بد من تحرك سريع يواجه هذا التغيير على الساحة الإسلامية، يتبع في الحلقة القادمة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل