العنوان خالد حنفي يرسم "روشتة" خروج مسلمي أوروبا من الأزمة وتحويلها لمنحة
الكاتب أحمد الشلقامي
تاريخ النشر الأحد 01-فبراير-2015
مشاهدات 68
نشر في العدد 2080
نشر في الصفحة 42
الأحد 01-فبراير-2015
60 مسجداً في فرنسا تم الاعتداء عليها والاعتداء على محجبات ومقتل ثلاثة مسلمين
تصريحات البابا جيدة وتعكس تغيراً إيجابياً في موقف الكنيسة انعكس على رفض الأوروبيين إعادة نشر الإساءات
المخرجة الفرنسية "إزابيل ماتيك" أسلمت بعد أن قرأت حديثٍ للنبي صلى الله عليه وسلم
في حوار هادئ، تناول فيه د. خالد حنفي، رئيس اتحاد مسلمي ألمانيا، وأحد قيادات العمل الإسلامي في أوروبا، الأحداث الأخيرة التي يشهدها المسلمون في أوروبا بعد حادث "شارل إبدو"، مع إلقاء الضوء على الوضع الحالي ومآلاته.
كيف تقيِّم حادث "شارلي إبدو؟
- أزمة كبرى لا تقل في خطرها وآثارها عن أحداث 11 سبتمبر، وتحدٍّ كبير لمسلمي أوروبا، في سياق تاريخي صعب؛ وهو صعود التيار اليميني المتطرف شعبياً وسياسياً، كما انطلقت الحركة الشعبية "بيجيدا" في ألمانيا وترجمتها "وطنيون أوروبيون ضد أسلمة أوروبا"، قابلها تعاطف سياسي وشعبي أوروبي مع المسلمين، ورفض شديد لهذه الحركة ومطالبها، وخرج عشرة أضعاف من أيدوها يعارضون ويؤكدون أن ألمانيا للجميع، وفي السياق ذاته، برز تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بقوة على الساحة الأوروبية، بما تتركه مشاهد الذبح والقتل من آثار سلبية على النفسية الأوروبية، مع التنبيه على الأعداد الكبيرة نسبياً بالنظر إلى الأعداد الإجمالية لمسلمي أوروبا التي سافرت من شباب أوروبا المسلم للجهاد مع تنظيم الدولة، ثم عادت أو قُتلت، والشخصية الأوروبية لا تقبل بحال المساس بأمنها أو قوانينها، ونلاحظ أن المقتولين في حادثة "شارلي إبدو" أشهر 5 رسامين في فرنسا، وعندما نقرأ الحدث أو نقيِّمه دون الانتباه إلى هذا السياق؛ فإننا نقع في ذات الإشكال الذي يقع فيه الأوروبيون حين لا يقدرون حجم الآثار السيئة، وردود الأفعال الغاضبة من المسلمين عندما يُساء لنبيهم في رسمٍ أو صورة.
وبوسع المسلمين أن يحوِّلوا هذه الأزمة إلى فرصة، وأن يحصدوا منها الكثير من المكاسب، وأن يغيِّروا من صورتهم السلبية في الذهنية الأوروبية بفعل الإعلام، وهي فرصة ذهبية لمسلمي أوروبا للاجتماع والوحدة خلف قيادتهم ومرجعيتهم السياسية والدينية.
ما تأثير هذا الحادث على وضع المسلمين في أوروبا؟
- هناك آثار ظاهرة مباشرة سلبية وقعت - وما زالت مستمرة - بدرجات وصور مختلفة، ونأمل في انحسارها وتوقفها؛ كالاعتداء على المساجد، ورسائل أرسلت إلى مؤسسات ومراكز إسلامية تحمل صوراً مسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم، وتهديدات بالقتل وجهت إلى أشخاص وأئمة عبر رسائل واتصالات هاتفية، وهناك 3 حالات قتل وهي قيد التحقيق، وهناك اعتداءات لفظية على مسلمات محجبات.
وهناك آثار إيجابية؛ كالمساجد التي فوجئ المسلمون عند فتحها لصلاة الصبح بباقات ورود كتب عليها: "يا مسلمي فرنسا انتبهوا.. نحن نحبكم"، وإن كانت هذه النماذج قليلة، كذلك تغير نبرة الإعلام في تغطية الأحداث إيجابياً لصالح المسلمين، وقد كتب كاتب مرموق في أشهر صحيفة ألمانية قائلاً: نجح المسلمون فيما فشلت فيه الكنيسة بدليل غضبهم عند الإساءة لنبيهم، وعلى الدولة التدخل لمنع الإساءة للأنبياء إذا هددت السلام الاجتماعي للبلاد، حتى وإن كانت الإساءة وقعت ضمن قانون حرية التعبير!
كذلك ارتفاع نسبة المعارضين لمسلك "شارلي إبدو" رغم فداحة الحدث؛ إذ رفض 42% من الفرنسيين إعادة نشر الرسوم المسيئة في "شارلي إبدو" مجدداً.
وأنا أعتبر تصريحات البابا جيدة ومسؤولة، وتعكس تغيراً إيجابياً في موقف الكنسية انعكس على رفض الأوروبيين إعادة نشر الإساءات.
كذلك تصريحات المستشارة الألمانية "ميركل" أن الإسلام جزء من ألمانيا، أيضاً الاهتمام الأوروبي بالإسلام، والسؤال عنه، بل واعتناق الإسلام من قبل البعض كالمخرجة الفرنسية الشهيرة "إزابيل ماتيك" بعد أن قرأت حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم؟! يشتمون مذمماً ويلعنون مذمماً وأنا محمد".
