العنوان خرائط جنيف: هل تنهي الحرب فى البوسنة أم تزيد اشتعالها؟
الكاتب النذير المصمودي
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1993
مشاهدات 67
نشر في العدد 1064
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 31-أغسطس-1993
زغرب: مركز البديل للإعلام
المفاوضات الجارية حاليًا بجنيف لإحلال السلام
في البوسنة والهرسك، هل ستكون نهايتها العامل أكثر حسمًا في إنهاء حرب مدمرة لم
يشهد التاريخ الأوروبي الحديث مثلها قط، سؤال يقفز إلى الذهن هذه الأيام بحثًا عن
أمل مفقود في خضم حرب دموية لم يهدأ نزيفها منذ عامين، والإجابة على هذا السؤال
بموضوعية تضطرنا إلى التخلص من أي انطباع ذاتي، يبعدنا عن حقيقة أن المصالح
والاستراتيجيات والعصبيات المختلفة الصانعة للأزمة البوسنوية هي التي تملك
الحقيقة، وهي وحدها.
85 ساعة على الطاولة تساوى: لا شيء!
هذا هو الوصف الذي خرجت به وكالات الأنباء
العالمية لمفاوضات جنيف إثر انتهاء الجولة الثانية منها يوم 17/ 8 / 93، والتي أصر
فيها الطرف المسلم على رفض كل الحدود التي رسمتها سياسة التطهير العرقي ضد
المسلمين، وتمسكه بمبدأ الأغلبية العرقية التي كانت سائدة قبل اندلاع الحرب، وطالب
المسلمون بما لا يقل عن ٤٠٪ من أراضي البوسنة والهرسك، وحسب الخريطة التي عرضها
الرئيس البوسنوي المسلم على الوسيطين الدوليين، فإن المسلمين يطلبون ثلاثة مدن
يحاصرها الصرب في شرق البوسنة وهي: «سربرنتسا - جيبا – غورازده» بحيث تكون مناطق
مسلمة داخل جمهورية المسلمين في البوسنة والهرسك.
وفي هذا الصدد تسربت بعض المعلومات تفيد أن
لقاءً سريًا تم بين الرئيس المسلم بيجوفتش، وزعيم صرب البوسنة [رادوفان] كراجتش،
وتوقع المراقبون أن البحث في هذا اللقاء تركز حول المدن المسلمة المحاصرة في شرق
البوسنة، إلا أنه لم يصرح أحد المفاوضين بما يوحي بإحراز أي تقدم بشأن هذا
الموضوع.
وزيادة على طلبات الوفد المسلم في شرق
البوسنة، فقد طالب بالمناطق الغربية التي كانت ذات أغلبية قبل حملة التطهير
العرقي، ومنها مدن «برييدور - سانسكي - موست» وهي ما يعتبرها الصرب جزءًا من
جمهوريتهم المقترحة.
أما بالنسبة لكروات البوسنة، فقد كبرت مطالبهم
لتشمل المناطق التي سيطرت عليها القوات المسلمة في وسط البوسنة خلال المعارك
الأخيرة بين المسلمين والكروات، فيما طالب المسلمون بسلسلة من المدن من أهمها:
«ياييتسا.. ترافنيك- فيتز- كيسلياك- غورني فاكو– بوغوينو- كوينتش» بالإضافة إلى
المناطق التي تقع أسفل نهر «نيرتفا» من موستار إلى بلدة «نيوم» على الإدرياتيكي.
هذا التباين بين مطالب الأطراف الثلاثة أدى
إلى عرقلة مسيرة المفاوضات والخروج بلا شيء بعد انتهاء الجولة الثانية من
المباحثات.
سراييفو عاصمة الجميع
في يوم 13 /8 / 1993م توصلت الوفود الثلاثة في
الجولة الثالثة من المفاوضات إلى مشروع اتفاق نهائي حول موضوع العاصمة البوسنوية
سراييفو ويتضمن المشروع خطة تقضي بتقسيم العاصمة إلى (9) بلديات إدارية ذات حدود
غير نهائية، حيث ستشكل لجنة خاصة تدرس إمكانية إدخال مناطق أخرى داخل حدود
سراييفو.
وتشارك الأمم المتحدة في حكم سراييفو لمدة
سنتين كمرحلة انتقالية لابد من خلالها أن تتوصل الأطراف الثلاثة إلى حل نهائي.
