; خطاب إلى مَنْ يهمه الأمر | مجلة المجتمع

العنوان خطاب إلى مَنْ يهمه الأمر

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-1995

مشاهدات 63

نشر في العدد 1161

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 08-أغسطس-1995

الخطاب الذي نتوجه به إلى أولي الأمر، مُصدر بأنات الأمة، ومسطر بآلامها، ومزيّل بتوقيعها المخضب بالدماء، يفور من أعماقها المحزونة، ويتصاعد من أنفاسها المكلومة، ويتقاطر آسى، ويعتصر همًّا وغمًّا على إخوانهم في البوسنة والهرسك.

خطاب يستشرف الماضي بإشراقاته واعتزازاته، والحاضر بانفعالاته وتداعياته، والمستقبل بآلامه وتطلعاته.

خطاب ينحدر من منطلقات كثيرة، وحقائق عديدة:

منطلق الإنسانية وكرامتها المهضومة، وشخصيتها المستباحة، ودماؤها المراقة.

منطلق الدفاع عن الحق، ودحر الباطل، ونصرة المظلوم.

منطلق الأخوة ووشيجة الدم، والعقيدة، وصلة الروح والهوية، ولحمة النسب.

هذا الخطاب بتوجهاته ومنطلقاته يجب أن يحرك أولي الأمر في الأمة إلى مواكبة الأحداث، وملاحظة التطلعات في الشعوب، يجب أن يوجه المسار إلى تلاشي الهزائم المشينة، وتخطي الاستضعاف المميتن الذي منينا به، وأصبنا بدائه الوبيل في هذا العصر النكد.

يا زعماء الأمة وقادتها، يا أولي الأمر وأصحاب القرار فيها، إن الأمة تتمزق كل ساعة، وتحترق كل يوم، وهي ترى دماء المسلمين المراقة، وأجسادهم الممزقة، وديارهم الضائعة، وأرضهم المنتزعة، وأعراضهم المغتصبة، وتشاهد التطهير العرقي، والتشريد البوسني والكوارث التي تحل بإخوانهم صباح مساء، وتنظر إلى التآمر الدولي اللئيم، الذي تخطى كل الحدود، وإلى خيانات الأمم المتحدة الفاضحة مع سبق الإصرار والترصد، وعجزها المفتعل عن حماية الضحية ومساعدتها لأعداء المسلمين، وإمدادها لهم بالسلاح والأسرار، وترى قسوة العدو الصربي وحقده وفتكه بالمسلمين، مما فاق كل تصور، ثم مكافأته بتدفق المساعدات العسكرية والغذائية عليه، ومنعها عن المسلمين العزل المظلومين المهضومين؛ حتى استحر القتل، وتطايرت الأشلاء والجماجم، وهام النساء والأطفال والشيوخ في مشارق الأرض ومغاربها يلفهم الخوف، ويروعهم العدو، خاوي البطون، زائغي العيون، كسيري الجناح، يتكففون الناس من متربصيهم، ويستجدون المحسنين من أعدائهم، ويستدرون العطف من قاتليهم، ولا راحم ولا نصير، والمسلمون أكثر من خمسين دولة مدججة بالجيوش والعتاد، ومزودة بالأسلحة وآلات الردع، وقد منّ الله عليهم بالمال والمتاع، ومنحهم الوفرة المادية والكثرة العددية، ولا يتحرك منهم لنصرة إخوانهم المسلمين ساعد، أو يتقدم لنجدة ذويهم جيش أو عدة، أو ينبعث لرد الهجمة المسعورة عليهم قائد أو زعيم، أو يتأثر لمحنتهم وكوارثهم قلب معطاء، أو نفس سخية، أو كبد حري أو يد عليا، حتى بكت الأرض لبؤسهم، وضجت السماء للوعتهم وتسمع الجماد لأناتهم، وانتحب الزمان لحسرتهم، وما أسى عليهم أولو الأمر فينا، أو رحمهم أصحاب القرار في أمتنا، أو تحرك لمساعدتهم ونجدتهم مسئول أو حاكم في بلادنا.

