العنوان حول مناهضة الشريعة بمصر
الكاتب أحمد علي المصري
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يوليو-1985
مشاهدات 73
نشر في العدد 724
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 09-يوليو-1985
بتاريخ ١٩٨٥/٦/٢٦ نشرت الصحف أنه منذ عشرة أيام صلى بمسجد النور بالقاهرة نحو عشرة آلاف شخص، وكان ذلك يوم الجمعة ١٩٨٥/٦/١٤، حيث أعلن إمام المسجد الشيخ حافظ سلامة عن مسيرة خضراء سلمية إلى رئاسة الجمهورية وذلك للمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية.
وتضمن الخبر أن الرئيس مبارك أعلن أنه سيتصدى لهذه العناصر إذا ما استمرت في محاولاتها فرض وصايتها على الشعب، لأن الشعب لن يقبل وصاية أحد عليه، فهو الذي اختار دستوره وممثليه بمجلس الأمة، وأنه تبقى مسؤولية القضاة أن يتصدوا لهؤلاء بحزم، وإلا فإنني سألجأ لاتخاذ قراري الخاص لمواجهة هذه العناصر، لأن هذه المحاولات لا تساعد على نجاح خطة التنمية التي تستهدف تخفيف المعاناة عن كاهل الشعب المصري.
وكما نشرت الصحف في نفس التاريخ أن قرابة ١٤ ألف شخص قد احتشدوا في مناسبة ذكرى وفاة عبد الناصر وطالبوا بالسماح بتشكيل حزب ناصري، ثم نشرت تعليقًا للأستاذ علِي عمر قال فيه إنه ليس ضد تطبيق الشريعة، ولكن نطالب بتطبيقها في ظل قوانين موجودة من أيام الحكم العثماني وقوانين أخرى كلها ثغرات، بل ومخالفات تحميها هذه القوانين، فقبل أن تطالب بتطبيق الشريعة يجب أن تكفل الوسائل التي تمكننا من تطبيق الشريعة على الغني قبل الفقير، وعلى الوزير قبل الخفير، وعلى الوحوش والقطط السمان قبل الآلاف من سكان القبور وبيوت الصفيح، وهذا الذي نُشر لهؤلاء يغير قضية أساسية، هي قضية الحرية أو الحياة الإنسانية.
فهل أصبحت الحرية أو الحياة الإنسانية منحة بيد الرئيس يهبها لمن يشاء ويحرمها من يشاء؟
إن ما فعله الشيخ حافظ سلامة وهو دعوة المصلين لتقديم آرائهم إلى رئيس الجمهورية بصورة سلمية خضراء، هو من أبسط حقوق المواطنين ليس فقط في النظم الديمقراطية، بل أيضًا في النظم الدكتاتورية.
ولكن النظام في مصر ومن هم وراءه من الأمريكان لا يريدون السماح للناس أن يتمتعوا بهذا الحق خشية التقارب بين أشقائهم العرب والمسلمين، والابتعاد عن الفخ اليهودي المنصوب لهم المسمى بكامب ديفيد والتطبيع المرتبط بهذه المعاهدة المفروضة عليهم بالكرباج، بل بالسلاح. لهذا نجد الرئيس يهدد القضاة بضرورة الحكم على هؤلاء المصلين، وإلا فإنه سيتخذ موقفًا آخر. ثم يتذرع بأن الشعب هو الذي اختار دستوره وممثليه، ونسي أن الدستور الذي اختاره الشعب قد نص في مادته الثانية أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، فالذين يتمسكون بالشريعة مع الدستور وهم الشعب، والذي يعلن بإرادته المنفردة عدم رغبته في تطبيق الشريعة هو الخارج على الدستور وعلى إرادة الشعب. وأما ما يجعله هؤلاء سببًا للهروب من تطبيق حكم الشريعة، هو أنهم مشغولون بتخفيف المعاناة عن الشعب وهو ما قاله الرئيس، أو أن القوانين بها ثغرات ومخالفات وبها محاباة للغني والقوي وهو ما قاله الأستاذ علِي عمر، فإن هذه الأسباب هي أول سند للإسراع في تطبيق أحكام الشريعة.
ذلك أن تطبيق أحكام الشريعة ليست كما ينظر إليها البعض إقامة حدود وقطع يد ورجل كما أراد أن يقدمها الأمريكان في بعض البلاد ومنها السودان، الشريعة قبل كل شيء كفالة وعدالة اجتماعية لدرجة أنه إذا جاع الناس فلا مال لأحد، وأن يكون الواجب إنفاق ما زاد عن الحاجة، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (البقرة:219) أي ما زاد عن الحاجة. والشريعة هي الضمان لتنفيذ القانون على الغني قبل الفقير والرئيس قبل غيره من الناس، لأنها لا تجعل للرؤساء محاكمات خاصة، بل تعاملهم كسائر أفراد الشعب، بل إن القوانين الأوروبية هي التي تجعل لهم هذا التمييز، ولهذا نرى أكثر الرؤساء والظالمين يحاربون تطبيق الشريعة أو يلتمسون الأعذار الكاتبة لذلك، لأنها ستطبق عليهم قبل غيرهم، وغالبًا ما يكون هؤلاء قد أصبحوا حكامًا بغير إرادة شعوبهم، وبالتالي فإن تطبيق الشريعة يعيد الحق للشعوب في تغييرهم. ولهذا لم نر السلطنة في مصر تعترض على اجتماع قرابة ١٥ ألف شخص في غير دور العبادة للمطالبة بحزب ناصري، وفي الوقت نفسه يعلنون الطوارئ ويهددون القضاة إذا اجتمع نصف هؤلاء في مسجد لأداء صلاة الجمعة إذا اقترن ذلك بطلب من إمام المسجد بتطبيق أحكام الشريعة، ويعتبرون تلك تطرفًا دينيًّا!
بينما تنشر الواشنطن بوست الأمريكية مقالًا ترجمته الوطن الكويتية يوم ٨٥/٦/٢٨ أن التطرف سببه العداء المستحكم لأمريكا في منطقة الشرق الأوسط بسبب انحيازها الواضح لإسرائيل.
إن الراغبين في السيطرة من خلال الصيغة الديمقراطية التي صنعت لها القوانين لتمكين القلة من مقدرات الشعوب، بل تمكين الهيمنة الأمريكية والصهيونية. هؤلاء أبقوا قوانين الطوارى ثلاث سنوات وكان الغرض منها شهرًا واحدًا فقط في أعقاب اغتيال السادات، وهؤلاء اختاروا أحزابًا بذاتها وقالوا هذه هي الأحزاب المشروعة وحرموا الشعب من التنفس إلا من خلال هذه الرئة الفاسدة، وهم يحرمون أي رأي آخر تحت شعار لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة.
وفي الوقت نفسه تصدر الأوامر للخطباء الرسميين بتأييد التطبيع وتأييد سياسة الحكومة في مناهضة تطبيق الشريعة الإسلامية، مخالفين بذلك عقيدة الأمة ومواد الدستور، وتناسوا أن ديون مصر زادت عن ٦ مليارات دولار وفوائد الدين زاد على الدين نفسه، وهذا سببه الرئيسي البعد عن شرع الله وطاعة الرؤساء في الممنوع والمشروع تحت قاعدة فرعون ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر:29).