وعن كيفيات مشاركة الأمم المتحدة في حكم
سراييفو، تعين الأمانة العامة للأمم المتحدة موظفًا أمميًا يكون على رأس السلطة مع
مستشارين «٤ مسلمين - ٣ صرب - ٢ كروات - 1 من الأقليات الأخرى» ويقوم الموظف
الأممي بتشكيل محكمة من الدرجة الأولى في كافة البلديات التسع فيما تحل المنازعات
وتقدم الشكاوى لمحكمة اتحاد جمهوريات البوسنة والهرسك تحت مراقبة موظفي الأمم
المتحدة.
وحول حفظ الأمن في سراييفو تشكل كل بلدية شرطة
خاصة بها تقوم بحفظ الأمن والنظام العام في حدود بلدياتها. ويتم تشكيلها بأعداد
متوازية، بحيث تعادل نسبة أفراد الشرطة نسبة القومية العرقية التي ينتمون إليها،
ويكون لكل شرطة زيًا عسكريًا خاصًا بها، وفي الوقت نفسه تشكل الأمم المتحدة شرطة
مدنية دولية خاصة تكون مهمتها مراقبة شرطة الجمهوريات والبلديات في سراييفو، وتعمل
على حفظ حقوق الأقليات وصد سياسة التطهير العرقي بالدفاع المباشر عن المهاجرين
الذين سيعودون إلى مناطقهم، وفي هذا المجال بشكل الأمين العام للأمم المتحدة وفدًا
دوليًا خاصًا لمراقبة حقوق الإنسان يرأس الوفد سفير دولي يكون مركزه «سراييفو».
بيد أن هذا الاتفاق يبقى متوقفًا على نتائج
المفاوضات الأخرى والمتعلقة بتقسيم أراضي البوسنة والهرسك بين الأطراف الثلاثة.
عشرة أيام ومصير أعوام
في يوم 21 / 8/ 1993م، صرح الوسيطان الدوليان
«اوين - ستوتنبلرغ» أنهما عرضا خطة خرائط جديدة على أطراف النزاع البوسنوي تقضي
بإعطاء:
- الصرب
٥٢٪ من الأراضي البوسنوية.
- المسلمين
٣٠٪ مع منفذ مائي.
- الكروات
١٨٪.
وقد أعرب الصرب والكروات عن رضاهما بهذا
الاقتراح، بينما وصف المسلمون الاقتراح الأممي الجديد بغير المرضي، لأن الأراضي
الممنوحة للمسلمين لا تناسب نسبتهم وعددهم، والجدير بالذكر أن الوسيطين الدوليين
قد منحا الأطراف المفاوضة الثلاثة مهلة عشرة أيام للرد على المقترحات الأممية
الجديدة بشأن التقسيم، وعلق المراقبون على هذه المهلة بأنها غير كافية للبت في
مصير أعوام وأجيال.
ومن جهة أكد الرئيس البوسنوي «بيجوفيتش» في
مقابلة مع مركز تلفزيون الشرق الأوسط MBC يوم 20
/ 8/ 93 أن تقسيم البوسنة والهرسك على أساس عرقي فرض على المسلمين بالقوة، وأضاف:
لقد وضعنا أمام خيارين أحلاهما مر، أحدهما خيار الحرب وتصعيدها، وهذا الخيار ليس
في صالح المسلمين بسبب حظر السلاح عنهم وحرمانهم من حق الدفاع عن النفس، أما
الخيار الثاني فهو المقايضة بالأراضي الذي فرضته علينا مفاوضات جنيف، ونحن قد
قبلنا هذا الخيار لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
مدينة موستار: المشكلة الثانية بعد سراييفو
تزامنت موافقة الأطراف الثلاثة على مشروع
سراييفو مع اتهامات متبادلة وسوء تفاهم شديد بين المسلمين والكروات حول الأوضاع
المتدهورة في مدينة موستار.
فبينما اتهم المسلمون القوات الكرواتية في
البوسنة بأنها مارست منذ ١٠٠ يوم حملات طرد جماعية لحوالي ٣٥ ألف مدني مسلم
ومحاصرتهم، اتهم الكروات المسلمين بإثارة مواضيع جانبية تغطي على حملات الإبادة
التي يمارسها المسلمون ضد الكروات في وسط البوسنة وشمال موستار.