هل المقاطعة والتظاهر بالفعل سيوقفان الإساءات؟
- أنا في الحقيقة أعارض بشدة التظاهر في العالم الإسلامي، وكذا الدعوات إلى مقاطعة منتجات الدول التي صدرت أو وقعت فيها الرسوم والإساءات للنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك بالقراءة الدقيقة لنصوص القرآن والسُّنة، وكذا بقراءة الواقع الماثل، ومراجعة التاريخ الحافل قال الله تعالى في كتابه الكريم: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚوَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} (الأنعام: 112] وقال تبارك اسمه: {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا} [الأحزاب: 48] وقال:{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ* إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر: 94، 95]وقال: {وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} [المزمل: 10]وقال: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأنعام: 10] وإذا كان قصدنا من التظاهر والمقاطعة هو إيقاف الرسوم، فالواقع أنها تزيد وتتضاعف وتنتشر أكثر، وأرى قول الله تعالى: {وَلَاتَسُبُّواالَّذِينَيَدْعُونَمِنْدُونِاللَّهِفَيَسُبُّوااللَّهَعَدْوًابِغَيْرِعِلْمٍ} [الأنعام: 108] تجسد في أزمة "شارلي إبدو"؛ فبعد أن كانت المجلة على وشك الإفلاس، وعاجزة عن توفير رواتب موظفيها، وكانت منبوذة من الفرنسيين بشكل عام، وزعت بعد الاعتداء في يوم واحد في فرنسا وحدها 7 ملايين نسخة، ثمن النسخة 3 يورو، وذلك في ساعات، وترجمت إلى 6 لغات من بينها العربية والتركية، كما فتحوا حساباً لجمع التبرعات جمعوا فيه حتى وقت قريب مليون يورو، وتبرعت لهم الدولة بمليون يورو.
ما الذي حققناه من المقاطعة السابقة للدنمارك أو أمريكا أثناء حرب العراق؟ وهل استمرت المقاطعة؟ هل يستقيم أن يدعو المسلم كمواطن أوروبي فرنسي إلى مقاطعة منتجات بلده التي ينتمي إليها ويستفيد من استقرار اقتصادها ويتضرر من تراجعه؟ ماذا إذا نشرت الرسوم في هولندا أو ألمانيا أو غيرها؟ هل سننقل المقاطعة؟ أيهما أولى بالمقاطعة؛ من أساء لنبينا برسم أم من قتل الآلاف وشرد الملايين؟ كيف نتعامل مع إساءات المسلمين في وسائل الإعلام في بلادنا الإسلامية صباح مساء؟ هل المقاطعة والتظاهر بالفعل سيوقفان الإساءات؟ وإن أوقفاها في المرسوم، هل يوقفانها في المكتوب والمرئي والمسموع؟ 60 مسجداً في فرنسا تم الاعتداء عليها، والاعتداء على محجبات، وقتل 3 حتى الآن، فما الذي يمكن أن تنتجه التظاهرات والمقاطعة وحرق الأعلام في ظل هذه الأجواء المشحونة؟
فلندرك مواقعنا، ولنرتب أولوياتنا، ولنحذر من عواقب تصرفاتنا، ولنحافظ على وجودنا ومكتسباتنا، ولننشغل بما يفيد وينفع، ونرجو ألا يزايد علينا أحد في ادعاء محبة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
بوصفكم أحد الرموز الإسلامية، وبمكانتكم العلمية والدينية بين مسلمي الغرب، ومن الواقع الذي تعيشه الآن في الغرب، كيف ترى التغير في الطرح الفقهي وفقاً للمشهد الآن بالنسبة لقضايا مسلمي الغرب خاصة ما يتعلق بالمظاهر الإسلامية والسمت الإسلامي؟
- هناك نقلة نوعية هائلة في الطرح الفقهي على الساحة الأوروبية، لكن هذا لا يكفي، فخطابنا الديني في الغرب يحتاج إلى مراجعة شاملة، وكذلك الفتاوى، ولابد من العناية بفقه الواقع، والتوقع، والمآلات، والموازنات، والمقاصد.
فيما يتعلق بالمظاهر الإسلامية؛ دعوت كثيراً إلى ضرورة الاقتراب من لباس الأوروبيين وهيئتهم وحياتهم ما دمنا نتحرك في الإطار الشرعي المباح، وقد وجدت أن شيخ الإسلام ابن تيمية قرر هذا بل أوجبه فقال: "إن المسلم بدار الكفر لا يؤمر بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر، بل قد يستحب للرجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحياناً في هديهم الظاهر إذا كان في ذلك مصلحة دينية، من دعوتهم إلى الدين والاطلاع على باطن أمرهم، لإخبار المسلمين بذلك أو دفع ضررهم عن المسلمين، ونحو ذلك من المقاصد الصالحة" (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، ص 176).
وإذا كانت هذه الفتوى في الأحوال المهمة، ففي هذا الوقت آكد وأوجب.
ما "روشتتك" المقترحة للرد على الإساءة ومواجهة العقبات التي خلفتها حركات العداء للإسلام؟
- التجاهل والإعراض ورفع شعار "فذرهم وما يفترون"، لابد لمسلمي أوروبا من إطلاق المؤسسات الإعلامية الناجحة واعتبارها من أهم الأولويات، العمل على تقديم النماذج العملية التي تشعر بأهمية المسلمين في بناء وصناعة الحضارة الأوروبية، كذلك ضرورة المشاركة السياسية الفاعلة لمسلمي أوروبا، إصلاح مفهوم المواطنة، والتأكيد على أن مسلمي أوروبا هم مواطنون أوروبيون لهم خصوصيتهم الدينية والعقدية، ولكنهم ينتمون لأوروبا، ويجمعهم بأهلها الأخوة الوطنية، والأخوة الإنسانية، لهم حقوق وعليهم واجبات.