وهذا مما أهاج الأمة من شرقها إلى غربها، وأصابها بالإحباط من أوضاعها، وباليأس من قيادتها، وقد تفطرت منها القلب، وتقطعت منها الأكباد، وتمزقت منها النفوس، على إخوانهن المضيعين والمظلومين والمشردين والمغتصبين والمقتولين، كل هذه الفواجع والدواهي العظام، دعتها إلى توجيه خطابها هذا إليكم، ورفع صوتها عاليًا أمامكم، وقد أشْهَدت الله والتاريخ، وأعذرت إلى البلاد والعباد من هذا النكوص والخور والتكاسل والتقاعس، الذي سيؤدي إذا لم تتحرك سواعدكم وجيوشكم وقلوبكم وأفئدتكم إلى نصرة المسلمين في البوسنة والهرسك إلى فتنة في الأمة، وانفلات للشعور الجماهيري مما لا يعلم مداه إلا الله، لهذا ودفعًا لأبواب الشر، ونصرة للمظلوم، وردًّا لكرامة الأمة يجب أن تتحرك القيادات الإسلامية بقوة، وتتقدم بفاعلية؛ لمساعدة هؤلاء المقهورين من إخواننا في البوسنة والهرسك، ومدهم بالسلاح والمال والرجال؛ حتى يتم نصرتهم وإعزازهم، ودفع الشر عنهم، والأمة كلها من ورائكم تشد أزركم، وتقوي سواعدكم، وتضحي بالغالي والنفيس في سبيل ذلك، وتدعو الله لكم بالنصر والتأييد، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.

كما تتوجه الأمة في شدتها إلى علمائها الهجع، وشيوخها الصم البكم، أن يرفعوا الصوت عاليًا، ويؤيدوا الحق جهارًا نهارًا، ولا يخشوا في الله لومة لائم، وأن يحملوا راية الكفاح والجهاد، ويتقدموا الصفوف، ويرودوا الأمة دفاعًا عن أعراضها ودمائها ودينها وديارها، فهم أولو أمرها، وحماة نجدتها، ودعاة عزتها، وحماة عقيدتها، وأهل اللواء، وقادة الكتائب، وورثة الأنبياء وسلفنا الصالح.

ولقد بلغ الإمام عبد الله بن المبارك، وهو مرابط في سبيل الله بأرض الشام أن الفضيل بن عياض العالم الورع قد لزم العبادة بحرم مكة، وأثر ذلك على الرباط في سبيل الله أمام العدو هذا العام، فكتب إليه قصيدته المشهورة التي فيها:

يا عابد الحرمين لو أبصرتنا

لعلمت أنك بالعبادة تلعب 

من كان يتعب خيله في باطل

فخيولنا يوم الكريهة تتعب

أو كان يخضب خده بدموعه

فنحورنا بدمائنا تتخضب

ريح العبير لكم ونحن عبيرنا 

وهج السنابك والغبار الأطيب

فلما بلغ الفضيل هذه الأبيات بكى، وقال: صدق أخي ونصحني، هؤلاء هم علماء الأمة لم يخدعوها بالكلام المعسول والألفاظ السراب، والألقاب المصنوعة، بل أتبعوا القول بالعمل، والكلمات بالأفعال، فنصحوا للأمة، وربوا الرجال، الذين حموا الديار، وخاضوا المعارك؛ دفاعًا عن الحق:

ومن عجب أن السيوف لديهم 

تحيض دما والسيوف ذكور

وأعجب من ذا أنها في أكفهم 

تأجج نارًا والأكف بحور

فهل يهب رعاة الأمة لنجدتها، ويصحو علماؤها لريادتها، وتنتظم الصفوف، ويؤذن مؤذن الفلاح، ويفرح المؤمنون بنصر الله؟.

نسأل الله ذلك.

الرابط المختصر :