ومن المتوقع ألا يكون اتفاق الكروات والمسلمين
حول مدينة «موستار» سهلًا، لأنه سيدفع الطرف المسلم إلى تنازلات خطيرة إذا ما أصر
الطرف الكرواتي على مطالبه بشأن مدينة موستار.
الجولة الأخيرة من مفاوضات جنيف
وقد تمكن اللورد أوين مبعوث المجموعة
الأوروبية لمفاوضات السلام بجنيف، وبطرق دبلوماسية من كشف أوراق المفاوضين
وخرائطهم المقترحة، واستطاع بذلك «خياطة» خريطة جديدة أظهرت مدى محاباته للصرب على
حساب المسلمين والكروات.
وقد اعتمد «أوين» في خياطته للخريطة الجديدة
على ثلاثة مرتكزات:
1- النتائج العسكرية على أرض المعركة.
2- ميزان القوى.
3- الضغط الدولي.
لقد كانت الجولة الثانية من المفاوضات أشبه ما
تكون بسوق للمزايدة، فقد طالبت الأطراف الثلاثة بالنسب التالية:
- الصرب
65٪
- المسلمون
45٪
- الكروات
20٪
وبعملية حسابية بسيطة فإن مساحة البوسنة
الحالية بحاجة إلى 30٪ أخرى من الأراضي لترضى كافة الأطراف.
وقد أظهرت الجولة الثانية تخلي الرئيس البوسني
بيجوفيتش عن مطالبه السابقة بإنشاء دولة فيدرالية ليشارك الجميع في طلب المزيد من
الأراضي قبل فوات الأوان، وعلق قائلا: «إن تكوين دولة نظيفة عرقيًا هو أمر مفروض
على المسلمين».
وبدأت الجولة الأخيرة من مفاوضات السلام
بإعلان الوسيطين الدوليين عن نيتهما إيجاد حل مشرف للمسلمين بإعطائهم 30٪ من أراضي
البوسنة والهرسك، وهذا يعني أن المسلمين بحاجة إلى ما يقارب 20٪ من الأراضي لتصل
نسبة أراضي دولتهم إلى 30٪، وأظهرت خريطة أوين أن ذلك قد تم على حساب الكروات وليس
الصرب، لتؤكد أن ميزان القوى يلعب دورًا هامًا في رسم الحدود.
مطالب الكروات
لم يعرض الوفد الكرواتي أي خريطة للتقسيم، فقد
كانت خريطة الصرب -كالمعتاد- تعبر عن وجهة النظر الكرواتية حول تقسيم الأراضي.
قراءة في خريطة أوين الجديدة
حسب هذه الخريطة، فإن أوجه الشبه بينها وبين
خريطة الصرب كبيرة جدَّا ولم تظهر سوى تعديلات طفيفة كانت في جلها على حساب الجانب
الكرواتي، وأظهرت أن «أوين» قد أعطى الصرب على حساب المسلمين أكثر مما يريده الصرب
أنفسهم في خريطتهم المقترحة، وخاصة في غرب وشمال البوسنة فعندما كشف «أوين» عن
أوراقه ظهرت محافظة بيهاتش، وقد تقلصت حدودها غربًا لصالح الصرب مع أن الصرب في
خريطتهم المقترحة أعطوا المسلمين أكثر مما أعطاهم «أوين» في تلك المنطقة، ووافقت
خريطة «أوين» خريطة الصرب بحرمان المسلمين في غرب البوسنة من مدن «بريدور - كلوتش
- سانسكي موست -» وكذلك حرمانهم من ممر بري يربط القسم الأكبر من أراضي المسلمين
«في الوسط» في الجزء الغربي لتظهر في غرب البوسنة «بنجلاديش جديدة» لا يعلم مدى
سيطرة الحكومة المركزية عليها في المستقبل، مع أن الرئيس البوسنوي علي عزت
بيجوفيتش طالب في خريطته بالمدن المذكورة والممر البري لتبقى جمهوريته متصلة
ببعضها.
أما في شرق البوسنة فقد طالب بيجوفيتش بأرض
متصلة تربط بين «جيبا - سريرينتسا – غوراجدة» مع حزام عريض حول سراييفو يربطها
بتلك المدن ومقارنة مع مطالب الصرب فإن الصرب يريدون أن تكون تلك المدن جيوبًا
منفصلة عن بعضها البعض بما يحقق أهدافهم المستقبلية، إلا أن «أوين» حسم الخلاف
بربط المدن الثلاث بشارع رئيسي مع اتساع ضئيل من «غورازدة» إلى سراييفو لتظهر
منطقة شبه منعزلة عن الدولة الأم دون أي امتدادات أو اتساعات طبيعية.
أما في شمال البوسنة، فقد حابى «أوين» في
خريطته الجانب الصربي حيث منح «برتشكو» للصرب مع إعطاء المسلمين ممرًا ضيقًا من
جزء من المدينة ليكون منفذًا لهم على نهر «السافا» وينهي بذلك آمال المسلمين في
منفذ بحري على الإدرياتيكي عند بلدة «نيوم».
والقارئ لخريطة «أوين» يرى بوضوح أنه لولا
المنفذ المائي الذي يطلبه المسلمون على نهر «السافا» لما حصلوا على أي جزء من
مدينة برتشكو مع أن خريطة الصرب تمنحهم أكثر مما أعطاهم «أوين» في تلك المنطقة.
تنازلات صربية للكروات
في الوقت الذي أظهرت فيه خريطة الصرب تنازلات
واضحة لكروات البوسنة على حساب الصرب أنفسهم وهي مدن «ياييتسا – كوبريس» مقابل
«بوسنسكي شامتس» أظهرت كرمًا صربيًا لصالح الكروات على حساب المسلمين في وسط
البوسنة، حيث أعطت خرائط الصرب الكروات مدن «بوغوينو - ترافيك - نوفي ترافنيك -
فيتز غورني فاكوف - ستولاتس» إلا أن خريطة «أوين» أعطت تلك المدن للمسلمين.
موستار
حسب خريطة «أوين» علق موضوع مدينة موستار بحيث
تبقى تحت إشراف الجماعة الأوروبية حتى تصل الأطراف المسلمة والكرواتية إلى حل
نهائي حول مستقبلها، وإلى حين ذلك سوف تسري قوانين يوغسلافيا السابقة في المدينة،
وبهذا تكون موستار في انتظار حل مستقبلي مثل سراييفو.
وعندما غادر المفاوضون قصر الأمم بجنيف، تحولت
المعارك الكلامية إلى معارك حقيقية على الأرض التي دار التفاوض حولها، لأن الجميع
خرجوا وهم يدركون أن اللورد أوين يحسب ألف حساب لميزان القوى والنتائج العسكرية في
خياطة الخرائط المصيرية، وأنه حريص بالدرجة الأولى على إرضاء الصرب ومحو الوجود
الإسلامي من البوسنة.
توقعات مستقبلية
في ظل أجواء المفاوضات بجنيف المفعم
بالتناقضات الناتجة عن تباين المصالح والاستراتيجيات لكل طرف في المسألة
البوسنوية، يبدو من الصعب جدَّا ترجيح احتمال خروج الأطراف الثلاثة من المفاوضات
بحل نهائي للأزمة البوسنوية، أو على الأقل في ظرف زمني سريع لكن بعض المحللين يرون
أن الطرف المسلم سيكون أكثر مرونة في الجولات القادمة من المفاوضات وليس هذا من
باب التكتيك السياسي لربح الوقت أو لفرض شروط جديدة على خرائط التقسيم المقترحة،
إنما هو موقف الفريق الذي يتعلق بأي شيء، وموقف الضعيف الذي يقبل بأدنى شيء دفعًا
لخطر تضييع كل شيء وهو الموقف الذي عبر عنه الرئيس البوسنوي علي عزت، ورأى فيه
المراقبون ليونة كاملة في قبول خرائط التقسيم الجديدة.
ومهما يكن الأمر، فإن السؤال الجوهري يظل
مطروحًا: هل ستنهي خرائط جنيف الحرب في البوسنة والهرسك؟ أم أن أسباب الحرب ستبقى
قائمة لتصنع الحرب مرة أخرى في البوسنة والهرسك بين أطراف عرقية ودينية مختلفة
ومتدافعة ضمن صراع تؤججه أسباب عرقية متطرفة، وأحقاد تاريخية لم يمحها كر الغداة،
ولا تقادم الأيام.
بقلم: النذير المصمودي و محمود مراد
اقرأ أيضًا: